آفة الدين التعليب..

الأحد 2013/11/24

إذا كانت الأدلجة هي آفة الفكر، والزعامة هي آفة الحكم، فإن التمذهب هو آفة الدين، والكل في النهاية نوع من التعليب، أي حشر ما هو لا متناه فيما هو متناه، أو تحديد ما لا يُحدد. ففي الفكر مثلا، أدت الأدلجة، أو تعليب الفكرة، إلى تحويل فلسفة مثل الهيغلية والماركسية ذات الأبعاد الفكرية المفتوحة، إلى إيديولوجيا ذات أبعاد محددة ومغلقة هي الإيديولوجيا الشيوعية التي سقطت مع سقوط حائط برلين (1961-1989) ومن ثم سقوط الاتحاد السوفيتي (1922-1991) الذي تأسس في أعقاب ثورة أكتوبر 1917 البلشفية، وكان لزاما عليه أن يسقط طالما كان مؤطرا بإيديولوجيا غير قابلة للتنفس، حيث كانت قابعة ضمن حدود علبة لها أبعاد ثابتة.

وذات الشيء يمكن أن يُقال عن الفلسفة النيتشوية التي أُطّرت وعلّبت ضمن عديد من الإيديولوجيات لعل أبرزها الإيديولوجيا النازية (1920-1945)، التي قولبت الكثير من مفاهيم تلك الفلسفة القابلة لمختلف التفسيرات والتأويلات، إلى مفاهيم ذات طبيعة عنصرية متعالية لا أظن أنها خطرت لفريدريك نيتشه (1844-1900) على بال. وقد استطاعت النازية أن تحكم ألمانيا لفترة معينة (1933-1945)، ولكنها سقطت في النهاية، لأن "التعليب" كان لا بد أن يقودها إلى كوارث ببنيته الجامدة، وتحديده الساكن لكل شيء.

وفي الحكم، فإن الزعامة وتأليه الفرد قد اختزلا كل أنماط الحكم وفلسفة السياسة إلى نمط واحد أوحد لا ثاني له، هو الاستبداد الذي يقف على قمته زعيم تاريخي ملهم معصوم، من أمثال ستالين وهتلر وموسوليني وصدام حسين ومعمر القذافي، وفي ذلك تحجيم وتعليب لكل ما أنتجته البشرية من تنوع في أنماط الحكم وفلسفة السياسة. وليس من الغريب أن تبرز الزعامة ومفهومها في ظل الإيديولوجيات الشمولية المعلبة للفكر، ففي النهاية فإن هيمنة مفهوم التعليب تؤدي إلى مزيد من التعليب، والخاتمة هي الكارثة والسقوط، وهو ما حدث طوال التاريخ وكل الأوقات التي تمتزج فيها الإيديولوجيا بالزعامة.

أما كارثة الكوارث فهي حين يُعلّب الدين ضمن مذهب جامد المفاهيم، ومؤسسة مغلقة غير قابلة للتكيف والتغير وفق متغيرات الزمان والمكان وتحولات البشر في مجتمع من المجتمعات، ويُقدم هذا المذهب أو تلك المؤسسة أو هما معاً، حيث أنه لا قيام لمؤسسة في هذا المجال دون مذهب محدد، ولا استمرار لمذهب دون تجسده في شكل مؤسسة، على أنهما مثل جناحي طائر بالنسبة إلى الدين، وإذا كان الطائر لا يكون طائرا دون جناحين يحلقان به في السماء، فإنه لا دين قادر على البقاء دون مذهب يؤطره نظريا، ومؤسسة تجسده اجتماعياً، وتجعله بالتالي واقعا محسوسا للعامة من البشر. فليس كل البشر من جهابذة التصوف أو فلاسفة الوجود مثلا، القادرين على التعامل مع المجردات والفكر الخالص أو المحض. مثل هذا الأمر، أي تجسيد الفكرة على شكل مذهب ومؤسسة وكما ذُكر سابقا، أمر لا بد منه، بل هو ضرورة تاريخية واجتماعية، ولا تكمن المعضلة هنا. تكمن المعضلة حقيقة في جمود المذهب ومفاهيمه وسكون المؤسسة وبنيتها من ناحية، وتقديم المذهب أو المؤسسة بهذا الوصف على أنه هو ذات الدين، أو على أنه الشكل الوحيد للفكر الديني مجسدا، ومن ثم تتحول العاطفة الدينية، ومن ثم الفكر الديني، المنطلق والمستوعب لكل ما هو كائن في الوجود البشري (التاريخ والمجتمع)، والقابل بالتالي لكل تنوع واختلاف على أنه جزء من طبيعة الحياة كما أرادها موجد هذه الحياة، إلى كيان مستقل بذاته، مرجو بذاته، تقوم شرعيته على ذاته، ويغيب جوهر الدين في النهاية. حدث هذا في تاريخنا الإسلامي مثلا، حين أغلق القرار السياسي للخليفة العباسي المتوكل (205هـ-247هـ) باب الإجتهاد، أي الفضاء المفتوح للفكر الديني، وكان ذلك إيذانا بدخول العصور الإسلامية المظلمة التي ألقت بظلالها على عالم المسلمين حتى هذه اللحظة. أما أبرز مثال في هذا المجال فهو أوروبا الكاثوليكية في عصور ظلامها، حين تكلست بنية الكنيسة وأسنّت مفاهيم المذهب، فكان لا بد للبروتستانتية أن تظهر كمعبر عن غربة الدين في ظل هيمنة التعليب وتكلس المفاهيم التي تحولت إلى معبودات بذاتها، وعودة إلى وثنية هي أشد من وثنية مقدسي الطواطم والأصنام. ومع الوقت، تحول الكثير من " مذاهب " البروتستانتية إلى هذه الوثنية الجديدة، وثنية المفاهيم الساكنة والمؤسسات المتكلسة، فكانت النتيجة أن ترك كثير من أهل المسيحية الدين جملة وتفصيلا، لا رفضا لذات الدين بوصفه ضرورة وجودية، ولكن رفضا لتلك المذاهب والمؤسسات التي تقدم نفسها على أنها هي الدين، وأن من خرج على "أقانيمها" و"ثوابتها" المقررة من قبل بشر مُنحوا قداسة ما أنزل الله بها من سلطان، وتفويضا إلهيا منحوه لأنفسهم. لذلك مثلاً، ووفق ملاحظة عابرة بسيطة، نجد أن الكثيرين من المؤمنين بالمسيح في الشرق وفي الغرب يعلقون الصليب في أعناقهم، أو يرسمون الصليب على صدورهم في الملمات، ولكنهم لا يرون في الكنيسة أكثر من مؤسسة بشرية ضمن مؤسسات أخرى، وغير ملتزمين بأكثر تعاليمها، رغم أن دور الكنيسة هناك قد تلاشى إلى درجة أنها لم تعد بذاك التأثير الكبير في المجتمع، والسبب في كل ذلك هو سبب تاريخي في المقام الأول، ألا وهو سكون المفاهيم وتكلس المؤسسات.

ولعل كارثة الكوارث حين الحديث عن التمذهب وتقديسه كمعبّر عن الدين، والمؤسسة ورهبتها كتجسد للدين، هو حين يؤدلج المذهب، ومن ثم يؤدلج الدين ذاته بصفة المذهب صاحب الدور في اللعبة السياسية هو التعبير الأوحد عن الدين محل الاعتبار، ويلج عالم السياسة كلاعب من لاعبيها، محاولا نفي وإقصاء بقية اللاعبين وفق مفاهيم الكفر والإيمان والردة والمروق من الملة والاعتصام بحبل الدين، منظورا إليه بطبيعة الحال وفق رؤية المذهب، وعلى أساس أن من يعارض القائلين بالمذهب إنما يعارضون الدين نفسه، ومن يعارض الدين فهو معارض بالتالي لخالق الكون وما حوى. صحيح أن كل الأحزاب ذات الإيديولوجيات الشمولية تقوم على أساس الفهم الأوحد للحقيقة، وبذلك فإنها تنفي وتقصي بقية الأحزاب والتيارات والرؤى وفق مفاهيم خاصة بها، مثل مفاهيم التخوين والتآمر وعداء الأمة والوطن وغيرها، غير أن نقد مثل هذه الإيديولوجيات وأحزابها يبقى في حدود المعارضة البشرية، حتى وإن أضفت مثل تلك الإيديولوجيات نوعا من قداسة دنيوية على نفسها بمسحة ذات رنين ديني، وبالتالي فإن الصراع والتنافس يبقى في حدود مفاهيم البشر. أما في حالة الأدلجة الدينية فإن الصراع لا يبقى ضمن حدود التنافس بين البشر، أي بين بشر وبشر، بل إنه يتحول إلى نوع من الصراع مع خالق البشر، أي بين البشر والذات الإلهية ضمنا أو تصريحا، وذلك كما تطرحه الأحزاب والتيارات المؤدلجة للدين، أو لنقل المؤدلجة لمذاهب الدين العديدة في الشرق المعاصر والغرب التليد. هذا لا يعني أن الدين، وبعيدا عن التمذهب والأدلجة والتعليب، خال من مفاهيم السياسة والاجتماع وشؤون البشر، ولكن تلك المفاهيم تبقى مبادئ عامة ومفتوحة لكل جديد وطارئ في الحياة، وقابلة لتجدد مضامينها مع تقلبات الزمان وتغيرات المكان. فالحرية مبدأ ثابت من مبادئ الإسلام مثلا، ولكن مضمونها متغير وفق تغير مفهوم الحرية ذاته، وما كان يعنيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في حديثه عن الحرية في حادثة ابن عمرو بن العاص والقبطي، هي غير الحرية بمضامينها السياسية والاجتماعية والفلسفية التي نتحدث عنها اليوم. المبدأ واحد، ولكن المضمون متغير ومتسع، وهذا ما لا يُمكن إدراكه حين يُمذهب الدين أو يؤدلج أو هما معا، كما هو الحال في غالب الأحوال. ولو كانت المسألة قاصرة على مذهب واحد يُعلّب الدين من خلاله على اختلاف أصعدة التعليب، لكان الأمر أقل تعقيدا، ولكن التعليب يؤدي إلى مزيد من التعليب، فتتعدد المذاهب العقدية ومن ثم الإيديولوجيات السياسية القائلة بالتفسير الأوحد والتمثيل الأوحد للدين، إذ لا غبار على التعددية بعيدا عن القول بالأحادية، ومن ثم يبدأ صراع مرير بين من يقولون بتمثيل الخالق على أرضه وبين غيرهم ممن لا يمثلون إلا أنفسهم وبالتالي يعادون الخالق من ناحية، وبينهم وبين أنفسهم من ناحية أخرى، وهو صراع أشد وطأة من كل أنواع الصراع، إذ أنه يجري باسم الله وفي سبيل الله.. ويتواصل الحديث إن شاء الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــ


جزء ثان من ثلاثة أجزاء

6