آفة الدين التعليب..

الأحد 2013/12/01

في رواية "شفرة دافنشي Davinci Code"، للروائي الأميركي "دان براون"، تقوم الكنيسة الكاثوليكية بمطاردة وقتل أعضاء في منظمة سرية لديها معلومات متوارثة من مئات السنين تتعلق بالحياة الحقيقية للسيد المسيح، عليه السلام، وخاصة علاقته بمريم المجدلية، تلك البغيّ التي أنقذها المسيح من الموت رجما، ثم أصبحت من أخلص اتباعه بحيث شهدت واقعة صلب المسيح عليه السلام، وكانت أول من شهد قيامته من الموت بعد الصلب، وذلك وفق الرواية المسيحية كما وردت في الأناجيل المعترف بها من قبل مختلف الكنائس المسيحية (أناجيل متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا).

بطبيعة الحال هناك أناجيل أخرى عديدة تصل إلى العشرات، منها ما هو باق ومنها ما هو دارس، ولكن المعترف بها هي هذه الأناجيل الأربعة فقط. عودة إلى رواية دان براون، وإلى روايات ووثائق تاريخية عديدة، فإن حياة المسيح الحقيقية تختلف كثيرا عن حياته كما تصفها هذه الأناجيل، ومنها أنه تزوج مريم المجدلية وأنجب منها، على خلاف الصورة الكنسية الرسمية التي تصوره عازبا حتى موته. والحقيقة أننا لسنا هنا بصدد البحث عن حقيقة المسيح، التاريخية أو الواردة في الكتب المقدسة وعقد مقارنة بين هذا وذاك، بقدر ما أن الهدف هو الوصول إلى نقطة محددة وهي دفاع الكنيسة عما ورد في الرواية الرسمية عن حياة وموت المسيح، والعلاقة بين طبيعته الناسوتية واللاهوتية، حتى وإن تعارض ذلك مع روايات أخرى أو كشوفات تاريخية وثائقية تثبت عكس الرواية الإنجيلية الرسمية، وهو الأمر الذي تدور حوله رواية شفرة دافنشي. والسؤال المطروح هنا هو لماذا تفعل الكنيسة ذلك، رغم أن تعاليم المسيح الإنسانية والأخلاقية لن تتأثر كثيرا بمثل هذه الأمور التاريخية فيما لو ثبتت؟

جواب مثل هذا السؤال يعود بنا إلى قضية التعليب والمأسسة المفرطة للدين، حيث يختفي الجوهر ويبقى المظهر ممثلا في المؤسسة المدافعة عن وجودها وكيانها وشرعيتها، حتى لو تعارض ذلك مع حقائق ثابتة أو منطق يقوم على شيء من العقل والحقيقة، وهنا يكمن لب مأساة الكثير من الأديان حين تتحول من الفكرة والدعوة إلى المأسسة الجامدة، والتي ليست المسيحية المتحدث عنها هنا إلا مثلٌ يُضرب لمثل هذه المأساة ليس إلا.

حين تنشأ مؤسسة ما، بغض النظر عن الفكرة التي قامت عليها هذه المؤسسة، فإن منطقا خاصا بهذه المؤسسة ينشأ ويحكم تصرفاتها وتوجهاتها، سواء وعى منشئو هذه المؤسسة ذلك أو لم يعوه، وذلك أسوة بمنطق الدولة الذي يحكم أفرادها ومؤسساتها، حتى لو كان ذلك مناقضا لقناعات أولئك الأفراد الذين هم في النهاية مجرد مسامير في أجهزة الدولة، لا يُستثنى من ذلك أي نوع من المؤسسات التي تتحول مع الزمن إلى كيانات ذات وجود منفصل، بهذه النسبة أو تلك، عن الفكرة التي نشأت عليها، بل وفي كثير من الأحيان تحوّر الفكرة لتتلاءم مع منطق المؤسسة التي اكتسبت وجودا مستقلا، سواء كانت مؤسسة دينية أو مدنية.

من هنا ندرك مثلا لماذا قامت الكنيسة وغيرها من مؤسسات دينية بملاحقة واضطهاد كل من يطرح فكرا أو فكرة مناقضة للرواية الرسمية المتبناة من قبل الكنيسة – المؤسسة، وهي التي كانت في بداياتها فكرة مجردة ودعوة خالصة مضطهدة من قبل مؤسسات قائمة، وبمختلف التهم التي تبعد القائل بالفكرة عن الملة أو حظيرة الدين الصحيح، وذلك مثل تهم الهرطقة والزندقة والمروق وحتى الكفر، حتى لو كانت هذه الفكرة تحمل أقدس المعاني وأجمل الغايات، ففي النهاية فإن المؤسسة هي من يحدد الحقيقة الثابتة ومنهجية الوصول إليها، وليس ما تحمله ذات الفكرة من معان أو احتمالات متعلقة بالجوهر ولكنها تتناقض مع كثير من تجليات المظهر.

ونعود ونكرر هنا ما سبق أن قيل إن الخلل ليس في ذات المأسسة، فهي ضرورة تاريخية واجتماعية لا غنى عنها في حياة البشر، ولكنه يكمن في تلاشي الفكرة التي قامت عليها المؤسسة، والمبدأ الذي كان حجر الزاوية في بدء نشوء المؤسسة، وذلك حين بدأ الانفصال بين المبدأ والمؤسسة التي كونت لنفسها مع الزمن منطقا قائما بذاته، ومناقضا في كثير من الأحيان للفكرة المؤسسة أو المبدأ الأساس، فتثبت المؤسسة في النهاية على ما هو متغير في ذاته، ويكون التكلس والنظر من خلال الثقوب التي تحجب كلية المنظر.

أما المأساة الأكبر لمثل هذه المأسسة في المجال الديني تحديدا، فهي تحول المذهب المُجسّد في المؤسسة، والتمذهب الصادر بالضرورة عن مثل هذا التمأسس، إلى نوع من هوية متعصبة لا علاقة لها بالمبادئ أو الفكرة الجوهرية التي تشكل محور الدين والرسالة الدينية، بل وفي تناقض كامل مع تلك الفكرة. ففي تاريخ المسيحية مثلا، كان الدم والقتل والاضطهاد عنوان مراحل كثيرة من هذا التاريخ، رغم أن كل رسالة المسيح إنما كانت تقوم على الحب والتسامح والعفو، فكان المسيحي مثلا يضطهد ويقتل غير المسيحي، والكاثوليكي يضطهد ويقتل البروتستانتي (في مذبحة سان بارتيليمي وحدها مثلا، قتل عام 1572 في فرنسا ما يقارب 30000 بروتستانتي).

وفي تاريخ الإسلام نجد الكثير من المواقف والسلوكيات، الفردية والجماعية، التي تناقض لب وجوهر رسالة النبي الأمي (صلى الله عليه وسلم)، القائمة على مبادئ مثل العدل والحرية والمساواة: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"، (الحجرات 13)، وغيرها من آيات تؤكد المساواة البشرية وحرية الضمير، إلا أن التاريخ المعاش سار في أكثر جوانبه خلاف هذه المبادئ، حين تحول المبدأ إلى مذهب محدد (تعليب) بمؤسسة تقف وراءه، ومن ثم إلى هوية لا يسأل فيها المرء نفسه عن قيمة المبدأ ومعناه بقدر ما يكون موقفه وسلوكه مبني على انتماء قد لا يعرف من معناه في النهاية إلا الاسم والعنوان، فهذا سني أو أرثدوكسي أو كاثوليكي، وذاك شيعي أو بروتستانتي أو لوثري، فيعادي ويضطهد ويقتل باسم المذهب – الهوية، الذي أصبح هو كل الدين وما عداه مروق وضلال، وإن تعارض كل ذلك مع ما هو جلي وواضح من قيم ومبادىء تكاد تنطق بنفسها قبل أن يعبر عنها لسان أو جنان.

ولعل ما يجري وجرى في ديار العرب والمسلمين اليوم والأمس من قتل واضطهاد تحت راية الدين، والدين في جوهره منها براء، خير مثال في هذا المجال، غير ناسين أو متناسين أن أكثر أعمال العنف والقتل في تاريخنا إنما جرت باسم الدين وإعلاء كلمة "الرحمن الرحيم"، وهي في حقيقتها إنما جرت بدافع التعصب للمذهب والهوية المغلقة من قبل العامة، أو مصالح دنيوية من قبل الخاصة، أو هذا وذاك معا في تبادلية وتمازجية مدمرة، لا علاقة لها بالمبادئ السامية التي كانت تلك الأعمال تجري باسمها وفي ظلها.

لعل أبرز الأمثلة الدالة على المراد هنا، أي تحول المبادئ ذات الفضاء الرحب والمفتوح إلى قولبة وتمذهب ومأسسة تؤطر حدود هوية متعصبة رافضة لغيرها حتى لو كان منها، اغتيال أبو الهند الحديثة المستقلة المهاتما غاندي (1869-1948)، على يد هندوسي متعصب لم ترق له إنسانية غاندي، وهو الهندوسي المتسامح، مع مختلف أطياف المجتمع الهندي والتي كان يرى فيها تهديدا للهوية الهندية الهندوسية الخالصة الرافضة لما عداها من أطياف المجتمع الهندي الواسع، وسواء كانت هذه الأطياف هندوسية أو غير هندوسية، وذلك امتثالا لتعاليم مذهبه كما لُقنه من قبل القائمين على منظمة "ماساسا بهاهندو" الهندوسية المتطرفة، التي كانت تؤطر الهوية الهندية في قالب ضيق واحد لا يعترف بالتعددية ولا يرى في التسامح إلا ضعفا وإضعافا للهوية الصافية، وهو ذات ما تقول به كثير من تيارات الإسلاموية المعاصرة في عالمنا العربي ومختلف ديار المسلمين.

لقد كان لقب موهنداس غاندي هو " المهاتما "، أي الروح السامية، وقد كان بالفعل تجسيدا للسمو في تاريخ الإنسان المعاصر، وهو الذي كان يقرأ الكتب المقدسة لكل الأديان، فيأخذ الجوهر النقي من كل تلك الأديان ويلقي بما اعترى ذلك الجوهر من قشور ليست منه لاحقا، ولكن هذه الروح السامية أزهقت على يد من لعبت بعقولهم حمّى التعصب، وعبثت بأرواحهم قيود القولبة والتمذهب والتعليب ووهم الهوية.

في طرفة ذات مغزى، يُقال إن أحدهم كان يستمع إلى موعظة قسيس اشتهر ببلاغته وتأثيره الوجداني على جمهوره، فأخذ جميع الحاضرين يذرفون الدمع وينشجون تأثرا، إلا صاحبنا هذا بقي ساكنا غير متأثر البتة. فلما سُئل عن سبب عدم تأثره وقد بكى الناس أجمعين، قال ببرود: "عفوا.. فأنا لا أنتمي لهذه الأبرشية "، والأبرشية هنا تعني المذهب أو الطائفة أو الجماعة الدينية أو مؤسسة دينية بعينها أو هوية ضيقة مفترضة. الشاهد في الموضوع أن هذا الشخص كان "مُحصنا" ضد التأثر بما كان يقوله الواعظ أو غيره، فأغلق قلبه وقولب عقله، أو لنقل أن عقله كان مقولبا وقلبه كان مغلفا بطيات من قماش أسود سميك، حيث لا ينفذ إليه إلا ما يُراد له أن ينفذ، حتى وإن كان ذلك باسم كل ما هو سام مضمونا وبداية، وهذه هي ببساطة معضلة الأساس لعالم العرب والمسلمين اليوم، إن لم تكن هي محور ورحى كل المعضلات، ففي النهاية فإنه لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.. هذا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ــــــــــــــــــــــــــ


جزء ثالث وأخير

6