آفة السرقات الثقافية

في العام الماضي تم اكتشاف سرقة عدد من الأطروحات الجامعية بالجزائر نال عليها أصحابها “الدكتوراه والماجستيرات”، ولكن هؤلاء لم يمسهم أي عقاب معنوي ومادي من أجل حفظ ماء وجه البحث العلمي والأمانة الفكرية في جامعاتنا.
الجمعة 2018/11/09
ظاهرة لا تزال تصيب بويلاتها حياتنا الثقافية بالبؤس والشلل الأخلاقي (لوحة ساشا أبوخليل)

منذ يومين راسلني الأستاذ المبرز بجامعة الجزائر، الدكتور علي كسايسية، وقال لي في رسالته الموجزة جدا إن إحدى دور النشر الأردنية، قد سرقت فصلا كاملا من كتاب له دون الإشارة إليه ولقد علم الدكتور كسايسية بهذا الحدث المأسوف عليه بمناسبة انعقاد معرض الكتاب الدولي بالجزائر الذي لم تنته أشغاله حتى الآن.

وفي الحقيقة فإن لعنة السرقات الفكرية والأدبية والأطروحات الجامعية ببلداننا ليست جديدة، بل هي ظاهرة حية ترزق حيث أصابت ولا تزال تصيب بويلاتها حياتنا الثقافية بالبؤس والشلل الأخلاقي.

 أذكر أنه منذ عدة سنوات قام دارس جامعي جزائري بسرقة كتاب ضخم في النقد الثقافي ونال عليه جائزة مالية سمينة، والمفارقة الفكهة هنا تتمثل في أن الناقد المسروق هو الذي دافع عن هذا الباحث الأكاديمي السارق وألحّ على تكريمه بتلك الجائزة الميمونة، ويبدو أن حماسه لعنوان ذلك الكتاب وهو “مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن” هو الذي فعل فعله.

 ومما يؤسف له أن هذا الرجل لا يزال يصول في الملتقيات العربية ويتمتع أيضا بمنصبه كأستاذ. ففي أحد مهرجانات الشعر بليبيا قام شاب في الثلاثينات من العمر إلى المنصة وشرع في قراءة قصيدة، وكان يعتصر ألما وعذابا لأن تلك القصيدة كانت مرثية لشاعر مات فجأة وعندما انتهى من إلقاء قصيدته دوى تصفيق الحاضرين في القاعة وكاد أن يخلخل توازن سقف القاعة. كان ذلك التصفيق تثمينا لتلك القصيدة التي كانت فعلا من الشعر العظيم.

نزل ذلك الشاب من المنصة مزهوا ورأيناه يتبختر في مشيته، ولكن أحد الحاضرين اقترب منه وعاتبه على إلقاء قصيدة ليست له، ولم يذكر صاحبها وهو الشاعر الأيرلندي بتلر ييتس التي رثى فيها صديقه الراحل الشاعر أزرا باوند وترجمت إلى العربية ونشرتها مجلة “نوافذ”.

 وفي العام الماضي تم اكتشاف سرقة عدد من الأطروحات الجامعية بالجزائر نال عليها أصحابها “الدكتوراه والماجستيرات”، ولكن هؤلاء لم يمسهم أي عقاب معنوي ومادي من أجل حفظ ماء وجه البحث العلمي والأمانة الفكرية في جامعاتنا، بل بقي هؤلاء في مناصبهم والأدهى والأمر هو أنهم واصلوا صعود أبراج الترقية رغم أنف الجميع.

 وفي الواقع هناك سرقات أخرى في عالم الأدب والنقد اتخذت شكل اختراعات جد ذكية وأكثر شطارة وقد تمت بواسطة استعمال تقنيات الحيلة والطرق الملتوية، منها ما كشفه صديق لصديقه حينما أعلمه أن هناك بعض النقاد الذين تعودوا أن يتحدثوا شفويا مع زملاء لهم حول قضايا فكرية وأدبية، وناقشوا خلال مكالمات هاتفية مفاهيم ومصطلحات، وبعد مدة وجدوا كل الذي قالوه منشورا ضمن مقالات وفي كتب أولئك الذين تحدثوا إليهم ببراءة وتلقائية من دون أن يذكرهم أولئك المنتحلون أبدا.

15