آفة الغطاء السياسيّ

الثلاثاء 2014/09/30

الغطاء السياسيّ توصيف يتكرّر بشكل دائم في معرض الحديث عن عنف بعض الجماعات ضدّ بعضها الآخر. يترافق الأمر بتكرار الحديث عن ضرورة نزع الغطاء السياسيّ عن هذه الجماعة أو تلك، بخاصّة في الأماكن التي تشهد توتّرات، ونزاعات، وحروبا. وتحتدم الحالة أكثر في المناطق الملتهبة التي تتّسم بالتداخل والتنازع والاحتراب، بحيث يمثّل الغطاء السياسيّ المعلَن الشرعيّة المفترضة من عدمها، فهو يقدّم الضمانة أو يسحب الاعتراف، يوجب التعامل أو يمنع التعاطي، يبيح الممارسات العنفيّة التي قد تصل إلى درجة التصفيات والاغتيالات التي يتمّ غضّ النظر عنها.

يمثّل الغطاء السياسيّ آفة في أوقات الأزمات والحروب، وحتّى في مراحل التهدئة والهدنة، يكون وسيلة من وسائل الضغط على الخصوم، وربّما على الحلفاء، لتمرير الصفقات، أو تسهيل المفاوضات، وتدعيم المساومات، ما يؤدّي إلى تفشّي روح إجراميّة تستمدّ ديمومتها من سلطة تشرعن لها الفساد والإقصاء، وتبيح لها المحظور، بل تجمّله وتحضّه عليه.

يختلف أمر الغطاء السياسيّ في حال الدول والأنظمة، فالجيوش تتبع سياسات أنظمتها، وتسعى إلى تنفيذ مخطّطاتها، وتحقيق أهدافها، بعيدا عن البحث عن أيّة تبريرات أو أغطية. أمّا في واقع “الكانتونات” المتحاربة، تبرز كلّ جماعة مدفوعة بمصالحها وامتيازاتها، تجنح إلى التشبّث بما تفترضه حقوقها، وتكون للواجهة السياسيّة أذرعتها العسكريّة، أو ميليشيات تأتمر بأمرها، وتنفّذ رغباتها وطلباتها، تتبادل معها المصالح، قد تتبعها عقائديّا أو قبليّا، وقد تنسّق معها آنيّا ومرحليّا في سبيل تحقيق بعض المآرب.

الغطاء كأيّ آفة تتفشّى مثل الأوبئة في الظروف غير الطبيعيّة، وفي المراحل التي تعتبر منعطفات هامّة، وأحيانا يكون الأمر للتغطية على شناعات مقترفة، وتجميل قباحات بعينها. حين تفقد السلطة مقوّمات بقائها واستمرارها، تنتشر ظاهرة التخندق في حِمى الجماعة التي تكفل الأمان وتضمن السلامة، ولا بدّ في هذه الأحوال من غطاء، يتصدّر على أنّه سياسيّ، وقد يجمع بين الدينيّ والسياسيّ، لكنّ السياسيّ يقود ويدير العمليات التي تحتاج إلى غطاء للتعتيم أو ردّ الخصوم وتبرير الأفعال، أو تكذيب الأقوال والانتقادات.

حين يعيش البشر في قواقع معاصرة في مدن على صفائح متحرّكة ملتهبة، تنتظر أيّ فتيل لإشعال حرائق قد تأتي على كلّ شيء، يشعرون بالحاجة إلى الانضواء في ظلّ غطاء ما، لا من منطلق الإيمان به أو الثقة بتوجّهاته، بل من باب الحاجة، لأنّ مَن يظلّ بعيدا عن أيّ غطاء، قد يكون لقمة سائغة للكلّ، وقد يصبح مضرب المثل في الانكشاف والاستخفاف، بحيث يوضع دريئة للإشارة إليه والتصويب عليه، كي يكون عبرة لغيره من المتجرّئين على تحدّي الانسياق وراء جنون السياسة وخبث السياسيّين.


كاتب من سوريا

15