آلات الذكاء الاصطناعي تقاسمنا الحياة اليومية

باحثون ومتخصصون في مجال الذكاء الاصطناعي يحذرون من مخاطر الروبوت، مؤكدين أنه سيتحول قريبا إلى "مجرم خطير" لا يمكن ردعه.
الأحد 2018/04/29
نزاعات وخلافات قانونية بين الإنسان والروبوت في الأفق

برلين – سنة 2015 سحق روبوت يعمل في أحد فروع شركة فولسفاغن في ألمانيا عاملا فأرداه قتيلا أثناء قيام العامل بتجميع أجزاء الروبوت.

وأوضح المتحدث باسم الشركة أن الروبوت أمسك بالعامل وضغط عليه باتجاه لوحة معدنية. هذه أول جريمة يقوم بها الروبوت ما يطرح سؤالَ من يتحمل المسؤولية إذا ألحق روبوت ضررا بإنسان أو أساء إليه؟

وفي 2016 شهدت مدينة شنتشن بجنوبي الصين حادثة اعتداء روبوت على الإنسان، وذلك في معرض التقنيات الإلكترونية الذي أقيم في تلك المدينة، حيث قدمت إحدى الشركات روبوتا قصير القامة تشبه بنيته وأبعاده بطل فيلم “حرب النجوم”.

وانحصرت وظيفة الروبوت الرئيسية في تدريس الأطفال وترفيه الضيوف، لكنه انطلق فجأة من مكانه وراح يدكّ المعدات الواقعة بالقرب منه، وعندما حاول موظف في المعرض وقف الروبوت عن هيجانه، ضغط الأخير على رجل الموظف وضربه.

هل ستكون قوانين الحرب المطبقة حاليا كافية للتعامل مع أي مشكلة قد تطرأ حال نشرِ الروبوت القاتل واستخدامه في المعارك والحروب؟ سيقوم في المستقبل بالقتل دون الرجوع إلى البشر بل سينتهك القانون ويُنفّذ إعدامات دون رحمة في حال عدم منعه عالميا، كما يتوقع الباحثون.

أسئلة كثيرة تطرح نفسها بعد أن أصبح الروبوت يعيش مع الإنسان في المنزل والعمل ويشاركه الكثير من تفاصيل الحياة اليومية، بل أصبح شرطيا بغية التقليل من معدلات الجريمة ورصد المخالفات.

 

في المستقبل القريب سيختلط البشر بالروبوتات في الشارع والأماكن العامة والمنازل، هذا الاختلاط ستنجر عنه بعض الإشكاليات القانونية والاجتماعية لتنظيم العلاقة بين الإنسان والإنسان الآلي، لذلك يطرح بعض الخبراء سن القوانين التي من شأنها أن تحسم القضايا الخلافية بين الإنسان والروبوت من ناحية وبين روبوت وآخر من ناحية أخرى

حذر باحثون ومتخصصون في مجال الذكاء الاصطناعي من مخاطر الروبوت، مؤكدين أنه سيتحول قريبا إلى “مجرم خطير”، لا يمكن ردعه، وذلك سيتسبب حتما في وقوع نزاعات ومرافعات قضائية.

يقول إيغور نوسكوف -أستاذ القانون في إحدى الكليات الروسية- معلقا على إعلان تقدم به قاض في المحكمة الدستورية الروسية يتعلق بطرح قوانين تشمل الروبوتات، إن مشكلة إقامة وتنظيم العلاقات بين الشخصيات الطبيعية والقانونية من جهة، والروبوتات من جهة أخرى تصبح مع مرور الوقت أكثر إلحاحا، ولا يستبعد الخبراء احتمال تنظيم العلاقات بين روبوت وآخر.

وعلى سبيل المثال، يمكن أن يتسبب السائق الآلي في وقوع حادث مرور لالتزامه الفائق بمراعاة قواعد المرور التي أصدرتها شرطة المرور. وهناك بند يفيد بأن السائق يحق له خرق قواعد المرور تفاديا لوقوع الحادث أو إصابة الركاب بجروح، فما العمل إذا أدى التصرف الصائب للروبوت إلى وقوع الحادث أو حتى مقتل البشر؟ ومن سيتحمل مسؤولية ذلك؟

سيصبح الروبوت في المستقبل قادرا على التعلم من تجاربه، ما قد يجعله عرضة لمخالفة القوانين، وفي حال قرر أن يصبح عنصرا إجراميا سيكون من المستحيل توجيه التهم إليه.

ويورد باحثان في مجال الذكاء الاصطناعي هما أميتاي إيتزيوني وأورين إيتزيوني مثالًا السياراتَ ذاتية القيادة لإظهار الأخطاء التي يمكن أن تنجم عن الروبوت والتي تصنف في خانة الجرائم في حال قام بها الإنسان.

وكان الباحثون في غوغل قد حذروا في السابق من ظاهرة مماثلة يقوم فيها روبوت التنظيف بقتل أصحابه إذا ما اعترضوا طريقه، لكن هذا التهديد يتعاظم في حالة الروبوت المزود تحديدا بقدرات قاتلة أو حتى منقذة للحياة.

وأصبح من الضروري وضع هيكل قانوني ليصبح الروبوت أكثر تكاملا في الحياة اليومية، لذلك اقترح المشرعون إعطاء شخصية إلكترونية للروبوت، كنوع من الشخصية القانونية، وذلك ضمن تقرير للاتحاد الأوروبي سنة 2017، لكن هذا النوع من الحقوق محدود ولن يكون مماثلا لحقوق البشر، إذ لن يتاح للروبوت الزواج أو شراء المنازل أو تبني الأطفال، لكنه سيتيح للروبوت ذاتي التحكم أن يقاضي غيره، وسيتيح للآخرين مقاضاته، كما سيتيح للروبوت صفة قانونية مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الشركات.

لا يتفق الجميع على هذه الخطوة، فقد حذّر منها خبراء المفوضية الأوروبية، مؤكدين أن هذه الخطوة المقترحة ستكون سيئة من الناحية القانونية والأخلاقية؛ يقولون إن هذه الخطوة ستحمّل الروبوت مسؤولية الأخطاء التي يرتكبها بدل أن تتحملها الشركات المصنعة، كحال أن يستخدم روبوتٌ مكلف برعاية مرضى قوة مفرطة تجاه أحد المرضى ويكسر ذراعه.

يقول أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة شيفيلد في بريطانيا نويل شاركي “إن موقف البرلمان الأوروبي يمنح الشركات المصنعة طريقة خبيثة للتهرب من مسؤوليتها”.

في المقابل يشير بعض الخبراء إلى أن تقرير الاتحاد الأوروبي يضع منطلقًا للتشريعات التي يحتاج إليها الناس فحسب، “علاقة سببية بين السلوك الضار للروبوت والأضرار التي لحقت بالطرف المتضرر”، والتي يجب أن تعوضها الشركة المصنعة.

وهذا يعني أن ضحايا جرائم الروبوت ستنصفهم العدالة، ولن يستطيع الصناع الهروب من العدالة بالقول إنهم لم يقصدوا أن يتصرف الروبوت بهذه الطريقة.

يقترح مشرعون في الاتحاد الأوروبي إعطاء شخصية إلكترونية للروبوت، كنوع من الشخصية القانونية

ونتيجة لزيادة تعقيد الروبوت، ستزداد النقاشات الدائرة حول حقوقه، وتوجد حالات معقدة أخرى من حقوق الروبوت  في حال كانت أفعال الآلة الذكية ومنتجاتها مرتبطة بها وليس بمصممها.

يقول أحد المحامين لصحيفة الغارديان  “إذا صمم روبوت جهازا وتم تسجيل براءة اختراع، فمن يملك براءة الاختراع، الروبوت أم مصممه؟ ومن يحصل على أرباح بيع هذا الاختراع؟ وإذا بيع الروبوت لشخص آخر، هل يأخذ ذلك الشخص تلك الملكية الفكرية أيضا؟”.

الإشكاليات القانونية والأخلاقية التي يطرحها تطور الروبوت عديدة، فإلى جانب حقوق الإنسان التي تترتب على ارتكاب الروبوت جريمة في حق إنسان ما، ماذا عن الروبوت الذي يتعرض إلى مضايقات أو انتهاكات من قبل البشر؟

التساؤل ليس من باب الفرضيات، فالحوادث والمضايقات التي تعرض لها الروبوت أثناء أدائه للمهمات الموكلة له كثيرة؛ ففي سنة 2017 طرح رجلٌ روبوتَ حمايةٍ يزن أكثر من 130 كيلوغراما أرضا، في ولاية كاليفورنيا الأميركية، لتنطلق التعليقات الساخرة من قبيل “روبوت بلا حيلة يخسر قتالا مع رجل ثمل”، أو “الشرطة تقول إن روبوتَ حمايةٍ تعرّض للضرب بين السيارات المصفوفة”.

ستتوالى هذه الحوادث مع انتشار الروبوت في الشوارع لإيصال الطلبيات، وتقديم خدمات أخرى في حياتنا اليومية، ما يتطلب حمايته من العابثين الذين سيحاولون تنفيذ مقالب عديدة، خاصة أولئك الذين سيسلبهم الروبوت وظائفهم، ليشفوا غليلهم.

وقالت شركة “كنايت سكوب” المسؤولة عن صناعة روبوتات توزعت بمنطقة “ماونتن فيو” في كاليفورنيا، إن منتجاتها تعرّضت لثلاثة حوادث مضايقة منذ إطلاقها لأول نموذج تجريبي؛ ففي عام 2014 حاول شخص طرح روبوت أرضا، وفي 2016 حاولت مجموعة من الناس رش روبوت بدهان، لكن أجهزة الروبوت استشعرت رائحة الدهان فأعلمت السلطات المحلية ومهندسي الشركة، وهرب المخرّبون.

وظهر روبوت “هيتشبوت” الذي كان يقف على رصيف الشارع للتنقل من موقع إلى آخر، ليبدأ رحلته عام 2015 عبر كندا، وعند بلوغه فيلادلفيا فقد أثره، وعثر عليه مفكوك الأطراف ومرميا في إحدى المناطق المهجورة.

وادعى مخترع إلكتروني أن دميته الجنسية الذكية تعرضت لواقعة تحرش في مهرجان فنون صناعة التكنولوجيا الذي أقيم في لينز بالنمسا سنة 2017.

وكان المهندس سيرجي سانتوس من إسبانيا يريد أن يقدم الروبوت “سامانثا”، لتستجيب للإغراء “اللطيف” في المعرض ولكن يبدو أن سامانثا حصلت على أكثر من مجرد الإثارة الرومانسية.

انتشار الروبوت يطرح أكثر من سؤال قانوني وأخلاقي، هذا الانتشار أصبح يحتاج إلى تنظيم للعلاقات بين الروبوت والبشر وبين الروبوت والروبوت، وهو التنظيم الذي ربما يتكفل به ربوت في رتبة قاض.

17