آلاف الأقزام يعانون من الدونية في مصر

يعيش قصار القامة في مصر والعالم في مناطق منعزلة اجتماعيا نظرا لما يلاقونه من سوء معاملة في المجتمع، وعدم تفهم لمشاعرهم وعدم إنصافهم في الوظائف العامة وتقديم الخدمات التي يحتاجونها في الأماكن العامة، ما حدا بالبعض منهم إلى ملازمة بيوتهم ورفض الاندماج في مجتمع لا يقبلهم كأسوياء.
الجمعة 2016/10/07
التفاتة من المجتمع والتفاف منهم يعيد لهم الثقة

القاهرة – “من رحم المعاناة يولد الإبداع”، مقولة ربما تنطبق على حال قصار القامة (الأقزام) في مصر، بعد تغلبهم على أزمة ندرة الملابس التي تناسب أجسادهم الصغيرة، عبر إنشائهم مصنع خياطة يفي بالغرض، بجهودهم الذاتية.

فبأنامل صغيرة وعقول واعية، استطاع قصار القامة اجتياز عقبة ندرة الملابس المناسبة لهم، في وقت قياسي، بعد إتقانهم الخياطة وشغفهم بتلك المهنة، مع تحدي الظروف والرغبة في إثبــات الوجود.

فكرة إنشاء مصنع الخياطة، طرأت على بال البعض منهم، قبل نحو 6 أشهر، ففتحت بارقة أمل لقصار القامة في مصر الذين يقدر عددهم بنحو 75 ألفا، بحسب عصام شحاته، رئيس جمعية قصار القامة المصرية.

ويقول شحاته، إنهم “دشنوا مشروع مصنع الخياطة، قبل ستة أشهر بمدينة الإسكندرية (شمالي مصر)، لحل أزمة عدم توافر ملابس لهم”.

ويوضح شحاته أن الدافع وراء المصنع تمثل في اضطرارهم لشراء ملابس لا تناسبهم في الطول أو شراء ملابس أطفال، وبالتالي تحملهم لتكاليف مالية إضافية نظير إعادة خياطة تلك الملابس من جديد لتناسب أجسادهم الصغيرة.

ويضيف أن “هذا العمل هو الأول من نوعه، بدأنا في التنفيذ بإحضار مدربين لتعليم المتطوعين فنون الخياطة بعدما حصلوا على سبع ماكينات تبرعت بها إحدى الجمعيات الخيرية بالإسكندرية”.

ويضيف أن “فترة التدريب استغرقت حوالي ثلاثة أشهر تحمل تكاليفها متبرعون، ثم حضر طلاب من الجامعة الفرنسية بالقاهرة وقدموا إلى المتدربين البعض من الدعم الفني والمهني، بالتعاون مع السفارة الفرنسية، وبعد ذلك عملوا من دون توجيهات لصناعة ملابسهم”.

وكانت المشكلة الأكبر بالنسبة إلى غالبية قصار القامة هي الحصول على ملابس قطنية جاهزة تناسب أجسامهم، لصعوبة تعديلها وإعادة تهيئتها مرة أخرى، لذا ركزوا في عملهم على أن تكون غالبية المنتجات من هذا النوع.

قادرون بإمكانياتهم على مجابهة الحياة

وبحسب شحاته، نجح الأقزام في إنتاج ملابس منزلية (بيجامات) كما أنتجوا ملابس نسائية، لم تقتصر خياطتها على قصار القامة فقط، بل أنتجوا أيضا ملابس للأصحاء بيعت لجيران الجمعية الذين أعجبوا بالمنتج.

ويطمح شحاته إلى إنشاء مراكز لإنتاج الملابس في عدد من محافظات مصر، التي تتواجد بها فروع للجمعية التي يرأسها، إلا أن الإمكانيات المادية لا تسمح له بذلك حاليا، وفق تعبيره.

ويلفت رئيس جمعية قصار القامة إلى أن المشكلة التي تواجههم تتمثل في عدم وجود دعم مادي كاف لتشغيل المصنع بكل طاقته، حيث أن الملابس التي أنتجوها لم يُبع منها إلا القليل، كما أنهم يحتاجون لتوفير رواتب مجدية للعاملين بالمشغل (مصنع صغير لخياطة الملابس).

تحديات

عقد المصنع الصغير الذي تديره، نسرين حامد، مسؤولة المرأة بالجمعية، وإحدى العاملات فيه ضمن 10 من قصار القامة الذين يشكلون طاقم العمل، صفقة لإنتاج ملابس وتوفيرها لمصانع أخرى بهدف طرحها في السوق، وهو ما يعدّ أولى خطوات تحقيق الحلم الذي يطمح إليه القائمون على المشروع.

تحكي نسرين عن تجربتها في تعلم مهنة الخياطة، مع وزملائها وغالبيتهم من النساء، قائلة إن “الأمر في البداية يبدو صعبا للغاية، لأن أصابع قصار القامة صغيرة وتجد صعوبة في إدخال الخيوط في إبرة آلة الخياطة، مما كان يسبب حاجزا نفسيا أمامنا، ويصعب المهمة الجديدة التي نتكفل بها”.

وتضيف، “للمرة الأولى نجد ملابس دون عناء، كما أن المنتجات التي ننتجها في المصنع سترحمنا من تهكم العاملين في أسواق الملابس”.

وبلهجة قوية تؤكد نسرين “نجحنا منذ جلسات التدريب الأولى في إنتاج قطع ملابس مميزة، تصلح للعرض وبالفعل بعنا منها لقصار القامة وغيرهم”.

وأنتج المصنع كمية كبيرة من الملابس، باع منها بالفعل نحو 100 بيجامة (ملابس منزلية) و700 قميص (تي شيرت)، وعددا ليس بالقليل من قمصان الأطفال والملابس المنزلية النسائية أغلبها كان مخصصا لقصار القامة فقط، وفق نسرين.

نسرين حامد: للمرة الأولى نجد ملابس دون عناء، كما أن المنتجات التي ننتجها في المصنع سترحمنا من تهكم العاملين في أسواق الملابس

وبالعودة إلى عصام شحاته مؤسس جمعية قصار القامة، فإنه يشير إلى أن إشكالية الحصول على عمل تعدّ أصعب تحدّ يواجه قصار القامة، إلا أنه أشار إلى نجاحهم في وضع مادة في الدستور الحالي، ضمت قصار القامة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة.

وبموجب النص الدستوري، أصبح من حق قصار القامة التعيين في الوظائف العامة والخاصة، وذلك ضمن نسبة الـ5 بالمئة، من الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، إلا أن ذلك لم يطبق بشكل فعَّال حتى الآن.

هبة هجرس، وكيل لجنة شؤون التضامن الاجتماعي بمجلس النواب (البرلمان) المصري، توضح أن “القانون الجديد المنتظر تطبيقه لا يفرق بين قصار القامة وذوي الاحتياجات الخاصة، فكل الحقوق الممنوحة للمعاقين تساوى معهم فيها قصار القامة”.وتشير هبة إلى أن “اللائحة التنفيذية للقانون الذي يعدّ حاليا بمجلس النواب ألزمت الدولة والقطاع الخاص على تشغيل ذوي الاحتياجات الخاصة، ووضعت نصوصا محددة لمعاقبة من يخالف ذلك”.

معاناة

عن آليات تغير نظرة المجتمع إلى قصار القامة يقول الخبير النفسي، أحمد ثابت، إن “الأفعال السلبية التي يقوم بها البعض ضد قصار القامة وذوي الاحتياجات الخاصة راجع إلى التربية والتنشئة الاجتماعية للأفراد”، مضيفا أنه “لتغيير هذه الأفعال تجب إعادة النظر في البعض من الموروثات الثقافية، وتصحيح البعض من المفاهيم، حتى يتعامل المجتمع بشكل صحي معهم (الأقزام)، بجانب الاهتمام بالثقافة الدينية لترسيخ فكرة عدم السخرية من الآخر”.

يشير خالد حسن، البالغ من العمر 27 عاما ويعمل في المسرح، إلى المضايقات التي يتعرض لها في الشارع من نظرات وكلام جارح، لكنها لا تثبطه، إذ يقول “لا يوجد شيء يؤثر علينا”.

ويضيف أن “هناك أشخاصا من قصار القامة لا يغادرون منازلهم بسبب مضايقات الناس لهم”، ويؤكد الطفل بهاء على السخرية والإهانات الجارحة في الشارع يوميا من قبل الأطفال الآخرين، مؤكدا أن “أهالي هؤلاء الذين يسخرون منا غالبا ما يتخذون موقف المتفرج، بل أحيانا يشجعون أطفالهم بالضحك عقب سخريتهم منا”.

يكرهون المدرسة بسبب الاستهزاء بهم

ومن المشكلات التي يعاني منها قصار القامة أيضا وجود صعوبة في الحصول على أماكن خاصة بهم للجلوس في المقاهي والمطاعم مثل باقي الناس، الأمر الذي يعرضهم للكثير من الألم النفسي والعزلة الاجتماعية.

وتعاني المرأة قصيرة القامة من عدة مشكلات نفسية وصحية ومجتمعية أيضا جراء نظرة المجتمع إليها بصفة خاصة، فهي تتعرض للتحرش الجنسي اللفظي والبدني، وأيضا تلقى السخرية والتهكم بسبب قصر قامتها، إضافة إلى أنها لا تجد فرص عمل متاحة لها كغيرها من الفتيات العاديات، كذلك لها نصيب كبير من العنوسة وتأخر سن الزواج.

تقول نسرين حامد، مسؤولة المرأة بجمعية رعاية قصار القامة “إن هناك مشكلات أساسية تواجه قصار القامة، متمثلة في معاملة الأشخاص لنا ونظرتهم إلينا، ونحن بدأنا من خلال جمعيتنا أن نكون يدا واحدة، وأن نحاول تغيير نظرة المجتمع ولا نكترث بها، وأكثر مشكلة تواجه السيدات هي كيفية إثبات وجودها في بيتها، خاصة في فترة الحمل، حتى تتأكد أنه لا فرق بينها وبين السيدة السوية”.

سراء علي فتاة قصيرة القامة (37 عاما) حاصلة على ديبلوم تعليم متوسط تعمل في مصنع صغير للحلويات، قالت “إن أكثر المشكلات التي نواجهها في المجتمع هي التحرش اللفظي”، وذلك بالسخرية من شكلها وقصر قامتها، والأمر وصل في الكثير من الأحيان إلى الإيذاء البدني من قبل الصبيان الصغار بإلقاء القمامة عليها مثلا وهي تسير في الشارع، مشيرة إلى أنها تعاني كذلك من العنوسة، حيث لم يتقدم لخطبتها أي شخص حتى الآن. وأضافت “أن أسرتها التي تضم شقيقين إلى جانب والديها كلهم من قصار القامة، مشيرة إلى أن الأب والشقيقين يعملون في مجال التمثيل في البعض من الفرق المسرحية”. وبشيء من الضيق أشارت إلى أن والدها لم يجد أمامه سوى ذلك العمل رغم علمه بأنه تتمّ الاستعانة به لإضحاك الجمهور.

ويقول شحاته “إن الدراما تقدم قصار القامة في صورة سيئة جدا، من يفعل ذلك يهدف إلى انتزاع الضحكة من شفاه المشاهدين على حساب قصار القامة أنفسهم، وهم لا يعلمون أنه لا يستطيع إيجاد وظيفة تليق به فيرضى بأي شيء يُعرض عليه، ويوجد في الجمعية من قصار القامة عامل نجارة والآخر عامل بمحطة بنزين وآخر ميكانيكي وهي وظائف لا تتوافق حتى مع طبيعتهم الجسمانية، وبالتالي يرضون بأي عمل على حساب كرامتهم، والأطفال قصار القامة يكرهون الذهاب إلى المدرسة بسبب ما يلاقونه من استهزاء من زملائهم وحتى الأساتذة”.

وبحسب مسح سكاني أجرته وزارة الصحة المصرية في ديسمبر 2015، فمن بين كل 3 أطفال دون سن الخامسة يعاني طفل من قصر القامة، بسبب سوء التغذية، إلا أن بحثا آخر أجرته الوزارة قبل 5 سنوات يشير إلى أن 29 بالمئة من الأطفال المصريين في سن بين يوم وحتى 4 سنوات مصابون بالتقزم، لنفس السبب.

20