آلام ما بعد الأبارتايد على خشبة المسرح في باريس

على مسرح "الهضبة" بالعاصمة الفرنسية باريس، يقدّم جان بيير بارو عرضا مسرحيا مستوحى من رواية "خِزي"، لجون ماكسويل كوتزي، الكاتب الجنوب الأفريقي الفائز بجائزة نوبل للآداب عام 2003، تلك الرواية البديعة التي عالج فيها العلاقات بين البيض والسود بعد إلغاء سياسة الأبارتايد.
الاثنين 2018/01/15
تصوير دقيق للحظة فارقة بين عهدين

بعد الفلمندري لوك بيرسوفال والمجري كورنيل موندروتشو، يقدّم جان بيير بارو، وهو فرنسي من أصول سنغالية، قراءة جديدة لرواية "خزي" التي كتبها جون ماكسويل كوتزي عام 1999، أي بعد خمس سنوات من إلغاء نظام الميز العنصري في جنوب أفريقيا، ليحلّل العلاقات الجديدة بين أسياد الأمس، أي البيض، وأسياد اليوم، أي السود، كأغلبية آل إليها الحكم بصفة ديمقراطية، واختارت رئيسا لها المناضل الراحل نلسون مانديلا.

يصوّر كوتزي تلك العلاقات في لحظة فارقة بين عهدين، بين ميز عنصري جعله البيض نظاما أخضعوا له الأغلبية السوداء، وسياسة تتعثّر في جعل المصالحة بين الطرفين واقعا ملموسا، فبعض السود يطلبون الثأر ممّن أذاقوهم الثكل والويل، ويريدون كيل الصاع ولو بصاع مماثل، وبعض البيض ذاهلون أمام الوضع الجديد، لا يفهمون أنهم فقدوا حظوتهم وامتيازاتهم وتفوّقهم العرقي المزعوم، وصار ينظر إليهم كأقلية في بلاد تداولوا على حكمها ونهب خيراتها منذ منتصف القرن السابع عشر، على غرار البطل، الأكاديمي التائه في بلاد لم يعد يفهمها، بل لم يعد يفهم حتى ابنته.

وتنقسم مسرحية “خِزي” التي تعرض حاليا على مسرح “الهضبة” الباريسي إلى ثلاثة فصول، يستعرض الأول منها الشخصية المحورية، ديفيد لوري، وهو أستاذ بجامعة كاب، مطلّق مرّتين، يعيش حياة جنسية مضطربة، بين بائعات الهوى السوداوات وطالباته، ويحسّ أن موقعه الأرستقراطي يجعله في مأمن من كل ملاحقة، حتى رفع ضده أهل إحدى طالباته شكوى بتهمة اغتصابها، فلجأ إلى أحد الأرياف حيث تقيم ابنته لوسي هربا من العدالة ومن سخط زملائه.

ويكشف الفصل الثاني عن الضيعة التي تعيش فيها ابنته، صحبة بتروس وزوجته، وهما زنجيان يساعدانها في أعمال الضيعة، إلى جانب بيطرية عابرة تتردّد على المكان في أوقات معلومة.

المخرج جان بيير بارو نجح في نقل واقع مدنس، أفسدته فظاعة الإرث العنصري في جنوب أفريقيا، ما ولد عجزا عن المحبة

وفي إحدى الليالي، يقتحم الضيعةَ شبّان سود في غياب بتروس، فيقتلون الكلاب، ويغتصبون لوسي، ويعنفّون ديفيد، فيكون لهذه الحادثة أبلغ الأثر في نفسه هو وابنته، ويدركان أن الواقع الذي يعرفانه ولّى، وأنّ واقعا جديدا بدأ يفرض قواعده.

وعندما علم بتروس بما جرى، اكتفى بأن قال “ما حدث أمر سيء، ولكنه صار في عداد الماضي..”، أي أن نطوي الماضي بسلبياته، ونفكّر في إعادة البناء بتضافر جهود الجميع، قد يبدو هذا الموقف معقولا، ولكن ديفيد لم يفهم موقف ابنته، التي ستتنازل لبتروس عن ضيعتها وتقبل الزواج من أحد مغتصبيها، وإن بدت لنا استعارة عن سياسة المصالحة في جنوب أفريقيا.

وفي الفصل الثالث، تأخذ الأحداث وجهة التأمل النظري والفلسفي حول علاقات الهيمنة، وكيف يمكن تجاوزها بالصفح وطلب المغفرة، على غرار لوري الذي عاد ليعتذر لأهل الطالبة، ويرجو منهم الصفح.

وحرص المخرج جان بيير بارو على استعراض الأحداث دون تعقيد، وخلق أصداء بين الفضاءات والوضعيات لتصوير مساوئ علاقات الهيمنة، ولما كانت مسألة لون البشرة غير واردة في الرواية، فقد عمد بارو إلى الأصباغ ليبين إلى أيّ حد يمكن لنقطة اختلاف بسيطة أن تخلق مثل ذلك الدمار، أي التفرقة العنصرية ومخلفاتها، حتى اللغة بدت في بعض الأحيان أنها تفقد قوّتها، وكأنها انسحقت بحِمل الماضي.

كما جعل رمزية لحضور الكلاب، تلك التي استأنست بها لوسي وألفتها، والرجال الذين يقلّدون أوضاع كلاب، بعد أن خضعوا لحيوانية طبعهم الغريزي، وبذلك اختار أن ينأى عن التحليل السيكولوجي أو الواقعية الفجة ليركّز على السلوكيات الكونية، وإن بدا التصنّع أحيانا في معالجة تلك القضايا.

ورغم تلك الهنات الطفيفة، نجح بارو في نقل واقع مدنّس، أفسدته فظاعة الإرث العنصري، ما ولّد عجزا عن المحبة، وكسر أغلال عزلة تحوّل العلاقات الإنسانية إلى نوع من الشعائر المبتذلة، والمثيرة للسخرية، إذ لا يمكن ردم الهوة التي تعمّقت على مدى قرون في وقت وجيز وبحفنة من تراب، فالمصالحة عسيرة، والكراهية لا تزال تتبدّى هنا وهناك، وكأن ثمة حتمية تراجيدية تجد جذورها في الواقع المعيش نفسه.

وذاك ما ذهب إليه كوتزي، الذي شكّل مع لفيف من الكتّاب البيض أمثال أندري برينك ونادين غورديمر وبرايتن برايتنباخ تيارا مناهضا لسياسة الميز العنصري في جنوب أفريقيا، فالكاتب يركّز هنا على الخوف الذي ينتأ داخل مجموعة بشرية حينما تطرأ هزّة عميقة تغيّر معيشها اليومي، ونظرتها إلى الحياة، ورؤيتها للعالم، وسلَّمها القيمي، ومن خلال سقوط ديفيد لوري، الأكاديمي الذي تهتزّ حياته عقب تهمة توجهّها نحوه إحدى طالباته، يقدّم الكاتب تحليلا عميقا لتهاوي عالم بحاله.

يقول جان بيير بارو، الذي اشتغل كثيرا على المرحلة ما بعد الكولونيالية بوصفه سليل أفارقة سود عانوا ويلات الاستعمار الأوروبي، حول انحدار القيم الغربية وتآكل قيمها “لا يمكن للإنسان الأبيض أن يحيا بلا عقاب على عاتق الذين أذلّهم”.

16