آلان ديلون.. أسطورة السينما الفرنسية والنجم الحداثي

مهرجان كان يمنح النجم الفرنسي "السعفة الذهبية" تقديرا لمساهمته الكبيرة خلال 60 عاماً من السينما.
الأحد 2019/05/19
آلان ديلون.. في الثالثة والثمانين لا يزال أسطورة

يحتفي مهرجان كان السينمائي في دورته الـ72 المقامة حاليا بالممثل والنجم الفرنسي المرموق آلان ديلون الذي يمكن القول إنه شارك مع جان بول بلموندو وجان لوي ترانتنيان، في منح السينما الفرنسية طابعها الحديث، وارتبط أكثر من غيره بالعمل مع عمالقة الإخراج السينمائي أمثال فيسكونتي وغودار ولوزي وميلفيل وكليمو وغيرهم.

مهرجان كان سيمنح ديلون “السعفة الذهبية” في احتفالية خاصة تقام الأحد، يحضرها النجم الكبير (83 عاما) تقديرا لمساهمته الكبيرة في سينما العالم حسبما جاء في نص البيان الذي أصدره المهرجان. وكان المهرجان قد منح من قبل نفس هذه الجائزة التقديرية لكل من جين مورو ووودي ألين وجان بول بلموندو وكلينت ايستوود وبرناردو برتولوتشي وجين فوندا وأنييس فاردا وجان بيير ليو ومانويل دي أوليفيرا.

قام ديلون ببطولة أكثر من 80 فيلما بالاشتراك مع عدد من مشاهير الممثلين مثل جان غابان وإيف مونتان ورومي شنايدر ولينو فينتورا وجيان ماريا فولونتي وجان بول بلموندو وانغريد برغمان وكاترين دينيف وعمر الشريف وأنطوني كوين وجورج سيغال.

منذ بداية الستينات بدأ نجم آلان ديلون يلمع بعد النجاح الكبير الذي حققه في الدور الرئيسي في فيلم “ظهيرة قرمزية” Purple Noon (1960) الذي أخرجه رينيه كليمو، وكان مقتبسا عن رواية “مستر ريبلي الموهوب” للكاتبة الأميركية باتريشيا هايسميث، وقام فيه ديلون بدور “توم” وهو مجرم ضليع في الإجرام، بارع في تنفيذ جرائمه بحيث لا يمكن الإمساك به، يتم تكليفه من قبل أحد الأثرياء في سان فرانسيسكو بالذهاب إلى روما لكي يقنع “فيليب” الابن الشاب للرجل الثري بالعودة إلى أميركا. لكن الابن لا يستجيب، وبمرور الوقت يجد “توم” نفسه متقمصا شخصية فيليب، بل وينافسه أيضا على حب حبيبته “مارج”، ويستخدم كلاهما مارج كوسيلة لمضايقة بعضهما البعض.

المحارب الياباني

دور المجرم الوسيم الغامض، الذي يتميز بالبرود والثقة، الذي يفتقد للدوافع الأخلاقية ويخفي غير ما يظهر، ويستخدم مظهره البريء في الإيقاع بضحاياه دون رحمة أو شفقة، هو الدور الذي سيبرع في أدائه آلان ديلون في ما بعد في أفلام أصبحت الآن من كلاسيكيات السينما الفرنسية. أول هذه الأفلام هو فيلم “الساموراي” (1967) للمخرج جان بيير ميلفيل الذي يعتبر الأب الروحي لحركة “الموجة الجديدة” الفرنسية. ورغم أن ميلفيل يبدو شديد التأثر بالفيلم الأميركي الهوليوودي البوليسي المشوق الذي أطلق عليه نقاد فرنسا “الفيلم-نوار”، إلا أنه تمكن من خلق أسلوبه الخاص، الذي يتميز بالطابع الفرنسي، ويضفي رونقا خاصا وغموضا على الأماكن الباريسية بوجه خاص.

الوسامة مع التمرد الوجودي ورفض المؤسسة
الوسامة مع التمرد الوجودي ورفض المؤسسة

في “الساموراي” يقوم ديلون بدور “جيف”؛ القاتل المحترف البارد الذي يقتل دون تردد مقابل المال، وهو يعيش وحيدا، يرتبط بفتاة تقيم في شقة استأجرها لها عشيقها الثري، لكن “جيف” يستخدمها عند اللزوم للتستر عليه، فهي تشهد لصالحه بعد أن يقتل رجلا في ناد ليلي. وهو يتمكن من الإفلات من الشرطة، لكنه يرتكب الخطأ أو الخطيئة الكبرى التي ستؤدي إلى نهايته التراجيدية، عندما تربكه فتاة سمراء شاهدت الجريمة في النادي الليلي، وبدلا من أن يقتلها، ينجذب إليها ويحاول التواصل معها.

سيناريو الفيلم مصاغ في سياق دائري كحلقة جهنمية، من الشر والعنف والتشكك وانعدام الثقة. والبطل أو نقيض البطل “جيف” الذي لا يثق في أحد، يبدو مدفوعا الى مصيره بعد أن يتورط في “الثقة” خلافا لما اعتاد عليه. وأداء آلان ديلون للدور جعله يصبح نجما شعبيا في العالم وبوجه خاص في اليابان حيث أطلقوا عليه “ساموراي الربيع” ووضعوا صورته على ملصق الفيلم بحيث يبدو كما لو كان محاربا يابانيا من الزمن السحيق.

في الدائرة الحمراء

نجاح ديلون في “الساموراي” امتد إلى فيلم بيير ميلفيل التالي “الدائرة الحمراء” (1970) مع إيف مونتان وجيان ماريا فولونتي. وفيه يقوم ديلون بدور مماثل لدوره في “الساموراي”. هو “كوري” الذي يغادر السجن لحسن سلوكه، لكي يبدأ من اللحظة الأولى الانتقام ممن كان السبب في سجنه لخمس سنوات، أي زعيم العصابة التي كان يعمل لحسابها، وسرعان ما يصبح هدفا للعصابة، ثم يرتبط مصادفة بمجرم هارب من الشرطة، يعرفه على ضابط شرطة سابق مدمن خمر، يقودهما للسطو على أكبر محل للمجوهرات في باريس وسرقة كل محتوياته.

 ديلون يظهر في نفس المظهر البارد، الواثق، الذي يعتزم المضي قدما في مغامرته حتى النهاية الدموية.. إنه يعيش أيضا بمفرده، يرتدي نفس معطف المطر الذي كان يرتديه في “الساموراي”، وقبعة مماثلة يضعها على رأسه بطريقة معينة ثم ينزعها ويعلقها فوق المشجب كلما دلف إلى شقته الصغيرة.. يشد حزام المعطف حول وسطه، ويضع يديه في جيوبه، ويرتدي النظارات السوداء، ويسير واثقا من نفسه، متشككا في كل من حوله. وكما يصبح هدفا للعصابة التي تريد التخلص منه، يصبح أيضا هدفا للشرطة.

ورغم النجاح الكبير الذي حققه ديلون في أفلام الجريمة التي جاءت بنكهة جديدة شديدة الجمال في السينما الفرنسية واكتست بطابع أوروبي خاصة في الأفلام التي أنتجت بالاشتراك مع السينما الإيطالية (مع لينو فينتورا) إلا أن آلان ديلون صنع شهرته الحقيقية في عالم سينما الفن من خلال الأفلام التي قام ببطولتها مع كبار السينمائيين.

طبع ديلون السينما الفرنسية بطابعها الحداثي
طبع ديلون السينما الفرنسية بطابعها الحداثي

 وكان أول هذه الأفلام فيلم “روكو وإخوته” (1960) للمخرج الإيطالي الكبير لوتشينو فيسكونتي. وفيه يقوم بدور “روكو” الذي يتعرض لأشد الظروف قسوة من أجل مساعدة أسرته المكونة أساسا من أشقائه الأربعة، الذين هاجروا من الجنوب الفقير إلى ميلانو الصناعية الغنية حيث أصبحوا يواجهون الكثير من المتاعب. روكو يضطر لرهن جسده للملاكمة التي لا يحبها من أجل تدبير المال اللازم لإنقاذ أسرته. وقد لفت دور روكو الأنظار إلى قدرة ديلون على أداء الأدوار الواقعية المركبة.

تعاون ديلون مع فيسكونتي امتد إلى التحفة الكبرى “الفهد” (1963) ولكن ليس في الدور الرئيسي، فهذا الدور ذهب إلى بيرت لانكستر الذي يؤدي شخصية الأمير الصقلي دون فابريزو، الأرستقراطي الإقطاعي الذي يدرك أن نهاية عصره قد أوشكت مع نجاح ثورة غاريبالدي بعد أن اقترب الثوار من صقلية بعد أن توحدت إيطاليا تحت راية غاريبالدي. ولكي يضمن انتقالا سلسا للأسرة في العهد الجديد يرتب الأمير تزويج ابن شقيقته “تانكريدي” (آلان ديلون) من ابنة عمدة البلدة المجاورة، وهو من طبقة الأثرياء الجدد، لكي يزاوج بين أقرب الناس إليه (تانكريدو) والجمال والمال اللذين يتمثلان في “أنجيليكا” (كلوديا كاردينالي). وكان هذا الفيلم تعبيرا عن أفول عصر وبزوغ عصر جديد ستختفي فيه التقاليد العريقة القديمة الأرستقراطية وعشق الفن الكلاسيكي الرفيع، وتظهر تقاليد أخرى مع بزوغ الطبقة الجديدة (البورجوازية).

من أهم الأفلام الفنية التي قام ببطولتها آلان ديلون فيلم “الخسوف” لأنطونيوني عام 1963، في دور بييرو الواقع في حب فيتوريا (مونيكا فيتي) التي تركت حبيبها الأول لكنه لا يزال يطاردها، أما بييرو فهو مشغول بالمضاربة في البورصة لحساب امرأة جشعة. ولم يكن دور ديلون هو الدور المحوري في الفيلم فأنطونيوني استعان به أساسا لقدرته على التعبير عن البرود واللامبالاة وجفاف المشاعر التي أصبحت تميز جيل الشباب في منتصف القرن الماضي، مع الطفرة الصناعية والخطر النووي في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية..

وكان ديلون رمزا للتمرد على المشاعر القديمة، وطرق التعبير الكلاسيكية. وفي واحد من أكثر مشاهد الفيلم تعبيرا عن انعدام التواصل يتفق الحبيبان، فيتوريا وبييرو على اللقاء في شارع معين، لكن أحدا منهما لا يظهر في الموعد المحدد. وعندما تصطدم سيارة بسيارة بييرو في وسط روما، يقابل بييرو الأمر ببرود تام ويسأل فقط من دون أي اكتراث عما حدث للسيارة.

أصبح آلان ديلون في فرنسا معادلا للشباب المتمرد في العصر الوجودي على غرار جيمس دين في أميركا. وكانت طريقة إمساكه السيجارة وطريقة وضعها في فمه، وتحديقه البارد في الكاميرا، وحركته البطيئة المتمهلة التي تعكس نوعا من السخرية مما يدور حوله، قد أصبحت علامات مميزة لشخصيته السينمائية.

الحياة الخاصة

في فيلم "الفهد" تألق مع كلوديا كاردينالي
في فيلم "الفهد" تألق مع كلوديا كاردينالي

لكن هل كان آلان ديلون سعيدا في حياته الخاصة؟

في 2013 أدلى ابنه الأصغر آلان فابيان ديلون (24 سنة) بتصريحات صحافية فتح خلالها النار على أبيه معربا عن غضبه الشديد تجاهه ووصف والده بأنه كان دائما عدوه، وأنه لم يعش حياة عادية، وأنه يحاول بعد أن كبر أن يبتعد عنه ويبني حياته وحده، وشكا من كونه “ابن نجم كبير ولكن رصيدي في البنك صفر كبير، بينما هو رجل ثري، وقد تركني وتخلى عني”.

واتهم فابينان والده بأنه كان يعتدي على أمه بالضرب، وأنه حطم ثمانية من أضلاعها وكسر أنفها مرتين، وأضاف “لكنها كانت تستحق ذلك بسبب أفعالها الشريرة تجاهي”. ومعروف أن فابينان هو ابن الموديل الهولندية روزالي فان بريمان التي تزوجها ديلون عام 1987 ووقع الطلاق بينهما في 2002. ولديه أيضا ابن آخر هو أنطوني من زوجته الممثلة ناتالي ديلون التي ظهرت معه في فيلم “الساموراي”. أما رد فعل الأب فكان أن نفى اتهامات ابنه، وقال إن سبب تصريحاته الرغبة في الحصول على المال.

وفيما يبدو انعكس تأثير طفولة ونشأة ديلون على علاقته بأسرته، فقد انفصل والدا ديلون وهو مازال طفلا صغيرا، ونشأ وتربى في أسرة أخرى كفلته، وواجه الكثير من المصاعب في الدراسة، وقال إنه أصبح “وحشا صغيرا” بالغ الشراسة.

وفي أوائل العام الماضي صرح آلان ديلون لمجلة “باري ماتش” بأنه قد سئم الحياة وأنه يشعر بأن الحياة لن تضيف له شيئا مهما، وأنه خبر كل شيء وعاش كل شيء لكنه يكره هذا العصر.  وأضاف أنه لم يعد هناك احترام أو التزام، وأصبح المال فقط هو سيد الموقف، وقال إنه سيغادر هذا العالم غير آسف.

وفي أوائل العام الجاري نشر ابنه آلان فابيان ديلون رواية قال إنها مستمدة من تجربته الشخصية مع أسرته، خاصة علاقته المضطربة مع والده، ومنحها عنوان “عن جنس الرجال المهذبين”. ويروي فيها قصة شاب يحاول أن يشق طريقه وحده في العالم إلا أنه محاصر بآثار علاقته السابقة مع والده المليئة بالعنف والتهميش وسوء المعاملة.

وهو يصور أيضا شخصية تشبه شخصية أمه التي انفصلت عن والده لكي تتزوج من طبيب عيون هولندي ثري، ولكنه يجعلها في الرواية تتزوج من ملياردير روسي. وقال أحد التقارير الصحافية إن آلان فابيان أرسل بنسخة من روايته إلى والده.

قبل آلان ديلون الحضور لاستلام “السعفة الذهبية” التذكارية في مهرجان كان، مبديا سعادته الغامرة بهذا التكريم الذي كان يرفضه مرارا بدعوى أنه من الأفضل أن يحضر إلى المهرجان العريق للاحتفال بالمخرجين المرموقين الذين عمل معهم. لعل في الجائزة والتكريم ما يدعوه أخيرا للتصالح مع نفسه ومع العالم.

15