آلة لوتار تؤثث ليالي السمر في المغرب

يحتضن المغرب أنماطا موسيقية متعددة، تتنوع بتنوع تضاريسه الجغرافية، وتتوزع حسب المناطق، فنجد الموسيقى الأمازيغية، وموسيقى الغناوة، والموسيقى الشعبية، وهي موسيقات يمتزج فيها الحديث والتقليدي غناء وآلات، كآلة لوتار التي مازالت حاضرة بقوة رغم الآلات الموسيقية الحديثة.
الثلاثاء 2016/05/03
حنكة في صناعة لوتار الفرح

في جبال الأطلس تنتشر نغمات آلة لوتار حيث تعزف أغاني “الحصبة” و”العيوط المرساوية”، الأغنية السوسية والكناوية والصحراوية، و”حاجتي في قريني” و”ركبت الخيل”، بالإضافة إلى أغان أمازيغية كـ “تاواوايت” و”أحيدوس”، التي أبدع عزفها الفنان محمد رويشة، الذي غنى لليل وحكاياته.

وفي منطقة السويقة من مدينة أزرو يوجد دكان المعلم منير، صانع آلة لوتار التي تطرب نغماتها الكثيرين من المغاربة عند سماعها.

في عقده السادس تقريبا، يتوسط المعلم منير دكانه مشغولا بتقعير الجزء الأساسي لآلة لوتار المعروف بـ“الكدحة”، وهي المنطقة السفلى للآلة الوترية التي تلتقي داخلها النغمات ليخرج صداها منسجما مع لمسات الأصابع للأوتار في المنطقة العليا التي تسمى الذراع، أو اليد، كما يحلو للمعلم منير تسميتها.

يقول المعلم منير لـ “العرب” إن طبيعة إقليم أزرو بين جبال الأطلس ساعدته على صناعة آلة لوتار، حيث توجد إحدى أكبر غابات أشجار الأرز والجوز والصفصاف، يُعتبر خشب أشجار الأرز من الأخشاب اللينة الطيعة التي تصلح لصناعة الآلة الموسيقية الأولى في المغرب قبل العود والكمان، لأن الأولى جاءت من الشرق، وتحديدا العراق، والثانية غربية من أوروبا، أما آلة لوتار فمغربية مئة بالمئة.

يشترط المعلم منير في جذع صناعة آلة لوتار أن يكون حديث الاقتلاع من تربته، فيسارع بحمله رأسا إلى المنجرة لتقسيمه أطرافا على مقاس أجزاء آلة لوتار، التي تختلف كدحتها (بطنها)، بين الصغيرة والمتوسطة والكبيرة.

بعد اقتناء الجذع وتفصيله يعود المعلم منير إلى ورشته، وهو الصانع المشهود له بالحذق والإتقان في صناعة آلة لوتار من طرف خبراء وزارة الصناعة التقليدية في الحكومة المغربية، الذين وهبوه دكانا خاصا بمجمع الصناعة التقليدية بالمدينة ذاتها، تشجيعا له على الاستمرار في عمله التراثي وصناعة آلة لوتار بمواصفات مغربية صرفة.

أوتار جديدة من مفتول خيوط الحرير المكسوة بخيط معدني بعد أن كان من أمعاء الماعز

داخل ورشته، وبعد الرسم وتحديد المعالم، يبدأ الصانع في نحت الكدحة على قطعة الخشب، بدءا بتقعيرها بالإزميل والقادوم، ثم يقوم بحكها بالورق الخشن الحاد المشدود إلى قطعة من خشب على شكل مقبض اليد، مخصصة لتنعيم الخشب، ثم بعد ذلك يجلس المعلم منير كالنحات لرسم معالم ذراع لوتار على قطعة خشبية طويلة نسبيّا، فيقوم ببردها بمبرد حديدي رقيق حتى يصفي خشبها من الخشونة الزائدة، ويتم تلميعه بدهان خاص بذلك، ونفس الشيء يقوم به لـ“الكدحة” المخصصة لصناعة صدى النغمة، ثم يمر لتلميع اللوالب التي تشد الأوتار من العتبة العلوية إلى “الحمَّار” الذي يشبه العتبة في آلة العود.

وقبل إحضار قطعة جلد الماعز المدبوغة، الخالية من الندوب والثقوب، الملمعة بالشحم والزيت الخاص بتمديدها للتحكم فيها خلال عملية تغليف “الكدحة”، يكون المعلم منير قد انخرط في صناعة قطعة “الوالد”، تلك الخُشيبة الصغيرة التي تشد في أسفلها الأوتار الأربعة وسط “الكدحة” من جهة المنطقة السفلى العارية لآلة لوتار، والتي يشد إليها الصانع أوتار العزف التي يسمى الواحد منها بالأمازيغية الأطلسية “الراغور”، أي الوتر، المصنوع من الأمعاء الرقيقة للجدي، ذكر العنزة، والتي تم الاستغناء عن استعمالها بصناعة الأوتار ودرجاتها الأربع، من مفتول خيوط الحرير المكسوة بخيط معدني، يعدها ويجربها بعزفه الجميل المعلم منير قبل بيعها للعازفين الفنانين الذين يطربون بنغماتها المنسجمة السامعين في ليالي الزهو والسمر المغربي، أيام الأعراس والمناسبات، التي تكون عادة في الصيف، بعد الحصاد حيث يجتمع الأهل والأحباب حول أطباق الكسكس باللحم والخضر، والدجاج المحمر، والخرفان المشوية وطواجين اللحم، وكؤوس الشاي المغربي الأخضر ، وأغان عربية وأمازيغية يوحدها عزف الوتر.

20