آلة موسيقية وحّدت شعوب بلاد ما بين النهرين

مهرجان سوري يحيي تراث آلة البزق في مزج بين الموسيقى العربية والغربية.
الأربعاء 2020/07/15
ترانيم موسيقية توارثتها الأجيال

يرى البعض أن للموسيقى وتاريخها دورا فاعلا وحاسما في رسم ملامح التفاعل الحضاري بين الشعوب والأمم. ففي منطقة بلاد ما بين النهرين وما يحيط بها، تفاعلت عبر الآلاف من السنين العديد من الشعوب والحضارات، تصارعت سياسيا، وحكم بعضها بعضا، لكنها على الجانب الإبداعي تناغمت فأوجدت في بعض التفاصيل فنا عظيما، وآلة البزق الموسيقية دليل يشير إلى ذلك.

دمشق – للعام التاسع على التوالي يُقام في العاصمة السورية دمشق، تحديدا في مجمع دمر الثقافي، مهرجان آلة البزق الذي تنظمه المديرية العامة للمسارح والموسيقى السورية. وحفلت دورة هذا العام بالعديد من الأفكار والرؤى الجديدة في طريقة تناولها لآلة فنية تجمع الموسيقي بالحضاري معا.

البداية كانت مع إطلاق اسم العازف الكردي السوري سعيد يوسف على الدورة التاسعة من المهرجان، وهو الفنان الذي حقّق شهرة عالمية كواحد من أبرز العازفين على آلة البزق، قبل أن يرحل في فبراير الماضي في أحد مستشفيات مدينة إسطنبول عن عمر ناهز الـ73 عاما تاركا وراءه مسيرة حافلة بالعطاء الفني دام لأكثر من نصف قرن.

ذاكرة موسيقية

أصحاب فكرة إقامة مهرجان آلة البزق لا ينظرون إليه على أنه مهرجان موسيقي يتضمن عروضا لبعض العازفين على امتداد أيام واستعراض مهاراتهم في ذلك فحسب، بل يمتد الأمر لما هو أهم وأعمق. فآلة البزق تشكل مفهوما يجمع من خلاله تاريخ ومصائر عدد من الشعوب والقوميات حول العالم.

آلة البزق هي منبت حضاري لمنطقة الهلال الخصيب وأطراف من فارس وتركيا وصولا إلى باكستان وغربا إلى مصر ومنها نحو اليونان، وهي تمثل تفاعلا حضاريا بين كل تلك الأمم في تجانس إبداعي أنتج فنا عظيما قوامه العزف على آلة موسيقية قديمة.

المهرجان أطلق اسم العازف السوري الراحل سعيد يوسف على دورته التاسعة، تكريما لمسيرته الإبداعية الطويلة
المهرجان أطلق اسم العازف السوري الراحل سعيد يوسف على دورته التاسعة، تكريما لمسيرته الإبداعية الطويلة

وتشير الأبحاث التاريخية إلى أن الظهور المبكّر لآلة البزق كان في حضارة ما بين النهرين، إذ ورد ذكرها في العديد من الأبحاث وبكلمات مشتقة من الكلمات الأعجمية التي تدل على وجود هذه الآلة، والتي كانت تسمى بالعود ذي الرقبة الطويلة، وغالب الظن أن مصطلح “البزق” تم اعتماده لأول مرة في منتصف القرن العشرين.

وما يميّز هذه الآلة أيضا عدم وجود مرجعية تراثية مدوّنة لها، بمعنى الأرشيف. بل إن مجموعة من الأغاني الشعبية في سوريا ولبنان وبعض الأقطار العربية ومحيطها تشكل مرجعية ما تم التعارف على أنه تراث العزف على آلة البزق.

وقد تشكل عبر تاريخها القريب تراثا خاصا بها مصدره مقطوعات عدد من العازفين الكبار الذين حقّقوا فيها مراتب عليا، فباتت أسماؤهم مدارس موسيقية في العزف منهم الفنان محمد عبدالكريم الملقّب بـ“أمير البزق” ومطر جمعة وسعيد يوسف وآخرون..

وبعض الدراسات تقول إن أصل آلة البزق من الهند وجاءت مع هجرات قديمة إلى اليونان وإسبانيا منذ فترة ما قبل الميلاد، ثم دخلت إلى تركيا وشهدت تطوّرا وتأثر بها العرب والأكراد واليونان والفرس، وبرعوا فيها ولها أسماء عديدة منها الطمبور والساز والسيتار والتار.

في حين تقول دراسات أخرى إن المصريين القدماء عرفوا الآلة منذ أزيد من ألف وست مئة عام قبل الميلاد، وكانوا يستخرجون منها ما يسمى نصف البعد الطنيني.

تماشيا مع فكرة إنعاش ذاكرة الجمهور مع ترانيم آلة البزق ومشتقاتها ولأجل الحفاظ عليها في دورة حياة الموسيقى في المنطقة، تم إطلاق مهرجان آلة البزق منذ سنوات ليصل حاليا إلى دورته التاسعة.

مهرجان مؤسس

المهرجان كما أوضح المنظمون يختصّ بالآلات الثلاث: البزق والطمبور والباغلمة، وشارك فيه عازفون من كل الجهات السورية، خاصة من المنطقة الشمالية والشرقية حيث حضر عازفون من عامودا وديريك والقامشلي وعفرين وكوباني وغيرها، كما حضر فنانون من حمص واللاذقية ودمشق وريفها.

وعن الفائدة التي حقّقها المهرجان بعد دوراته التسع والرصيد المتكوّن من خلال ذلك، يقول إدريس مراد مدير المهرجان والباحث الموسيقي لـ“العرب”، “من المعروف بأن عائلة البزق غائبة تماما عن المشهد الموسيقي السوري عدا آلة الأم البزق التي نراها أحيانا ضمن بعض الفرق الشرقية كونها تدرّس في المعهد العالي للموسيقى، وصار لدينا عدد من العازفين الأكاديميين المهتمين بها، ولذلك أعيدت إلى الساحة الموسيقية، بينما كنا نراها بقلة خاصة بعد وفاة أمير البزق محمد عبدالكريم وسفر الأمير الثاني سعيد يوسف إلى لبنان وانخراطه في الساحة الفنية هناك، قبل أن يغيّبه الموت في فبراير الماضي”.

آلة البزق تشكل مفهوما يجمع من خلاله تاريخ ومصائر عدد من الشعوب والقوميات حول العالم
آلة البزق تشكل مفهوما يجمع من خلاله تاريخ ومصائر عدد من الشعوب والقوميات حول العالم

ويضيف “لكن آلتي الباغلمة والطمبور لا نراهما أبدا على مسارحنا، لذلك كان هدف المهرجان بشكل أساسي أن يساهم في المحافظة على هاتين الآلتين وتأكيد حضورهما في المشهد الثقافي السوري. فمنذ الملتقى الأول انخرط الطمبور في الموسيقى التصويرية، وهناك العديد من الموهوبين الذين يتعلمون العزف عليها في المعاهد الخاصة الآن، وهي ما زالت تستعمل وبكثرة في المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية من سوريا في الأغاني والمناسبات المختلفة، وما نريده من خلال مهرجان آلة البزق، هو إظهار هذه الآلات للمجتمع السوري والتعرّف على ثقافة جزء كبير من المساحة السورية المغيبّة”.

ويرى مراد أن المهرجان حقّق الكثير من أهدافه، منها توفّر مكتبة ضخمة تتضمن ألحانا تراثية سورية قديمة كادت أن تضيع. كما أنه مثل حافزا لبعض العازفين الذين ليست لديهم نافذة سواه على إظهار مهارتهم في العزف، وبسببه ولدت مسابقات في المحافظات السورية لحجز مقاعد لهم ضمن هذا النشاط.

ويسترسل قائلا “إن إظهار الآلات التراثية للجمهور أمر هام، كما نرى، وهي الآلات الغريبة عن الجمهور العام، حتى أن بعض الصحافيين يخطئون في أسمائها رغم انتمائهم إلى ذات الحضارة والبيئة”. ولم يقدّم المهرجان خلال أيامه الأربعة الموسيقى الكردية فحسب، بل قدّم مجموعة من الموسيقات العربية الشهيرة خاصة لأم كلثوم وفيروز، كما قدّم مزجا نادرا مع آلات موسيقية عربية وغربية كالعود والكمان والكلارينيت والقيثارة الكلاسيكية، وعن ذلك يقول مراد “ولم لا، طالما أن الموسيقى هي الوحيدة القادرة على توحيدنا في هذه الأيام. فعندما عرض عليّ الفنان نمير محمد تقديم أغنية لأم كلثوم تشجّعت، وعندما استمعت إلى التسجيل وافقت مباشرة، كونها قُدّمت بشكل جيد ورأيت أنها من أشكال التغيير على مدى أيام المهرجان”.

أما عن الرحابنة، فيعترف مراد أنهم أكثر من اهتموا بآلة البزق وقدّموها في الموسيقى العربية، الأمر الذي يجعل تجاربهم حاضرة وبقوة في كل دورة من دورات المهرجان.

وبالنسبة للكلارينيت والآلات المرافقة، فهو يراها شكلا من أشكال التوزيع الموسيقي المتجدّد القاطع مع الرتابة والتكرار، وذلك كي لا يبقى المتلقي أمام آلة واحدة طيلة الساعة ونصف الساعة من زمن الحفل، ومن ثمة يصاب بالملل، “لذا وجب التنويع، ففي كل يوم رحلة جديدة لمناطق تحفل بالموسيقى والتوزيع الجديد الذي تظهر من خلاله جماليات الموسيقى المختلفة”.

ويؤكّد إدريس مراد أن آلة الكلارينيت دخلت الموسيقى الشرقية من خلال عدة تجارب سابقة منها “تجربة حسنو وإسماعيل” وتجربة “كنان عظمة وآينور”، ونجاح هذه التجارب على المستوى الجماهير حفّز المهرجان والقائمين عليه على استعادتها في دورته التاسعة.

وشارك في الدورة التاسعة من مهرجان البزق بدمشق كل من: بحري التركماني، كنان أبوعقل، رازبا ناناس، حسين إبراهيم، آلان مراد، عبدالله علو، مسعود سليمان، بهجت سرور، علي آشتي رضوان كنعو، أكرم نازي، شكري سوباري، نذير شيخ محمد، النمير محمد، محمود خليل، جودي كوسه، عبدالحليم قاسم، وئام محمد، فاضل بوزان، خليل مراد، عبدالقادر عليا وجان هورو.

16