آلة وترية تحيي سمر ليالي القوافل التجارية في المغرب

الخميس 2015/03/05
"لوتار" آلة مغربية تحفظ الذاكرة الجماعية للقوافل التجارية

الرباط - “لوتار”، آلة وترية مغربية يجلس إليها النجار المختص في مدن مراكش وفاس وخنيفرة، ليمنحها الوقت الكافي للترطيب والتجفيف والتقعير، ليصنع لها تجويفات ومداخل صدى في بطنها العميق الذي تتلاقى فيه نغمات أنامل العازف الفنان، فتتكامل وتنسجم في ما بينها لتخرج نغمة سوية تطرب السامعين في الأعراس والمناسبات، أو في جلسات السمر المتاح والمباح، الذي يُنسي هموم السفر الطويل للقوافل نحو الأسواق التجارية المغربية أيام زمان.

قبل آلة “السويسي” و”الرباب”، وقبل تكنولوجيا التحفيظ بالأقراص وذاكرات حفظ المعلومات والأغاني، كان “لوتار” رفيق التجار المغاربة في رحلاتهم الطويلة إلى الأسواق التجارية بالمناطق النائية، وكان “لوتيري” فنانا يصنع الفرجة ويُنسي التجار لحظات الخسارة في العمليات التجارية الكاسدة.

كان تجار قبائل “الحوز” و”عبدة” و”الشاوية” و”الغرب”، الذين ستنسب إلى مناطقهم كثير من “أغاني العيوط” التراثية الشعبية، لا ينسون مصاحبة “لوتيري” لهم في رحلاتهم التي قد تطول لأسابيع وأشهر، كانوا يخصصون له ناقة يركبها ولأعضاء مجموعته، إن كانت له مجموعة، دوابا يمتطونها معززين مكرمين بين أفراد القافلة التجارية.

ومع غروب الشمس على نهر أبي رقراق عند مشارف مدينة سلا المغربية، أو وادي “لكسوس” عند هضبة طنجة العالية، أو على ضفة وادي تانسيفت عند مدخل مراكش، أو بسهول سايس قرب فاس، وبعد ضرب الخيمة ونحر الخروف أو الجدي، وبدء عملية الشواء المغربي الأصيل بطعم الملح والكامون، وإعداد “الصينية” الفضية لمشروب الشاي الأخضر المنعنع، يكون “لوتيري” قد بدأ في ترتيب آلته وتسوية أوتارها، وهو جالس في بروز ظاهر للحاضرين.

"لوتيري" فنان يصنع الفرجة وينسي التجار لحظات الخسارة في العمليات التجارية الكاسدة ليشحذ هممهم


سمر ونغم


مع الرشفة الأولى من كأس الشاي، يرفع التاجر رئيس القافلة يده إيذانا بانطلاق السمر، فيبدأ العازف بمدح النبي والأصحاب، ثم يعرج على فن الملحون بقصيدة “دملج زهيرو” التي مطلعها “دملج زهيرو صبيغ بالصفر كان فجيبي يا أهل الهوى ومشا ليا باش نجاوب إلى تسال عنو تاج الغزلان”.

وبعد تثبيت الحفل بأغاني الهدوء والسكينة، يقف “لوتيري” لاستراحة قصيرة، يرشف خلالها من كأس الشاي والتدخين، إن كان مبليا بالتبغ أو “الكيف” المغربي، وغالبا هو كذلك، فحالة عدم تعاطي التدخين بين الفنانين نادرة. ثم يعود الفنان متحمسا لتسوية أوتار لوتاره على مقامات النغمة “الحوزية” أو “العبدية” أو “الهيت”.

ثم يطلع بأحاسيس الحاضرين إلى مستوى الذكرى بالحبيب الغائب في قبيلة الاستقرار، أو الحاضر معهم في “الهودج” أو داخل خيمة “العيالات”؛ أي النسوة، أما المدللات منهن فيسترقن السمع والنظر إلى الحفل في غفلة من الحاضرين.


أغان ملحمية


من أغاني “لوتار” التي تهز الإحساس في مغرب فنون التراث والغناء الجميل، أغنية “كبت الخيل على الخيل ديرو حبيبي علام”، ومعناها “التقت خيل الفرسان مع خيل الأعداء، فطالبت الحبيبة بأن يجعلوا حبيبها قائدا لفرسان القبيلة للدفاع عن شرفها”، وهي من الأغاني التي يمتزج فيها الحب بالعتاب، والحسرة بالأمل، مع الإيقاع الثابت الرصين.

لوتار آلة وترية مغربية يصنع لها النجار تجويفات ومداخل صدى في بطنها العميق الذي تتلاقى فيه نغمات أنامل العازف الفنان

وفي لحظة، والفنان على حاله يغني، تُطلق “توحويحة”؛ صرخة لطيفة، بصوت عال من ركن ما من أركان الخيمة، غالبا ما تكون صادرة عن تاجر من رجال القافلة، هزه الغناء شوقا لذكرى حبيب، ويختم “توحويحته” تلك، بالوقوف للرقص الرجولي الذي تحكمه النخوة وإشارة الأطراف، دلالة على الشوق إلى لقاء الحبيب أو حسرته على الفراق.

ثم يزيح التاجر جناح “سلهامه”؛ برنوسه، إلى الجهة اليمنى ويدخل يده إلى “الشكارة”؛ التي هي حقيبة جلدية متدلية إلى جانبه قرب خنجره، ويتجه صوب العازف في رقص وخيلاء ليرشه بأوراق المال، تكريما له واعترافا بفنيته في ليلة السمر تلك، بين التجار سادة القوافل المغربية أيام زمان، حين كان الصدق والمحبة والأمان سواسية في علاقات التاجر الإنسان مع المغربي الفنان.

16