آلفين توفلر الذي رأى حاجة البشرية إلى موجة حضارية ثالثة

الأحد 2016/07/10
أستاذ لسياسيين أشهرهم غورباتشوف ومهاتير محمد

باريس - كان يتحدث عن إعادة النظر ببناء الأشياء. ففوجئ ذات يوم، بدخول جنرال أميركي عليه، ليبلغه بأنهم قد ترجموا كتابه وعمله كله إلى السياقات العسكرية. ثم استخدمه الجيش الأميركي في استقراء المستقبل وإعادة بناء القوة العسكرية. كتابه “الموجة الثالثة” هو الذي أخرج أميركا من عقدة فيتنام.

ابتكر مصطلح “صدمة المستقبل” لأول مرة، في مقال نشره عام 1965 في مجلة “هورايزون”، واصفاً فيه حالة تشتت الأفراد وتمزقهم، عندما يفرض عليهم الكثير جداً من التغيير خلال الوجيز جداً من الوقت. أقر بعشقه للمفهوم وقناعته به، لينفق بعدها سنواته الخمس التالية في الدراسة بالجامعات ومراكز البحث والمعامل والمؤسسات الحكومية، وليقرأ أعدادا لا حصر له من المقالات والأوراق العلمية.

قابل المئات من الخبراء في مختلف النواحي. تعرف على علماء يحملون جوائز نوبل وعلي هيبيين وآخرين متخصصين نفسيين وأطباء ورجال أعمال ومستقبليين محترفين وفلاسفة ومعلمين. بعد هذا كله أنتج كتابه الشهير “صدمة المستقبل”.

هو آلفين توفلر عالم الاجتماع والمستقبليات الأميركي الذي فارق هذا العالم يوم الاثنين الـ27 من يونيو 2016.

العودة إلى الكهوف ولكن

“صدمة المستقبل” يربط فيه توفلر المعلومات والبيانات بطريقة حذقة عبقرية. إيقاع التطور البشري خلال التاريخ المسجل أسرع 100 ألف مرة من التطور في مرحلة ما قبل البشرية. الاختراعات والتحسينات ذات الأثر الفعال في حياة البشر والتي كان تحقيقها يستغرق 50 ألف سنة في العصر الباليوليثي الأول تضاءل الزمن اللازم لإنجازها إلى 1000 سنة قرب نهاية ذلك العصر.

استقرار الحياة المدنية قلص الوحدة الزمنية تلك إلى قرن واحد. معدل التغيير المتسارع خلال الخمس آلاف سنة الأخيرة قد صار ملحوظاً بشكل خاص خلال الأعوام الثلاثمئة الأخيرة. الحقيقة التي يخلص إليها توفلر بلسان أحد علماء الاجتماع هي أن الصمام خلال السنوات الأخيرة انفتح لدرجة أنه لا المبالغة ولا الغلوّ ولا الإفراط كلها بقادرة على أن تصف مدى وسرعة التغيير، والواقع أن المبالغات وحدها هي التي تبدو قريبة من الحقيقة.

يبرهن على نظريته تلك بالحديث عن إعمار المدن. فاليوم تعاني البشرية أضخم وأسرع عملية توسع في المدن عرفها العالم.

مدن تحت الماء وأخرى في جوف الأرض وثالثة في الفضاء كلها احتمالات واردة برأي واستشراف توفلر، الذي لم يهمل ولم يوفر القفزات التكنولوجية العملاقة في عالم البشرية اليوم. وانتهاء عصور العمل الزراعي وبالذات في الولايات المتحدة وسيطرة الآلة على حياة البشر واستبعادهم من العمل بشكل شبه كلي في بعض الأعمال

البيت الإلكتروني

عام 1850 لم يكن على سطح الأرض سوى أربع مدن فقط بلغ تعداد سكانها المليون فأكثر. عام 1900 ارتفع العدد إلى تسع عشرة مدينة، وعام 1960 وصل عدد هذه المدن إلى 141. استمرار العمران بهذا التسارع الكبير ومعدل نمو سكان هذه المدن، يوم كتب البحث أي قرابة العام 1970 من القرن الماضي، كانت 6.5 بالمئة سنوياً، إذن فالبشرية تحتاج إلى مدن موازية لتلك العواصم العملاقة، علينا بناء طوكيو جديدة وروما جديدة وهامبورغ جديدة، وربما هذا يبرر خلق مدن تحت الأرض، وكأن الإنسان يعود لكهفه بكل حرية.

مدن تحت الماء وأخرى في جوف الأرض وثالثة في الفضاء كلها احتمالات واردة برأي واستشراف توفلر، الذي لم يهمل ولم يوفّر القفزات التكنولوجية العملاقة في عالم البشرية اليوم، وانتهاء عصور العمل الزراعي وبالذات في الولايات المتحدة وسيطرة الآلة على حياة البشر واستبعادهم من العمل بشكل شبه كلي في بعض الأعمال. وربما يكون هذا نوعا من العبودية الجديدة حيث يخضع الإنسان لإرادة الآلة التي ابتكرها وصممها كالحرب التي أنتجها الإنسان فقتلته.

البشرية اليوم على أعتاب الموجة الحضارية الثالثة التي تنبأ بها توفلر وزوجته هايدي في كتاب صدر عام 1980. يُروّج لهذه الموجة الآن الاقتصادي الأميركي جيرمي ريفكن، مستخدما تعبير الثورة الصناعية الثالثة والتي ولدت من الرأسمالية لتخلق نوعاً من الاقتصاد المجاني، اقتصاد لا تحكمه الشركات العملاقة ورؤوس الأموال بل تديره وتنتجه المعرفة والمجانية وإنتاج المعرفة بشكل مجاني أو شبه مجاني.

حاضر توفلر بألمانيا والصين متنبئا بنهاية العالم الرأسمالي بخلق عالم اقتصادي تشاركي، تموّله الشمس بكهرباء غير مدفوعة، تنتج من خلالها الطابعات ثلاثية الأبعاد كل ما يلزم من معدات من مواد معاد تصنيعها.

ربما تبدو الفكرة اليوم قريبة من الخيال. فكيف كانت بالنسبة إلى توفلر تبدو واقعاً معاشاً، وينظّر لها ويقّمها على أنها زمن قريب قادم لا محالة؟ من أين جاء بكل هذه الثقة بأن العالم اليوم على أبواب التحول بل على أبواب موجة حضارية ثالثة؟

"صدمة المستقبل" وأعمال أخرى مشتركة مع زوجته هايدي يربط فيها توفلر المعلومات والبيانات بطريقة حذقة عبقرية. إيقاع التطور البشري خلال التاريخ المسجل أسرع 100 ألف مرة من التطور في مرحلة ما قبل البشرية. الاختراعات والتحسينات ذات الأثر الفعال في حياة البشر والتي كان تحقيقها يستغرق 50 ألف سنة في العصر الباليوليثي الأول.

“ستحمل الموجة الثالثة معها، صورة حياة تتجدّد بأصالة وتستند إلى موارد متنوعة من الطاقة، قابلة للتجدد، وطرق إنتاج تستبدل بأكثر سلاسل التصنيع المعهودة في المصانع الحالية، نموذجاً جديداً للصناعة وصورة من الحياة العائلية، تتميز بعلاقات أكثر رخاوة وبمؤسسة لم يرها أحد من قبل، يمكن أن نسميها “البيت الإلكتروني” و”صوراً من التربية طريفة جذرياً”. هذا كلام توفلر عام 1993 في كتابه “الحرب والأضداد”، فالبيت الإلكتروني اليوم هو حيث وجدت أنت عزيزي القارئ هذا المقال على الصفحات الزرقاء، فيسبوك أو في تغريدة تويتر أو في غوغل بلاس. عالم صغير بل مفرط بالصغر بالكاد يكون بيتاً وربما أضيق.

“الصراع الأساسي لا يقوم بين الإسلام والغرب، ولا بين الغرب وبقية العالم على نحو ما أشار صاموئيل هنتينغتون. وخلافا لما يؤكده بول كيندي، فإن أميركا ليست في مرحلة الانحدار. وكذلك فإننا لا نصل إلى نهاية التاريخ بحسب فوكوياما. شكل الحضارات العالمية اليوم قد تغير. ذلك أننا نتقدم باتجاه بنى للسلطة، مختلفة تماماً، ستخلق عالماً منقسماً، لا بين حضارتين، بل بين ثلاث، متضادّة. الأولى تظل موسومة بسمتها الريفية والثانية تتمثل بسلاسل التركيب، أي اليد العاملة الرخيصة والصناعة، وتتميز الثالثة بأنها معلوماتية” والكلام لتوفلر والذي يمكن أن نضيف عليه بأنها حضارة شبه مجانية ومفتوحة المصادر.

هذا ما عبّر عنه توفلر بأن العالم اليوم في طريقه إلى التغيّر. والأكثرية الساحقة من الأميركيين، ليست مزارعين، ولا عمّالاً، إلا أنهم يمارسون شكلاً أو آخر من أشكال العمل القائمة على المعرفة. أهم الصناعات التي تتقدم في أميركا بأكبر سرعة، هي الصناعات التي تملك الإعلام الأقوى. ولا يقتصر قطاع الموجة الثالثة على “الإعلام المتقدم، أو الإلكترونيات أو البيوتكنولوجيات، بل إنه بفضل التصنيع المغمور بالمعلوماتية، يصل إلى القطاعات بما في ذلك إدارات مثل المالية وأنظمة الحواسيب وصور اللهو ووسائل الإعلام، والاتصالات المتقدمة، والخدمات الطبية”.

البشرية اليوم تقف على أعتاب الموجة الحضارية الثالثة التي تنبأ بها توفلر وزوجته هايدي في كتاب صدر عام 1993. يروج لهذه الموجة اليوم الاقتصادي الأميركي جيرمي ريفكن، مستخدما تعبير الثورة الصناعية الثالثة

عالم توفلر وعالم اليوم

إذن السلع تتغير بتغيّر الموجات الحضارية، شعوب الموجة الثالثة تبيع اليوم، إعلاماً وتجديداً، وإدارة، وثقافة عالية، وثقافة شعبية، وتقنية متقدمة وحواسيب وتربية، وتنشئة، وعناية طبية، وخدمات مالية وغيرها. “هذا ما تصنعه الشعوب عالية التقدم، وما صنعته فعلا في حرب الخليج، في المرة الأولى عام 1980، والمرة الثانية عام 1998” والكلام لتوفلر، المولود في أكتوبر من العام 1928، والمصنف ككاتب ومفكر أميركي عامل في مجال دراسات المستقبل، ترجمت كتبه لعدة لغات عالمية.

الغريب أن العالم اليوم يواجه الموجات الحضارية والتحولات الكبرى، في حين تغمر بعض بقاع الأرض الدماء. القتل ينال من هيبة البشرية إلى اليوم والحرب مازالت تقتطع من البشرية الكثير من إنسانيتها. اليوم الشبكات العنكبوتية والعالم الإعلامي متعدد المصادر بل المفتوح المصدر كلياً بات اليوم قارة تحرك البنادق والمخاوف والكراهيات.

يخرج الرصاص من فوهات البنادق على شبكة الإنترنت قبل خروجها في أرض الواقع. العالم اليوم بعد وفاة توفلر ليس كما كان قبله. العالم اليوم على أبواب تحولات لا يشارك فيها إلا الأقلية الأكثر معرفة والأقرب لمصادر المعرفة وتطويعها. الهوة تزداد اتساعاً بين العالم الثالث والعوالم المتقدمة. عالم الكبار يزداد تضخماً وعالم الصغار يمور على نار لا يعرف أحد ما ستنتجه.

هذا ما تصوّره توفلر الذي كان أيضاً أستاذاً لرؤساء دول أشهرهم ميخائيل غورباتشوف ورئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد، وله العديد من المؤلفات تناول فيها موجات المستقبل والتطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

8