آلو… آلو… من معي؟ أنا غوغل، ممكن نتعرف؟

تطبيق المحادثات الجديد من غوغل “آلو” قفزة نوعية في مجال تطوير الذكاء الصناعي، يستعمل أسلوب تشات في التفاعل مع المستخدم بدلا من الاقتصار على الصوت، وهو قادر على التعلم الذاتي من خلال التفاعل مع المستخدم وإشعاره بالألفة سريعا وكأنه صديق جديد، كما أنه مرتبط مع كل تطبيقات وبرامج غوغل المختلفة، ويتعلم من خلال التفاعل مع الملايين من البشر ليتحول إلى عقل صناعي ضخم، قد يمكن شركة غوغل من حسم الصراع في هذا المجال لصالحها.
السبت 2016/10/01
غوغل "إنسان" يحادثك ويعرفك

بعد أن كان مجرد شركة صغيرة، تملك فقط محرك بحث بسيط ورشيق، يحب الناس سهولة استعماله، ودقة نتائجه التي تأتي بسلاسة وسرعة، ويجيب عن أي سؤال يخطر على بالهم، وتعودوا عليه سريعا وباتوا يستخدمون جُملا طويلة في البحث، يسألونه أسئلة كاملة، وليس مجرد مفردات متفرقة كما اعتادوا على غيره من محركات البحث… أصبحت كلمة غوغل اسما وفعلا في أغلب لغات العالم.

اكتسح غوغل بسرعة سوق محركات البحث الأقدم منه والمملوكة من شركات عملاقة في ذلك الزمن، وككل مشروع ريادي ناجح، جاء موعد طرح المشروع كشركة عامة على سوق الأسهم نازداك Nasdaq، وهي عملية طويلة مرهقة تقدم بموجبها الشركة الريادية ملفات كاملة عن نشاطاتها، وعن طبيعة عملها وطموحاتها المستقبلية، مدعومة بوثائق معدة بعناية فائقة من فريق قدير من المحامين والمحاسبين وخبراء الأعمال والتسويق.

كانت الإجراءات لطرح غوغل وقبوله للتداول تجري على ما يرام وحسب التوقعات، حتى قبل يومين من موعد التداول، فجأة ثارت حفيظة وول ستريت وتململ، وطلبت نازداك من غوغل تقديم وثائق إضافية وتوضيحات دقيقة وإلا سيتم رفض طرح أسهم الشركة في سوق نازداك.

طلبت نازداك تضمين الطلب مقابلة صحافية أجرتها مجلة “بلاي بوي” مع مؤسسي غوغل، لم تتم الإشارة إليها أو توضع في طلب التداول، مما جعل البعض يتهم غوغل بالخداع وعدم الإفصاح عن طبيعة الشركة الحقيقية. وبسرعة فائقة قدم فريق غوغل كل الوثائق والخطط المستقبلية وضمنها نسخة من مقابلة مجلة “بلاي بوي”.

في المقابلة الصحافية مع المجلة عبر مؤسسا غوغل، سيرجي برين ولاري بيج، بعفوية عن طموحاتهما وتطلعاتهما في المستقبل، وأكدا للصحافي “نحن لسنا مهتمين فقط بتطوير محرك بحث رائع، بل نتطلع لمستقبل نتمكن فيه من دمج التكنولوجيا الخاصة بغوغل بالدماغ البشري”.

"المساعدة" في غوغل آلو تتصرف بشكل طبيعي ويمكنك التواصل معها باستعمال صوتك أو الكتابة أو الإيموجي، وبعد كل مقترح تتيح لك أن تقيم أداءها بشكل سلس وسهل باستعمال الإيموجي

منذ ذلك الوقت، قبل حوالي 12 عاما، وغوغل يزحف تدريجيا نحو هذا الهدف مع كل منتج جديد يقدمه أو تحديث يقوم به، وآخر منتجات الشركة منذ أيام قليلة، غوغل آلو Google Allo، هو عبارة عن قفزة نوعية في هذا الاتجاه.

“غوغل ألو” في ظاهره تطبيق مراسلة يشبه العشرات من التطبيقات المتاحة على الهواتف الذكية مثل إنستغرام وواتساب وغيرهما، ولكنه يختلف جذريا باحتوائه على برنامج ذكاء صناعي لديه إمكانية التعلم الذاتي، هذه التقنية الموجودة في غوغل آلو على هيئة مساعدة (Google Assistant) أثناء المحادثة مع الأصدقاء تقوم باقتراح ردود ذكية تختار أحدها وتنقر عليه دون أن تكلف نفسك عناء الكتابة أو حتى التفكير العميق، وهي موصولة مع كل إمكانيات وتطبيقات وبرامج غوغل، فيمكنها تحليل وفهم محتوى الصور، فإن أرسل لك صديق أثناء المحادثة صورة، تقوم “المساعدة” بتحليلها بسرعة وفهم محتواها وتقترح عليك ماذا ترد، فمثلا “فعلا إنها زهرة جميلة”.

تقوم مساعدة غوغل دائما بمتابعة كافة المحادثات التي تقوم بها، فإن كنت مثلا تتشاور مع صديق بخصوص اللقاء في مطعم، تقوم “المساعدة” بوضع قائمة للمطاعم القريبة لتختار أحدها أو بعضها وترسلها لصديقك كمقترحات، إن قررتما الذهاب إلى مطعم محدد، تقترح المساعدة عليك أن تقوم هي نيابة عنك بإجراء الحجز عن طريق تطبيق Open Table الخاص بحجوزات المطاعم، وتقترح أفضل طريق للذهاب هناك من خلال خرائط غوغل والمواصلات العامة.

قد تبدو مساعدة غوغل في برنامج الشات آلو وكأنها تشبه سيري Siri لشركة آبل في الآيفون، ولكنها تتفوق عليها، غوغل آلو متاح على كل الأجهزة ومن ضمنها آيفون، بالإضافة طبعا إلى هواتف آندرويد.

وتختلف مساعدة غوغل عن سيري التي تتواصل مع المستخدم عن طريق المخاطبة الصوتية، وغالبا ما تبدو غير طبيعية للمستخدم ولا تشعرك بالألفة مهما خاطبتها، في حين تتصرف “المساعدة” في غوغل آلو بشكل طبيعي ويمكنك التواصل معها باستعمال صوتك أو الكتابة أو الإيموجي، وبعد كل مقترح تتيح لك أن تقيم أداءها بشكل سلس وسهل باستعمال الإيموجي.

ورغم أن آبل سيري تشهد انتشارا واستعمالا يتسع مع الوقت، إلا أنها لم تصل بعد إلى قلوب الناس والتقبل العام من قبل الجمهور، ومع أن استعمال الصوت أو ما يسمى بـ”اللغة الطبيعية” هو الهدف المستقبلي للذكاء الصناعي وطريقة التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر بكل أشكاله، لكن سيري باستعمالها للمخاطبة الصوتية تعطيك شعورا بأن هناك شخصا يحدثك، وهذه الخاصية بالذات تشكل عقبة أمام تبنيها.

سيرجي برين ولاري بيج: نتطلع لمستقبل نتمكن فيه من دمج التكنولوجيا الخاصة بغوغل بالدماغ البشري

يقول جستين كاستل، رئيس قسم أبحاث التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر في جامعة كارنيجي ملون لصحيفة الفاينانشال تايمز “صوت الإنسان، وخصوصا الصوت المسجل، يعطينا انطباعا بأن هناك إنسانا آخر يتفاعل معنا من خلال الجهاز، وهذا بحد ذاته مشكلة كبيرة”، فهذا الانطباع يزيد كثيرا من حجم توقعاتنا، وبالتالي يجعلنا نشعر بالخذلان، لأن سيري وغيره من برامج الذكاء الصناعي مازالت لم تصل بعد إلى درجة التطور المأمولة التي تمكنها من فهم كلام الإنسان ومخاطبته بطريقة تشعره بالألفة المعتادة التي يشعر بها من خلال التكلم مع إنسان آخر لأكثر من ربع ساعة.

ويؤكد خبير الذكاء الصناعي باباك حجت، والذي كان أحد العاملين على برنامج سيري “تبقى الأنظمة المستخدمة حاليا مخيبة للآمال وقدرتها قاصرة عن التقاط وفهم الأنماط اللامتناهية والمتعددة للخطاب الإنساني”. هذا القصور في فهم اللغة الطبيعية للإنسان ومضامينها ومعانيها التي تختلف من شخص إلى آخر، وبالنسبة إلى نفس الشخص باختلاف الظروف والمواقف والأوقات، شكل التحدي الأكبر أمام كل الشركات التي تتنافس حاليا في مجال الذكاء الصناعي، إلا أن غوغل تمكنت أخيرا من تقديم حل ذكي جدا بمعالجتها لهذه المعضلة من زاوية مختلفة تماما.

من خلال استعمال تطبيق غوغل آلو الجديد، تبين أن خبراء غوغل لاحظوا وانتبهوا إلى حقيقة أن البشر أنفسهم تغيروا عما كانوا عليه قبل 20 عاما عندما بدأ العمل الجدي على تطوير الذكاء الصناعي، ففي السنوات الأخيرة أصبحنا نفضل المحادثة النصية والصورية مع أصدقائنا ومعارفنا بدلا من المحادثات الصوتية، واتساب وماسينجر وغيرهما من برامج المحادثة غيرت جذريا من نمط التفاعل والتواصل عند الناس وجعلت منهم خبراء شات باستعمال النصوص والصور والإيموجي، فقررت غوغل أن يكون التفاعل والتواصل مع “المساعدة” هو بالضبط مثل التواصل مع أي شخص آخر من خلال برنامج تشات وواتساب، أحيانا برسائل صوتية أو كتابة نصوص أو إيموجي، وهذا ما أصبحت غالبيتنا تتقنه، وخصوصا الأجيال الجديدة.

أسلوب غوغل في تقديم الذكاء الصناعي كبرنامج تشات أسلوب عبقري حقا، فمن ناحية، لا يتوقع المستخدم الكثير بسبب غياب صوت تخاطبك به “المساعدة”، ومن الناحية الأخرى سرعان ما تعتاد على وجوده (أي الذكاء الصناعي في الخلفية).

محلل تكنولوجي

18