آليات التحوير الإخوانية

الأربعاء 2014/02/12

الأمر الملكي السعودي بتجريم المحرضين على القتال في الخارج وأولئك الموالين للتنظيمات الحركية والفكرية المتطرفة ينظم العلاقة بين المواطن والكيان الذي ينتمي إليه ويحدد بوضوح أن الولاء السياسي أولا وأخيرا للوطن وليس لتلك التنظيمات والجماعات التي ساهم الولاء لها في ظهور مؤشرات انقسام مجتمعي سيؤثر على وحدة الكيان الواحد لو لم يتم تدارك الأمر في هذا الوقت.

ولتحديد مفهومي الولاء والانتماء قد يرى الراغب في ذلك العودة إلى مقالي في هذه الصحيفة المعنون “الوطنية: الملاذ الأخير للأوغاد” والتي أدى التلاعب بمعانيهما عمدا أو جهلا إلى انجراف عدد لا يستهان به من الشباب الذي يغلب عليهم الحماس إلى تعدد الولاءات بل وإلى وضع أولويات أدت إلى وصولنا إلى ما نحن فيه وأخيرا إلى صدور هذا الأمر الملكي الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح، فليس كل منتم مُوال ولا كل مُوالٍ منتم.

المواطن الشيعي على سبيل المثال هو مواطن ينتمي إلى الكيان السعودي الموحد ولكنه حينما ينساق خلف مرجعية إيرانية تحدد له المسار والموقف السياسي يكون ولاؤه تلقائيا لغير وطنه. ومثله تماما المواطن السني حينما ينساق خلف مرجعية المرشد العام للإخوان مثلا أو رئيس وزراء تركيا أو خلف توجهات دولة معينة فولاؤه تلقائيا لغير وطنه حتى وإن احتوته الحدود الجغرافية. انسياق الطرفين يعود إلى أن قادة الرأي حولوا اتجاه الموالاة السياسية إلى عقدية وقدموها عليها في مغالطة واضحة لحقيقة بسيطة مفادها أنه طالما كان الهدف النهائي لتلك المرجعيات هو تفكيك أوصال الوطن فهي تخالف المبدأ العقدي الواضح الداعي إلى وحدة الكيان. ببساطة، لا تتفق العقيدة والتشرذم، وبالتالي فأي ولاء لا يكون للوطن هو مخالف للعقيدة إلا أن المغالطين من قادة الرأي يقدمون ما يخالف العقيدة في لباس العقيدة. ولعل الأمر الملكي جاء في وقت قد استشرت فيه هذه المغالطة حتى أصبحت كالحقيقة عند الغالبية العظمى.

الأمر الملكي بدوره بدأ يتعرض لتحوير معناه ومضمونه كما تعرض غيره لذلك. وقد يتبادر إلى الذهن الفرق الكبير بين مفهومي الانتماء والولاء كمفاهيم مجردة وبين أمر ملكي يعتبر تشريعا. هذه البادرة الذهنية حقٌ يستوجبُ التأكيدَ على أن الآلية واحدة والاختلاف في مضمون الرسالة لا أكثر، بصرف النظر عما يُراد التلاعب في معناه ومضمونه. أما لماذا الأمر الملكي فلأنه كتشريع يحدد بوضوح معنى الانتماء والولاء وسيكون سببا رئيسا في فشل مشروعهم المستمر بنجاح منذ ثلاثة عقود. لذلك سيكون هو هدف قيادات الرأي خلال مهلة الشهر، وتتبع طريقة تعاملهم معه ستكشف للكثيرين خط السير المتبع في كثير من تعاملاتهم مع ما يؤثرعلى أهدافهم.

ولأن المساحة المتاحة لا تفي بمقارنة التعامل مع المفاهيم المجردة والتشريعات فسأكتفي بمقارنة أولى الخطوات وأترك للقارئ الفطن المقارنة الذهنية لباقي الخطوات من خلال الربط بين آلية تحوير معنى التشريع وتحوير معنى المفهوم المجرد.

أولى وأهم خطوات التحوير على الإطلاق تكمن في ما يعرف بالحراك العكسي Dynamic Opposites حيث تم تحوير مفهوم الولاء السياسي إلى الولاء العقدي من خلال نفي ارتباط الولاء للكيان بالمفهوم، مع أن الولاء للكيان ووحدته جزء لا يتجزأ من العقيدة، لكنهم اعتمدوا على تجهيل المتلقي ودغدغة عاطفته الدينية.

وفي حالتنا هذه مع التشريع، تم استخدام الأسلوب الساخر على نطاق واسع بواسطة قيادات الرأي وسأمثل لذلك بتغريدة واحدة واضحة المعالم تقول نصا: “هذا تحذير لكل من يؤيد ويطبل للسيسي. القرار واضح. أي تأييد للإرهابيين- كالسيسي – عقوبته السجن”. هذه التغريدة التي صدرت عن ناشط لا علاقة له بالعمل الإعلامي الاحترافي تثير التساؤلات حول احترافية التغريدة التي تُعد مثالا واضحا للحراك العكسي المقصود. ثم تبع ذلك عدد من التغريدات الساخرة لأساتذة في الإعلام تم التركيز فيها على زرع ابتسامة ساخرة لدى المتلقي لإسقاط هيبة التشريع مما يسهل توجيه معناه إلى ما يريدون.

الخطوة الثانية (Effective Action Call EAC) وتمت فيها دعوات للصبر والثبات على المبادئ وعدم الاستسلام للظلم والاستبداد وتولاها الوعاظ من قادة الرأي ثم تلتها مباشرة الخطوة الثالثة Storytelling Principles وهي من أشد الرسائل تأثيرا وجاءت في تغريدة لأكاديمي يشتهر بالمفك والتغريدة تقول نصا “درس فريد في الإدارة والسياسة، يقدمه لنا الخليفة العباسي، القادر بالله، الذي وليَ الخلافة سنة 381 للهجرة”. وفي الصورة النصية المرفقة مع هذه التغريدة يستخلص المتلقي تشبيها لرجال الأمن بالعيون والجواسيس وهي صورة سلبية جدا أراد إيصالها.

الخطوة الرابعة تتمثل في استخدام التشبيه Metaphor Usage التي انفرد بها ذلك الأكاديمي تحديدا دون غيره وقيامه بتغيير شعار “رابعة” المشهور بذوات الأربع الذي كان يزين به صورته إلى شعار تكميم الأفواه في إشارة إلى أن التشريع يمثل الاستبداد وانتهاك حق التعبير.

الخطوة الخامسة التي اتبعها قادة الرأي تمثلت في الـ(IP Indirect Impact) حيث انتقلت الرسائل التي تحملها التغريدات إلى التركيز على مضامين سبق عرضها وإعادتها بطريقة أخرى بالتزامن مع الهجوم المركز على وسائل الإعلام الرسمية والوسائل المساندة بالذات لكون الأخيرة الأقدر على مواجهتهم، ثم التدرج إلى بناء حالة من التشكيك في الهدف الفعلي لصاحب الرسالة مما يجعل من أي تصرف قانوني ضده بعد انتهاء المهلة عملا مؤامراتيا استخباريا وترسيخا للاستبداد.

الخطوة السادسة عملية التحليل واستفزاز العاطفة Analytical and Emotional Appeal وفيها يتم تغيير معنى شعار “رابعة” من تعاطف مع تنظيم الإخوان، المصنف إقليميا منظمة إرهابية ينطبق عليها مضمون الأمر الملكي، إلى رفض لما يصفونه بالمجزرة التي صنعتها دولة الجزيرة.

اكتمال هذه الخطوات والعمل على ترسيخها في فترة المهلة، التي تهدف إلى التيقن من علم الفئات المستهدفة التي حددها الأمر الملكي، يجعلني أخشى أن التشريع، المتوقع صدوره كنتيجة لاجتماع اللجنة المشكلة لهذا الغرض، تشريع هلامي عائم يصعب تطبيقه وتنفيذه. لذلك أعتقد جازما أن المهلة الممنوحة للقوم مهلة طويلة وكافية لتأليب المجاميع الواقعة تحت تأثير تلك القيادات على أي إجراء يتم اتخاذه بحقها لاحقا.

هذه الخطوات الدقيقة وآلية تنفيذها لتعويم التشريع وتحويله إلى ما يشبه الـ wishy washy ليست بالمصادفة فهي آلية متبعة لدى القوم في كل ما يخالف توجهاتهم وأهدافهم ولا تحتاج أكثر من متابعة دقيقة لاكتشاف ذلك. المهلة طويلة، ولابد من خطوات استباقية لإفشال تحوير وتعويم الأمر الملكي والتأليب عليه.

فاصلة: لقد لمسنا احتفاء الناشطة الإخوانية توكل كرمان بتقسيم وطنها اليمن إلى ستة أقاليم، بعد التقدم الحوثي المدعوم من طهران، بالنص الآتي: “تهانينا.. اليمن دولة موحدة متعددة الأقاليم، وهي شعب عظيم وبلدة طيبة وربٌ غفور” هذا نموذج مختصر لتحوير المفاهيم والتلاعب بالمعنى والمغالطات. أهدافهم التفكيكية للأوطان واضحة للعيان ولا يصح غض الطرف عن أمر كهذا أو التلكوء وعدم اتخاذ خطوة استبقائية وقائية من تعويم الأمر الملكي وتحوير معناه. هل سيقول أحدهم أن هذا مقالاً تحريضياً؟ الحق أنه مقال لكشف ما ينبغي كشفه وإن كان فيه من تحريض فهو لمصلحة الكيان الذي ننتمي إليه ونواليه.


كاتب سعودي

9