آليات تأويل المقدس ما بين القدامى والمعاصرين

مسألة تأويل النص الديني وتفسيره لا تزال محل اختلاف بين المسلمين، ذلك أن الداعين إلى إعادة قراءة النصوص المقدسة باعتماد آليات حديثة تتماشى والتطور الإنساني يجدون رفضا وتعنتا من قبل المتمسكين بالموروث الفقهي التفسيري والذين يرون في تعامل بعض المفكرين المسلمين من أمثال محمد أركون ومحمد عابد الجابري ونصر حامد أبوزيد مع النص الديني، نوعا من التعدي على قدسية النص وخروجا على إجماع الأمة.
الاثنين 2015/08/03
تطوير الخطاب الديني طريق مواجهة التطرف والغلو

اللغة وسيلة إفهام، والفهم حالة مرتبطة بدرجة النضوج في العقل، وكما أن اللغة المستخدمة في التفاهم مع الحيوانات تختلف عن تلك المستخدمة مع بني البشر، نتيجة الاختلاف العقلي بينهما، فإن اللغة المستخدمة بين بني البشر أنفسهم تختلف باختلاف مستويات نضجهم وإدراكهم.

فاللغة حقا في حالة شلل شبه دائم أمام هذه البدهيات، فإذا هي حائرة وتقف عاجزة، وهي تعجز عن وصف الحقيقة كما هي، لأنها ترتبط دائما بقدرة المتلقي على فهمها، فهم الحقيقة، لأن الفهم مرتبط بقدرة الحالة العقلية على الاستقبال والإدراك والاستيعاب.

إن جهاز العقل والإدراك لدى الإنسان محدود بمعارفه وقدرته على ربط العلائق بين الأشياء، وقاصر بسبب محدودية وجوده في الزمان والمكان، لذلك كثيرا ما كان يهرب العقل إلى عوالم الخرافة والأساطير حين يعجز عن الفهم والاستيعاب. لذلك حين يتكلم الخالق إلى المخلوق، حين يتكلم الكمال مع النقصان، حين يتكلم المطلق مع المحدود، كيف نتصور اللغة بينهما تكون؟

إن الإجابات سوف تصدمنا تماما حين نعلم أن تلك اللغة المستخدمة في كل تلك الحالات لا تعبر عن الحقيقة المجرّدة أبدا.

إن المتعالي يستطيع بلغته أن يقدم حقيقة معارفه كلها دفعة واحدة مطلقة ومجردة، لكن المتقاصي عنه مرتبة وقصورا سيجد اللغة عبارة عن طلاسم وألغاز وأحاج ليس هناك من سبيل لفهمها ولا التفاعل معها أبدا، لأنها لن تعني له إلا كما تعني اللغة الهيروغليفية أو المسمارية للإنسان العادي الذي يشاهدها اليوم فلا يراها غير عمل فني أنتجه الإنسان القديم لا إمكانية لمعرفة منطوقها ولا معانيها.

ولهذا جاء القرآن الكريم مكتظا بضرب الأمثلة للناس في كل شيء، لعلهم يفهمون، يقول تعالى “ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون” (سورة الزّمر الآية 27).

لا بد من إعادة قراءة النص القرآني بأدوات استقبال جديدة أكثر تطورا وارتقاء تتناسب مع التطورات الزمانية والمكانية

ولقد تكررت الآيات بهذا المعنى في أكثر من صيغة وغير عبارة للتأكيد والدلالة على حقيقة ألفاظ القرآن ولغته، فإذا استحال الموضوع على الشرح والإفهام، اكتفى القرآن بقفل الباب عن أيّ تفصيل ولا حتى عن شرحه بالمثل؛ “يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” (سورة الإسراء الآية 85).

القرآن الكريم كتاب من عند الله صيغ بطريقة مناسبة إلى حد كبير لتناسب أدوات الاستقبال البشري، رغم أن العجز عن فهم كثير من آياته يظل واردا جدا.

وكما عجزت أدوات الاستقبال البصري أن ترى الله ستعجز الأدوات السمعية أن تسمعه بالحسّ المباشر “قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا” (سورة الأعراف الآية 143).

أما قوله تعالى “وكلّم الله موسى تكليما” إنما يقصد به أن الكلام فعلا صدر من عند الله لا من غيره، ولا يعني بالضرورة أن النبرة والذبذبات الصوتية هي الصادرة عن الذات الإلهية نفسها.

إن القرآن لا يتضمن بمفردات اللغة التي نزل بها حقيقة ما هو كائن وما هو مطلوب وما هو معروض بقدر ما يتضمن من أمثلة وتشبيهات تجتهد في تقريب الصورة عن الحقيقة المجردة.

فكثير من التفاسير القرآنية التاريخية التي عالجت النص القرآني ظلت حائرة وعاجزة، وكثير منها قدم لنا تفسيرات وتأويلات تبدو ساذجة ومضحكة في عالم اليوم.

هذا ما سيقودنا بالضرورة إلى إعادة قراءة النص القرآني في كل مرة بأدوات استقبال جديدة أكثر تطورا وارتقاء تتناسب مع التطورات الزمانية والمكانية والحقائق العلمية التي يعيشها عالم الإنسان المستهدف مباشرة كل يوم بلغة القرآن… غير تلك القراءات التي أنتجتها ظروف وتقنيات فقهاء مروا على النص المقدس منذ 1000 سنة وأكثر.

كثير من التفاسير القرآنية التاريخية التي عالجت النص القرآني ظلت حائرة وعاجزة، وكثير منها قدم لنا تفسيرات وتأويلات تبدو ساذجة ومضحكة اليوم

يقول المفكر الإسلامي نصر حامد أبوزيد في كتابه نقد الخطاب الديني “لا بد من التمييز والفصل بين ‘الدين’ و’الفكر الديني’، فالدين هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخيا، في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها. ومن الطبيعي أن تختلف الاجتهادات من عصر إلى عصر، بل ومن الطبيعي أيضا أن تختلف من بيئة إلى بيئة -واقع اجتماعي تاريخي جغرافي عرقي محدد- إلى بيئة في إطار بعينه، وأن تتعدد الاجتهادات بالقدر نفسه من مفكر إلى مفكر داخل البيئة المعينة”.

وخلاصة القول إنه لكل عصر لغته، ولكل أمة مستوى نضوجها وإدراكها العقلي، ولكل مجموعة أدوات استقبال وإنصات تختلف عن الأخرى، لذلك كان هناك المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، فالمحكم هو الواضح بيّن الدلالة بالقطع من خلال توفره على الحد الأدنى في مكنة الاستيعاب للمطالبين بفهمه والتفاعل معه.

أما المتشابه فهو مساحة الاختلاف والجدل التي انقسم الناس حيالها بين مبتغ للفتنة والتشكيك ومتعصب لتأويله ولتفسيره، ولا يملك البشر المؤمنون أمامهم إلا التسليم به وأنه من عند الله مفسحين المجال لأولي الألباب لإعمال الفكر والتدبير وفقا للتطور التقني في أدوات الاستقبال المتطورة عبر الأزمان.

13