آليت على نفسي أن أفهم مشاعر زوجتي

هناك من الأزواج من يتحكمون في مشاعرهم وربما يخضعونها لمعايير المنطق والعقل ومتطلبات العيش المشترك، فيراعون الاختلاف بينهم ويؤسسون وفقه علاقات تتكامل في تفاعل إيجابي.
الأحد 2019/09/01
لا أطلب سوى الاهتمام

المشاكل الأسرية التي نعايشها في مجتمعاتنا جعلتني أطرح باستمرار السؤال الذي يؤرقني كما أعتقد أنه يؤرق الجميع أيضا: لماذا لا تسير الأمور بالشكل المطلوب؟ لماذا هناك دائما ما ينغّص السيرورة الطبيعية والسلسة للعلاقات الاجتماعية، وبالأخص العلاقات الزوجية؟

تنتابنا مشاعر مختلطة ومزدوجة في علاقاتنا بأنفسنا أو بالآخرين من حولنا، وتختلف الأسباب والنتائج بحسب معطيات متنوعة لعل أبرزها العقلية الاجتماعية السائدة والخصائص النفسية والذهنية والمكتسبات المعرفية والعلمية. ولعلني، كما غيري، أبحث دائما عن الاستقرار في الفضاءين الأسري والاجتماعي، فأحاول تقييم علاقاتي باستمرار بأفراد عائلتي وبالأخص بزوجتي وبمحيطي في العمل والجيرة.. وأحاول أيضا مراجعة وتقويم ما اعوجّ لتصويبه ودرء الانعكاسات السلبية المدمّرة على العلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية عموما.

لماذا تبدو المرأة المتزوجة كثيرة الشكوى، رغم اجتهاد زوجها في إسعادها بحسب ما تيسر له من إمكانيات نفسية ومعنوية ومادية؟

لماذا يصرّ بعض الأزواج على اعتبار أنهم يعيشون الجحيم في أسرهم، رغم اجتهاد زوجاتهم لإسعادهم أيضا؟

المسألة، حسب اعتقادي، تتعلق بتركيبة العقلية التي تحكم العلاقات الزوجية والأسرية، فمجتمعاتنا العربية لا تزال تكتسب صفة “المجتمعات الذكورية” رغم ما أحدثته وسائط التواصل الاجتماعي من ثورة على مستوى تشابك العلاقات وفق تلاقح حضاري فتح أبواب الشرق الموصدة على ثقافة غربية استطاعت ولوج كل بيت دون استئذان.

لا تزال المرأة تعيش تحت إرهاصات عقلية تأسست على قطبين من التبعية والمظلومية، فهي ترى دوما أنها مضطهدة في مجتمع ذكوري لا يرى فيها غير مصدر للذة وآلة للإنجاب، ومن هذا المنطلق يتولد لديها نهم كبير للاستئثار باهتمام الرجل معنويا ونفسيا وماديا، فيتراءى لها أن كل ما يفعله من أجلها لا يغطي نهمها وحبها للتملك المطلق في محاولة منها للثأر، بطريقة واعية أو تلقائية، من شعورها بالتبعية للرجل، وكأن الأمر ثأر من العقلية الاجتماعية برمتها.

تسأل المرأة: ما الذي يسعدك مع الرجل؟ فتجيبك: لا أطلب سوى الاهتمام.

وعندما تبحث عن أي اهتمام تتحدث، تجد أن المفهوم في شساعته لا تحتمله البحار، بحيث يبقى مفهوما زئبقيا لا حدود له، فالقيام بالواجبات الأسرية والزوجية كالاجتهاد في توفير المناخ العاطفي والنفسي المريح، وتوفير المستلزمات المادية للعيش الكريم لا يكفي لتكون المرأة سعيدة في بيتها. أليست مفارقة صنعتها تركيبة المجتمعات التي سعت في تاريخ ما إلى اضطهاد المرأة؟ نفس السؤال توجّهه إلى الرجل: ما الذي يسعدك في بيتك؟ فيجيبك: تركيبة المرأة أنانية، فمهما تفعل لإرضائها وإسعادها فلن تستطيع إكمال المهمة. أما في الجانب الذي يخص المرأة فيقول بأنها لم تعد قادرة على الحفاظ على جوهر العلاقة العاطفية والرومانسية، فالشرقي يريد من المرأة أن تكون خزانا للعواطف والأحاسيس الجياشة التي لا تنتهي ولا تنضب.

ويقول باستمرار إنها لم تعد تهتم به وهي دائمة الشكوى من الأعباء الأسرية التي تحملها على عاتقها، لم يعد الزوج على رأس قائمة اهتماماتها.

في كلا الرؤيتين مبالغة وشطط، لأن المرأة كما الرجل، في الجانبين الذاتي والموضوعي، لا يستطيعان إخفاء إلى ما لا نهاية له ما يعتمل في نفسيهما من شعور بالتعب أو الإرهاق أو الملل أو عدم الرغبة أو النقص.. وعند ظهور هذه المشاعر على السطح تؤثر في العلاقة التي تجمعهما، ويتراءى الأمر كأنه تقصّد لإيذاء الشريك. ويتضخّم هذا الشعور الخاطئ بتقصّد الإيذاء وتنجرّ عنه مشكلات تبدأ تافهة صغيرة وتتعاظم ككرة الثلج، وقد تصل نتائجها وتداعياتها إلى تقويض العلاقة الزوجية والأسرية في حدّ ذاتها.

على النقيض من هذا، هناك من الأزواج من يتحكمون في مشاعرهم وربما يخضعونها لمعايير المنطق والعقل ومتطلبات العيش المشترك، فيراعون الاختلاف بينهم ويؤسسون وفقه علاقات تتكامل في تفاعل إيجابي، إنهم الأزواج السعداء أو على الأقل الذين يبحثون عن سبل السعادة الزوجية واستمرارية الحياة الأسرية والاجتماعية دون تصادم.

21