آمال الطاهر الحاج.. ناشطة تترشح لرئاسة الحكومة للمرة الأولى في ليبيا

الأحد 2014/01/26
أول امرأة ليبية تسعى لمنصب سياسي رفيع بكل ثقة

للمرة الأولى في تاريخ ليبيا تحاول مواطنة ليبية الوصول إلى أعلى المناصب السياسية في البلاد، وذلك بعد سنوات من التغييب على المشاركة في العمل السياسي، هي ناشطة في المجتمع المدني بمستوى تعليمي مرموق تحدّت الأصوات الرافضة لوجود المرأة خارج الإطار المجتمعي والأسري وقدّمت ترشحها رسميا، لرئاسة الحكومة لتولي منصب رئاسة الوزراء.

آمال الطاهر عبد الله الحاج مواطنة تقطن بالعاصمة الليبية طرابلس، أول امرأة ليبية تترشح لمنصب رئاسة الوزراء منذ استقلال ليبيا عام 1951، وقد أرفقت أوراق ترشحها ببرنامج مفصل لرئاسة الحكومة تعهدت فيه أن تكون في مقدمة قائمة أولوياتها تشكيل “حكومة أزمة، وبناء الجيش والشرطة وإعلان الطوارئ في بنغازي لمكافحة مسلسل التفجيرات والاغتيالات في المدينة”.

ويأتي هذا الترشيح في وقت تعيش فيه ليبيا أزمة سياسية وأمنية أدت بدورها إلى اضطرابات اقتصادية واجتماعية خاصة مع انتشار الأسلحة بين أفراد الشعب وغياب فعلي لأجهزة ومؤسسات الدولة التي من شأنها أن تدير شؤون البلاد وتوصلها إلى مرحلة الاستقرار المنشود بعيدا عن الاقتتال.

ورددت وسائل إعلام أن آمال الحاج تنوي تحييد وزارتي الداخلية والدفاع وذلك من خلال اختيار شخصيات محايدة ومستقلة لتوليهما وتطهيرهما من المسؤولين المرتبطين بأحزاب أو تيارات سياسية يخدمون مصالحها قبل مصالح مؤسسات الدولة، كما تعهدت بأنه لو تم انتخابها أن تعلن حقيقة من يعطل بناء الدولة ومؤسساتها للشعب الليبي بعد توليها للمنصب بفترة وجيزة.

وفي لقاء لها مع قناة العربية تحدثت آمال الحاج بتمكن واضح من المجال السياسي في بلادها وأبدت رأيها حول رئيس الوزراء الحالي علي زيدان قائلة: “إنه تحول إلى ما يشبه الأزمة الشعبية حيث فشل في تحقيق الأمن ومكافحة الفساد، وتسبب بإيجاد مناخ سياسي برزت فيه الخلافات على بديل له، خصوصا بين الإخوان المسلمين وتحالف القوى الوطنية الذي يتزعمه محمود جبريل، وقد يتكاتفان معاً لسحب الثقة منه في المؤتمر الوطني العام..”.

لديها المؤهلات العلمية والخبرة التي تمكنها من الاضطلاع بمثل هكذا منصب إلى جانب عملها في المجال النسوي وسعيها الدائم لتكريس حقوق المرأة الليبية والنهوض بها في جميع الأصعدة

كما أشارت إلى أن الحل الوسط يمكن أن يكون في اختيارها هي لخلافة زيدان في رئاسة الحكومة، لأنها معروفة لدى الليبيين كناشطة اجتماعية وهي مؤسسة ورئيسة لجمعية خيرية “جمعية التواصل الحر”، ولديها المؤهلات العلمية والخبرة التي تمكنها من الاضطلاع بمثل هكذا منصب إلى جانب عملها في المجال النسوي وسعيها الدائم لتكريس حقوق المرأة الليبية والنهوض بها في جميع الأصعدة.

وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه كرئيسة للوزراء في ليبيا بوضعها الراهن وفي مجتمع عربي ذكوري تقول: “منذ الملكة هيديا وإلى الآن، أي طوال 1300 عام، والرجل لا يسمح للمرأة بأن تشارك فعلياً في الحكم بليبيا، وجاء الآن دور اللمسة النسائية، ويؤكد ذلك التأييد الشعبي الكبير لي، وأنا معروفة بجهادي في سبيل المرأة”.

وأضافت الحاج في أن كونها امرأة لن يمنعها، في حال اختاروها لرئاسة الوزراء، من الاجتماع إلى رئيس وزراء أية دولة، عربية أو أجنبية “فاللقاء لن يكون بيني وبينه فقط، وعلى أية حال فأنا أخرج من البيت متحجبة دائما”، لكنها اعترفت بأنها ترتدي البنطلون أحيانا، “ولكن مع سترة طويلة” مؤكدة أنها تؤدي الصلوات الخمس وأدت العمرة مرتين، وأن جدودها رجال دين وشيوخ لقبائل ليبية.

المرأة الليبية تسعى لقطف ثمار الثورة والمشاركة في الحياة السياسية

ويمكن قراءة هذه التصريحات التي تؤكد فيها آمال الحاج على تدينها وعلى أن المرأة التي تشتغل في مجال السياسة يمكن أن تحافظ على أصالتها وعلى مظهر محترم، بأنها أول خطوة استباقية أرادت من خلالها توجيه رسائل ضمنية للمتشددين دينيا وللتكفيريين ولكل من ينوون مهاجمتها على خلفية ترشحها لمنصب سياسي مرموق فقط لكونها امرأة تنتمي لمجتمع ليبي محافظ.

وذكرت المرشحة آمال أنها كانت تعمل موظفة في “الشركة الليبية- الإيطالية للتقنية المتقدمة” المختصة في تجميع قطع طائرات الهيلوكوبتر، لكنها قدمت استقالتها منها قبل 3 أيام من “ثورة 17 فبراير” التي أطاحت بنظام القذافي، وهي لا تعمل الآن ولا تتقاضى راتبا كمديرة لجمعية التواصل الحر. وتملك الحاج خبرة في مجال العمل مع مؤسسات المجتمع المدني وتحمل ماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية وقد عرفت في بلدها بنشاطها الداعم للثورة، ولذلك قوبل ترشحها بترحيب من الأوساط النسائية وأيضاً لدى الناشطين في المنظمات التي تعنى بالشأن العام وعدد من المثقفين والإعلاميين.

ورغم أنه لا يمكن لأحد نكران دور المرأة الليبية في ثورة 17 فبراير 2011، حيث شاركت بفعالية في الاحتجاج والتظاهر في شوارع أغلب المدن متحدية الخوف والموت جنبا إلى جنب مع الرجل، وذلك ليس إلا إيمانا منها بضرورة إنهاء استبداد نظام القذافي وضمان حقوق أبنائها وحقوق الشعب وحقوقها، ولاشك أن اعتصام النساء الليبيات أمام سجن بوسليم كل يوم سبت ولأشهر عام 2010 مطالبة بالكشف عن مصير قتلى سجن بوسليم عام 1996، كان لافتا للانتباه وقد اعتبر البعض أن هذه التظاهرات هي البداية الحقيقية لثورة فبراير، وهو ما أتاح القول بأن المرأة الليبية هي من أطلقت شرارة الثورة في ليبيا.

تنوي تحييد وزارتي الداخلية والدفاع وذلك من خلال اختيار شخصيات محايدة ومستقلة لتوليهما وتطهيرهما من المسؤولين المرتبطين بأحزاب أو تيارات سياسية يخدمون مصالحها قبل مصالح مؤسسات الدولة

كما كانت مشاركة المرأة في المظاهرات والاحتجاجات التي عمّت شوارع بنغازي وطرابلس وغيرها من المدن مشروعة بالنظر إلى رداءة الواقع الذي تعانيه ولمشروعية مطالبها وطموحاتها، لكن ذلك تبدد بسرعة بعد سقوط النظام وظهور قوى أخرى لا تؤمن بحقوق المرأة بل تسعى لاختصار دورها في الحياة الأسرية وهي التيارات الإسلامية والمجموعات الأصولية المسلحة التي علت أصواتها بضرورة تطبيق الشريعة، إضافة إلى ما أثاره الخطاب الأول لمصطفى عبد الجليل (رئيس المجلس الوطني الليبي) الذي ألقاه في تشرين الأول ودعا فيه على السماح للرجال بتعدد الزوجات، من خوف لدى المرأة على مكتسباتها المحدودة منذ البدء.

كلها عناصر ومقومات مثّلت صدمة للمرأة الليبية ولبقية التيارات المدنية والحداثية التي تؤمن بضرورة تمكين المرأة من حقوقها لما في ذلك من آثار إيجابية على المجتمع بأسره.

وتمثل الخطوة التي قامت بها آمال الحاج الدليل على عزم المرأة الليبية على افتكاك حقوقها وسعيها لمقاومة التمييز الناتج عن دواع سياسية مرتبطة بالواقع السياسي المأزوم وبدواع مجتمعية متصلة بطبيعة المجتمع الليبي التقليدي في عمقه، والقبلي في تركيبته.

ويبقى هذا الرهان موكولا إلى قدرة المجتمع المدني والسياسي المؤمن بمبادئ الحداثة، في تغيير الوضع نحو مزيد من مشاركة المرأة وتمتيعها بحقوقها التي ناضلت طويلا من أجلها، والتي قُبرت لعقود، كما أنه موكول بالأساس إلى صمود المرأة في وجه موجة التشدد الديني التي تشهدها ليبيا وبلدان الربيع العربي، ولدأبها على خطى آمال الحاج الجريئة والواثقة لتحقيق الذات وبناء أرضية سياسية ومجتمعية قادرة على كفل حقوقها كامرأة.

20