آمال بشيري: الكاتبة العربية مازالت تجتر نفس المواضيع

بشيري تعترف بأنها تخاف من اللغة العربية لأنها لغة ملغّمة.. لغة تأتي من واقع مليء بالمحظورات وقد تفسد حميمية السرد المباح.
الخميس 2019/08/01
الكتابة نمط حياة وليست ذاكرة مناسباتية

الكتابة بلغة ثانية تمنح الكاتب مجالات أخرى للانتشار وحتى للتنويع الجمالي والتقني وغيرها، لكن هناك من يهرب من لغته الأولى ليجد حريته في لغة أخرى، مثلما فعلت الروائية الجزائرية آمال بشيري. “العرب” التقتها في هذا الحوار لاستثارة العديد من القضايا الثقافية وتتحدث عن تجربتها في كتابة الرواية وعن أسباب انتقالها بين اللغات والكتابة النسائية، وكذا عدد من النقاط الأخرى.

غادرت الروائية آمال بشيري الجزائر منذ سنوات طويلة واستقرت في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد عمّق هذا الرحيل تجربتها على كل المستويات فكتبت في الصحافة العربية والأجنبية في شتى مجالات الثقافة، كما رسمت لنفسها مسارا متميزا في الكتابة الروائية، حيث أصدرت العديد من الأعمال الروائية باللغة العربية والفرنسية وترجمت لبعض اللغات خاصة الإسبانية منها.

تقول الجزائرية آمال بشيري “الكتابة هي مشروع حقيقي وأبديّ في الحياة، بل تحوّل إلى هاجس، تعدّى الواقع بقليل، وقفز بفعل المثابرة والإصرار إلى عالم متخيّل، عالم أنتج بفعل الرفض الصريح للواقع الحقيقي الذي نعيشه في أغلب الأحيان على مضض، وأيضا بفعل التمرّد على تفاصيل الحياة المادية بمختلف مراحلها ومفاهيمها، وبشتى عقدها التي تدفع بنا للمواجهات ذات الأثمان الباهظة، مواجهات غالبا ما تكون “دونكيشوتية”، قد تكلف الواحد منّا حياةً كاملة”.

الكتابة قلق مشحون

تطرح الكاتبة سؤالا محوريا هنا، هو: لماذا أكتب؟”.. وتجيب عنه قائلة “علاقتي المباشرة بالكتابة مهما كان نوعها في عالم متغير، قد يكون قلقاً ومشحوناً بالإرهاصات وبالتجارب، وبالتوقف الملحّ عند محطات الحياة الأكثر ازدحاما بالأحلام وبالأسئلة. يأتي هذا بمثابة البوح العصيّ عن مكنوناتي، رغم أن الكتابة بالنسبة إليّ هي نمط حياة وليست ذاكرة ‘مناسباتية’ للوصف”.

أما عن انتقالها من كتابة الشعر إلى كتابة الرواية، فتوضح قائلة “كنتيجة حتمية لمفهوم الكتابة التجريبية التي اكتشفت من خلالها توجّهاتي الإبداعية، ونوعية الأدوات الإبداعية التي امتلكها، في الشعر كنت أقول ما يقوله قلبي أما في الرواية أصبحت انسج مخيلتي لبناء عوالم اشتهي. العيش فيها، الشعر لحظة حميمية جدا أما الرواية فهي عالم متكامل يتطلب منك الفكر والعواطف، والصنعة، والكثير من الجهد ومن الانتباه لتفاصيل الحياة”.

وتعترف بشيري بأنها تخاف من اللغة العربية، لأنها لغة ملغّمة. لغة تأتي من واقع مليء بالمحظورات، وقد تفسد حميمية السرد المباح، ومع هذا أسعفها الحظ لأن تنتبه إلى أن سبب هروبها من اللغة العربية التي هي من أقدم وأجمل اللغات لا يكمن في طبيعتها، وإنما لأنها مرتبطة بمجتمع يحرّم الاختلاف. ومن ثمّ “دخلت تجربة الكتابة باللغة العربية محاولة أن تتجاوز ذلك الرقيب المخيف”.

تقول “في هذه المغامرة اللغوية حاولت ربما وبنزق أن أعرّب الحرية، والحلم، وحاولت أن أجعل اللغة العربية تهرب بساقين عاريتين من كل محظور، ومن كل قمع يقتل لحظة الدهشة”.

حول أجواء روايتها كيف هي طبيعتها، ترسم الروائية آمال خطوطها العريضة، وتقول “الكتابة الروائية بالنسبة إليّ قد تكون الموت من شدّة الحياة، والبعث من أجل فقط محاكاة حيوات أخرى لم ولن أعيشها كما أرغب في العالم الواقعي، لأن هناك ثمة دائما ما ينقص أو يزيد في ميزان التوق للحرية، خاصة أنني امرأة أوجدت بمحض الصّدفة في مجتمع ذكوري، مجتمع الإله الذّكر الذي يُعاقب بمجرد حلمك خارج تعاليمه المقدّسة. وبعيدا عن شعور الضحية وبفعل الكتابة كقوة قرّرت العيش على الهامش، مع كائناتي الورقية، ومع الكثير من الحلم، وصخب القلب”.

نصوص المرأة العربية بغض النظر عن جودتها، ما زالت تجتر الثيمة الوحيدة لديها وهي ذاتها الأنثوية

تقترن الكتابة أيضا تضيف آمال “بالجسد، وليس فقط بالعقل والوعي والحرفة والمخيلة، الجسد الذي هو مركز الكون عندنا كعرب، جسد الغواية والمحرم، جسد المرأة الذي يوأد رمزيًا منذ الولادة، ليتحوّل إلى رمز للمعاصي المفترضة، الكتابة وحدها من تحرّره، من تمنحه قيمة جمالية، قيمة الشّهوة المباحة والدّهشة بكل ما يحمله من جمال، هذا ما يمنحنا قيمة الفرح بما نحن عليه كنساء عربيات. أكتب بروح فرحة، وبعقل عادة ما يجنح نحو المخيلة، وبجسد حرّ، جسدي يُشاركني في الكتابة”.

“عبور أي عمل إلى لغة أخرى إما أن يكون عبر جهود شخصية وإما أن يكون عبر الصدفة المحضة”. تقول آمال عن عملية الترجمة متأسفة، وتستطرد قائلة “لاحظت منذ دخولي إلى عالم الكتابة باللغة العربية أن ثمة حالة من الإقصاء من قبل الآخر الذي أفضل أن أطلق عليه صفة ‘أخي في الكتابة‘، الكاتب العربي عموما وتحديدا الجزائري هو عدوّك الأول لأنه يعتبر الكتابة منافسة لتحقيق المزيد من الجوائز والمزيد من الشهرة وبالتالي المزيد من الترف المجاني الذي سينعم به الكاتب في وطننا العربي ولن يتحقق له هذا إلا إذا قتل أخاه الكاتب”.

وتتابع “لذلك لا أحب فكرة الإقصاء وأؤمن بـ‘مشاعية‘ الكتابة، ولأني أمقت الحروب الخاسرة، أقصيت نفسي من عالم ‘التداول الثقافي‘ العربي وتحديدا الجزائري لأن تجربتي الأولى في الشعر باللغة الفرنسية كانت رحبة وجميلة في الدول الأوروبية سواء في إيطاليا أو في فرنسا، ولهذا عدت برواياتي المكتوبة باللغة العربية نحو الغرب الحاضن وترجمت لي أول مرة رواية ‘آخر الكلام‘ إلى اللغة الإسبانية التي أعشقها، احتفى بي الغرب، وووصلت روايتي إلى دول أميركا اللاتينية، وأصبحت تباع جنبا إلى جنب مع كتب الروائي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز”.

لا تعترف أمال بشيري بالتصنيف بين كتابة نسائية ورجالية فمع “مرور الوقت”، تقول “وبفعل التدريب اليومي على القراءة التي أعتبرها عملية معقدة، تنتقل من القراءة التلقائية إلى مستوى القراءة الانتقائية، فأنا أقرأ بشكل انتقائي وبغض النظر عن جنس الكاتب، في القراءة أتعامل مع نص ومع تقنية وحبكة ولغة ليس أكثر”.

وتلفت إلى أنه حينما نقرأ مثلا رواية لإيزيس مردوخ، لا نعرف هل كاتبها امرأة أم رجل، وحينما نقرأ أيضا نص “راوية الأفلام” للروائي إرنان ريبيرا، تعتقد للوهلة الأولى أن كاتبها هو امرأة. ففي الغرب تصنيف العمل الروائي حسب جندر كاتبه لم يعد مطروحا كما في الوطن العربي لأن حركات التحرر النسوية هناك والمكاسب التي حققتها توازي تماما انشغالات الكاتبات، وبالتالي أصبحت الكتابة لديهم فعل حياة وليست مهمة لهدف بعينه كما هو الحال للأسف في العالم العربي.

مشهد جزائري

الهروب نحو الحلم
الهروب نحو الحلم

تقول آمال بشيري “برزت في السنوات العشر الأخيرة عن سؤال حول مشهد الكتابة في الجزائر العديد من العناوين والأسماء الروائية التي طغت على الساحة الثقافية الجزائرية، وهناك جيل الشباب الحالي الذي لديه بعض المحاولات وهنا لا أريد ذكر الأسماء، أما جيل العشرية السوداء الذي أزعم أنني أنتمي إليه فهو في صدد شق طريقه بهدوء وفي ما يخص الجيل الأقدم فقد حقق الهدف الخاص به في ما يتعلق بكتابة الرواية”.

وتأسف على وضع الرواية فهي “عموما تأخذ صبغة ‘الظرف الطارئ‘ أي الكتابة حسب الظرف الذي تمر به البلاد، وعادة ما تكون رواية مؤدلجة، بداية من ثيمة الاستعمار الفرنسي والشهداء مرورا بثيمة العشرية السوداء والإرهاب، ونحن حاليا ننتظر ما سيفرزه ‘الحراك‘ من نصوص مناسبتية جديدة”.

وهذا ما سمح في رأيها بـ“تفشي ظاهرة كتّاب الجوائز وكتّاب المناسبات وكتّاب الأجرة وغيرهم”. أما عن رأيها بخصوص النص الروائي الذي تكتبه المرأة تقول “بغض النظر عن جودتها المتعلقة بتقنيات السرد والحبكة، لكن ما زلت تجترّ الثيمة الوحيدة لديها وهي ذاتها الأنثوية وهمومها الخاصة جدا التي تجعل من نصها نصا استبطانيا بدلا من أن يكون نصا إبداعيا”.

تقول الروائية أمال بشيري إن حراك الجزائر جاء “كنتيجة حتمية لسوء الإدارة وتسيير شؤون البلاد من قبل القائمين عليها، وهذا تقييم سياسي نحن في غنى عنه، أما ما أحدثه هذا الحراك على المستوى المجتمع الجزائري، أخشى أن يكون قد خلّف أثرا سلبيا على تطوّر ونموّ وتركيبة المجتمع الجزائري الذي يعاني من خلل تركيبي ونوعي، هذا ما يرجعنا للإشارة بأن الحراك السياسي ليس إلا خطوة أولى في مشوار الألف ميل، وذلك من أجل تحقيق الحراك الاجتماعي الفعلي الذي لا بد من خلاله تنمية الوعي الإنساني لدى الفرد الجزائري الذي يفتقد حاليا لهذا العنصر الحيوي ليمضي بعيدا في تحرره، ووعيه، وتطوره الثقافي والاجتماعي نحو الحضارة الإنسانية عامة”.

أما من جانب الإبداع وهل يمكن للحراك أن ينتج نصوصا قوية؟ فتجيب “نعم، بعد فترة زمنية سنرى العديد من النصوص التي ستصدر بهذه المناسبة لأننا بشكل عام شعب متحمس، وعاطفي، ولم ندرك بعد بأن كتابة الرواية هي وعي مطلق وانتباه شديد لتفاصيل الحياة ذات المعنى. وهل ستكون هذه النصوص جيدة؟. لا أعرف في الحقيقة، سنرى ما يقدمه لنا المستقبل القريب”.

15