آمال شمص: الصوت الشيعي الصارخ في غابة الحزب الإلهي

الثلاثاء 2015/06/09

ليس هناك ما يفضح بربرية وهمجية أي منظومة قمع أكثر من الاعتداء على النساء. هذا النوع من الاعتداء يطمح إلى حفر الرعب والانكسار في قلب البنية النفسية لمجتمع كامل، وتحويلهما إلى صفات يتم نقلها وتوريثها من جيل إلى جيل.

قمع النساء محاولة يائسة للإمساك بالأبد والسيطرة عليه، لأننا وكما تقول جل النظريات السيكولوجية لسنا سوى ما تنتجه أمهاتنا، وإننا لا نستطيع النجاة من البنية النفسية التي يزرعنها في تلافيف بنيتنا النفسية والتي تتحول إلى ما يطلق عليه اسم الشخصية، أي المظهر الكامل المتكامل الناظم للسلوكات ومنطق التفكير وردود الأفعال.

ما يُعدّه الحزب الإلهي للذين يعيشون في جغرافيا الغابة التي يسيطر عليها هو إنتاج أمهات منتهكات، مجبولات بالعار والانكسار والغضب المكبوت الذي يصبح معه كل إهدار مهما كان فظيعا شكلا طبيعيا ومنطقيا للعيش. هكذا، فقط، يصبح الدم رخيصا لا بل مبتذلا، وتصبح كل الإهدارات التي تبدأ من إهدار الكرامة و الشرف والعرض، وصولا إلى إهدار النفس سيستام عيش لا يمكن التشكيك بواقعيته ومنطقه.

آمال شمص التي اعتقلها الحزب الإلهي مع أختها في غابة الضاحية، لمجرد قيامها بتصوير احتراق محلات القاروط، وعوملت بعنف وتمت إهانتها، أطلقت صوتا رافضا لهذا المسار والمصير الذي يعده الحزب لها ولكل أهل الضاحية. خرجت إلى العلن لتقول إنها مشهد إدانة مطلقة تطال كل البنية التأسيسية لحزب الله، وتصيب، في مقتل، الشعارات التي قام عليها.

صورة آمال المرأة المحجبة وهي تروي كيف تم التعامل معها بفظاظة جسدية من قبل شباب “السافاك” الإلهي يضع شعار “أختاه، أختاه، حجابك أغلى من دمي” الذي كان حزب الله يكتبه بوصفه الوصية الأخيرة لشهدائه الذين سقطوا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في موضع انتهاك تبخيسي لا يمكن ترميمه. يعتدي الحزب على الحجاب الأغلى من دماء شهدائه ليثبت سطوته الأمنية، ويحقق مقولة “أنا الدولة” التي نطقها أحد الخاطفين في وجه آمال.

الانتهاك، إذن، هو الخطاب المقدس عند الحزب، وهو خطاب نهائي لأنه الشكل الذي يهون من أجله كل شيء. بدت آمال شمص وكأنها تعبير مباشر عن انتماء الحزب إلى زمن الانتهاك، وارتدت في لحظة نادرة صوت الضمير الشيعي المكبوت الذي لا يريد أن يكون مادة لهذا الانتهاك.

قالت لنصر الله أنا لست دعاية لسطوتك الأمنية، بل أنا تمثيل نهائي لشعاراتك المنتهكة وعرضك المطعون بسيفك.

لم يخرج صوت في كل مرحلة الصراع مع حزب الله استطاع أن يشحن إدانة أفعال الحزب بكل تلك الطاقة الفعالة من المعاني التي تحيل إلى فكرة النهايات.

الحديث عن الحزب بوصفه طائفيا وفئويا وميليشويا بدا باردا، بل ربما يكون أقرب إلى المديح مقابل تلك الإدانة النهائية التي صفعته بها آمال شمص، حين أعلنت أنه حزب لا يتورع عن انتهاك عرضه بنفسه، في حين يصرف بلا حساب من بنك الدم الشيعي تحت عنوان الدفاع عن العرض.

كل منظومة حزب الله الدعائية تقوم، حاليا، على التخويف من التكفيريين. نصر الله حرص في خطاباته الأخيرة على شحن اللاوعي الشيعي بخطاب الرعب من قدوم التكفيريين. كان مشهد سبي النساء واغتصابهن هو المشهد الأقصى الذي حرص على بثه بصفته مشهدا هوليا كارثيا ختاميا يستحق التضحية بثلاثة أرباع الشيعة مقابل دفعه ورده. آمال تقول لنصر الله مباشرة إنك تفعل بنا ما تخوّفنا منه. أنت وحدك جلادنا الواضح والنهائي، والمستعد للتحالف مع شياطين الكون من أجل إدامة إهدار أعراضنا وكراماتنا.

آمال لفتت إلى واقع نعرفه جميعا ولكننا نتحاشاه، ونرسم له صورا من الظلال. قالت إن هناك زنازين مرقمة تشبه في ترتيبها ومنطقها الزنانين التي كشفت عن وجهها القبيح إبان التحرير، وهي السجون التي كان الإسرائيليون يعتقلون فيها المقاومين على اختلاف طوائفهم.

الإسرائيلي إذن هو مصدر الوحي الأساسي للحزب الممانع والمقاوم، وهو يسعى لشدة إعجابه بتجربته الفذة إلى استنساخها في عمله الأكثر قداسة، وهو الفعل الأمني. إسرائيل هي المرجع الروحي المقدس إذن، هي ولاية الفقيه المطلقة التي يحرص الحزب على رسم تعاليمها بالحديد والنار على أجساد ونفوس شيعة الضاحية؟

آمال شمص هي صوت حقيقة كامنة انتبهت، وهي لا تريد أن يكون هذا الانتباه قرين الخاتمات، بل عنوان بداية مواجهة فعلية لحزب النهايات المرة.

كاتب لبناني

9