آمال ضئيلة بعودة الإدارة المهنية للدولة العراقية

الاثنين 2015/08/17

اتسعت المخاوف في الأيام الماضية من أن تتبخر أحلام المتظاهرين في العراق ولا تسفر الاحتجاجات عن أي نتائج ملموسة، يمكن أن تنقذ البلاد من الفوضى السياسية والاقتصادية الشاملة التي تعم العراق منذ أكثر من 12 عاما.

أكبر خلل في بنية الدولة العراقية هو الاجتثاث المطلق لجميع مظاهر المهنية والكفاءة من أجهزة الدولة، التي غزاها الأميون والانتهازيون من مزوري الشهادات، بعد أن تم إخضاع جميع المناصب الحكومية للمحاصصة الطائفية والحزبية.

لم يعد بإمكان أي خبير أو متخصص مستقل أن يقترب من أي وظيفة حكومية، وهو يرى أنها مقررة سلفا لأحد الأحزاب الطائفية، التي هدمت بنية مؤسسات الدولة من خلال طرد الكفاءات المهنية من جميع مفاصل الدولة.

ويبدو أن تلك الأحزاب الدينية والطائفية أدركت خطورة مطالب المحتجين، فوجهت جهودها لاختراق التظاهرات من أجل إبطال مفعولها وقيادتها إلى متاهة لإطفائها في نهاية الأمر، دون تحقيق شيء يذكر.

لكن المخاوف لا تأتي من ذلك فقط، بل تأتي من فوضى مطالب المتظاهرين واتساعها وتناسلها إلى آلاف المطالب، الأمر الذي يجعل تحقيقها مستحيلا.

شرارة الاحتجاجات أشعلها تزايد انقطاع التيار الكهربائي في صيف العراق اللاهب، لتحتل مطالب تحسين الخدمات محورا أساسيا في شعارات وهتافات المتظاهرين، وهي مطالب غير واقعية ولا يمكن تحقيقها في ظل الوضع الحالي في العراق.

ينبغي على المتظاهرين التوقف عن المطالبة بتحسين الخدمات، لأن تحقيقها مستحيل في ظل غياب المهنية عن مفاصل الدولة. إذ كيف لمؤسسات غير مهنية ينتشر فيها الفساد أن تتمكن من تحقيق تلك المطالب وتحسين شبكة الخدمات التي هدمتها بنفسها على مدى السنوات الماضية.

لا يمكن للمطالب الشعبية أن تسجل مئة هدف دفعة واحدة، أو حتى عشرة أهداف، وعلى المحتجين أن يحددوا أهدافا قليلة يمكن أن تؤدي إلى إصلاح جميع مواطن الخلل، وتفتح الأبواب أمام تحقيق السلسلة الطويلة من المطالب والأهداف.

سر نجاح الكثير من الثورات والاحتجاجات في جميع أنحاء العالم، هو أن هدفها كان واحدا في أغلب الحالات، وبمجرد إسقاط الحجر الأول من أحجار الدومينو ستتساقط جميع الأحجار الأخرى.

في محاربة الفساد ينبغي عدم المطالبة بمحاسبة جميع الفاسدين، بل التركيز على أكبر الفاسدين، وحين يتم إسقاطه سينفتح الباب على مصراعيه لمحاسبة جميع الفاسدين الآخرين، خاصة أن هناك إجماعا واسعا بين المتظاهرين بأن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي هو المسؤول الأول عن ضياع مئات المليارات من الدولارات والتستر على جميع الفاسدين.

لذلك ينبغي حصر مطالب محاسبة الفاسدين في شخصية المالكي ليتمكنوا من تسجيل هدف أول يفتح الباب لتسجيل الأهداف اللاحقة. ويبقى الهدف الأثمن والأكبر، والذي يضم جميع الأهداف الأخرى، من الطائفية إلى الفساد إلى انهيار الخدمات والبنية الاقتصادية للبلاد، هو معالجة فقدان أدنى مستويات المهنية من إدارة الدولة، وهو لن يتحقق إلا بالقضاء على المحاصصة الطائفية، وذلك من خلال توجيه أهداف الاحتجاجات إلى تقليص دور الأحزاب الإسلامية أو إنهائه.

لن تثمر الاحتجاجات أي نتائج، باستثناء بعض اللمسات التجميلية، التي سرعان ما يختفي تأثيرها، إذا لم تفتح الأبواب أمام الكفاءات المهنية للمنافسة الشفافة على مناصب الدولة، كي تستعيد أجهزة الدولة قدرتها على تقديم الخدمات وتحقيق أهداف المتظاهرين.

أكبر الشعارات المجدية التي حملها المتظاهرون، هو مطالبة رئيس الوزراء حيدر العبادي بالانسحاب من حزب الدعوة، كي لا يبقى أسيرا للكتل السياسية التي تقاسمت أجهزة الدولة، وينبغي التركيز فقط على هذا الهدف لأنه الوحيد الذي يمكن أن يحقق جميع الأهداف الأخرى من خلال عودة المهنية والكفاءة إلى مؤسسات الدولة.

11