آمال كربول تعتبر أولى بوادر القطع مع حكومة النهضة في تونس

الأحد 2014/02/16
كربول المرأة الثانية في التشكيلة الحكومية الجديدة

تونس – منذ تكليفها بحقيبة السياحة التونسية في حكومة مهدي جمعة، فإن الوزيرة آمال كربول تحظى باهتمام كبير في الشارع التونسي، خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي.

رغم الثقة التي نالتها حكومة المهدي جمعة (149 نائبا من أصل 193)، بعد جلسة وصفت بالعاصفة تخللتها العديد من الاتهامات والانتقادات، ما يزال البعض يكيل لها النقد مصرا على أساس أنها تضمنت أسماء لا يمكن أن تكون في حجم المرحلة القادمة وصعوبتها.

ولا يمكن كذلك للكفاءات التونسية العالية التي يعلّق عليها الشعب الآمال لإخراج تونس من أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية خانقة أن تحجب هذا الرفض لبعض الوجوه التي تولت حقائب وزارية مهمة.

من بين تلك الشخصيات التي طالتها سهام النقد شخصية وزيرة السياحة آمال كربول، التي تعتبر من الكفاءات الشابة المهاجرة في ألمانيا أين تلقت تكوينها الأكاديمي، وهي كذلك خبيرة في استراتيجيات إدارة الأعمال وناشطة في المجتمع المدني. حيث يتهمها البعض أنها تتعامل مع منظمات عالمية وشاركت في حلقات عمل في عدد من الدول من بينها إسرائيل. لكن مهدي جمعة أصر على أن خياراته كانت على أساس ثلاثة معايير هي الاستقلالية والكفاءة ونظافة اليد، وتعهد بتغيير أي عضو في حكومته لا يلبي هذه المعايير الثلاثة.

هذه الشكوك التي حامت حول هذه الوزيرة الشابة والاستقالة المفاجئة التي تقدمت بها إلى رئيس الحكومة سلّطت الضوء على هذه الشابة التونسية، أكثر من نظرائها من الوزراء في الحكومة التونسية الجديدة.


التغيير والقيادة


آمال كربول التي عينت وزيرة للسياحة، ولدت بتونس سنة 1973. تابعت دراساتها العليا في جامعة كارلسروه الألمانية، وحصلت منها على درجة الماجستير تخصص هندسة ميكانيكية، وهي تدير مؤسسات مجتمع مدني وأعمالا من مدينة كولونيا الألمانية، كما تعمل كذلك أستاذة جامعية زائرة في سويسرا.

وتعتبر آمال كربول واحدة من أبرز الشخصيات التونسية الشابة الناشطة في المجتمع المدني بألمانيا وتشرف على مؤسسة متخصصة في برامج وأعمال خاصة في مجال استراتيجيات الإدارة والقيادة والاستشارات في مشاريع الأعمال والمجتمع، وتشمل أنشطتها شبكة فعاليات من ألمانيا وتونس إلى الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا. ومنذ سنة 2013 عينت كسفيرة “المصلحة العامة” لدى مؤسسة بي أم دبليو الألمانية.

لا يمكن للكفاءات التونسية العالية أن تحجب الرفض لبعض الوجوه التي تولت حقائب وزارية مهمة

وتقول آمال كربول على مدونتها الشخصية التي تحمل عنوان “التغيير والقيادة”، إنها تلقت تكوينها الأساسي في تونس وهي “متفتحة على كل العالم. ومعجبة بالثقافة العالمية وتأثيرها على ريادة وتنظيم المشاريع وإدارتها بصفة ديناميكية”، وهي تتقن التحدث بأربع لغات وتعمل بها، العربية والفرنسية والألمانية والإنكليزية، إضافة لإلمامها باللغتين الأسبانية واليونانية.

ويشكل اختيار آمال كربول كناشطة تونسية وسيدة أعمال بألمانيا، إشارة برأي المراقبين، من حكومة مهدي جمعة للأهمية التي ستوليها الحكومة التونسية الجديدة لسوق السياحة الألماني، الذي تراجع إثر الثورة تحت وطأة الاضطرابات الأمنية التي شهدتها البلاد.


الاتهامات والاستقالة


المرأة الثانية في التشكيلة الحكومية الجديدة لم تحظ بإجماع النواب في المجلس التأسيسي ووجهت لها الاتهامات، وكانت تلك الانتقادات بعد المعلومة التي تداولها النواب ومفادها أن وزيرة السياحة الجديدة قد زارت إسرائيل في عام 2006.

وانتقد بعض النوّاب اختيار كربول معبرين عن رفضهم لزيارتها إلى إسرائيل. ويشار هنا أن المجلس التأسيسي تخلّى عن المادة 27 من مسودة أولية مشروع الدستور كانت تنص على أن “كل أشكال التطبيع مع إسرائيل والكيان الصهيوني جريمة يعاقب عليها بقانون”.

لم تقدر آمال كربول على الصمت الطويل وسط هذه الاتهامات وقدمت استقالتها لمهدي جمعة من الحكومة قبل أن تباشر مهامها، جمعة الذي دافع عنها بالقول “إن كربول سافرت سنة 2006 من مطار فرانكفورت بألمانيا إلى مطار تل أبيب بإسرائيل على أن تتوجه منه إلى الأراضي الفلسطينية في نطاق برنامج ممول من الأمم المتحدة لتدريب شبان فلسطينيين، وأنها تعرضت في المطار الإسرائيلي إلى مضايقات استمرت 6 ساعات كاملة لأنها عربية مسلمة تونسية وأنها بقيت يوما واحدا في إسرائيل وبعد ذلك رجعت إلى ألمانيا ورفضت إكمال هذه المهمة، حتى ولو كان فيها تكوين لفلسطينيين.

ورغم أن حديث جمعة في دفاعه عن وزيرة السياحة أقنع الكثيرين، فأنشؤوا صفحة تضامن مع الوزيرة، ومنهم من اعتبر أن الأمر لا يهم سواء زارت إسرائيل أو لم تزر، فإن آخرين شككوا في تصريحاته، متسائلين عن السبب الذي يجعلها تضع زيارتها لإسرائيل في سيرتها الذاتية رغم أن الزيارة استمرت بضع ساعات. آمال كربول، وزيرة السياحة في الحكومة التونسية الجديدة، قالت إنها قدّمت لرئيس الحكومة استقالتها وله سديد النظر في قبولها أو رفضها. ودعت في تغريدة نشرتها في صفحتها على شبكة التواصل الاجتماعي، مهدي جمعة، إلى “قبول استقالتها إذا ثبت أن الاتهامات التي وجّهت إليها بالتعامل مع إسرائيل صحيحة.


نقد الحكومة

يذهب مراقبون إلى أن المرحلة التي جاءت فيها حكومة مهدي جمعة مرحلة صعبة للغاية لأنها ستواجه العديد من الملفات تتطلب الكثير من العمل والجهد. ولم تكن الاتهامات التي وجهت إلى الحكومة التونسية الجديدة تتعلق بشخصية آمال كربول بل هناك نقد شمل بعض التعيينات الأخرى، ورأى فيها البعض أنها لا تتماشى والسياق الثوري الذي يتطلب تغييرات جذرية في الاشخاص والتوجهات.

الوزيرة الشابة تدرك جيدا حقيقة الأوضاع السياحية في بلد يعاني مشاكل ما بعد الثورة لكنها عازمة على العمل الجاد لتحقيق النقلة النوعية في السياحة التونسية

وطالت الانتقادات أولا وزير الشؤون الدينية منير التليلي حيث اتهمه نواب بكونه ينتمي لحركة النهضة مما ينفي صفة الاستقلالية عنه، كما كان مساعدا لوزير الشؤون الدينية السابق المثير للجدل نور الدين الخادمي كما أنه كان إماما في مقر المجلس التأسيسي التونسي. كما طال الجدل وزير الدولة للشؤون الخارجية، فيصل قويعة حيث اتهمته صفحات التواصل الاجتماعي بكونه كان سفيرا أثناء حكم بن علي، في دول شرق آسيا.

ومست الاتهامات وزير العدل حافظ بن صالح واتهمه نواب بكونه تعاون مع نظام الرئيس زين العابدين بن علي، من خلال تعيينه عضوا في هيئة الانتخابات التي استند الرئيس الأسبق عليها في “إضفاء الشرعية على انتخابه رئيسا عام 2009″.

أما رضا صفر الوزير المعتمد لدى وزير الداخلية والمكلف بالأمن، فعمل في مناصب مختلفة في الأمن الوطني، وعيّنه بن علي سنة 1995 بمهام مدير رئيسي بمجلس وزارة الداخلية العرب مسؤولا عن المؤتمرات والعلاقات العامة وهو المنصب الذي شغله إلى غاية دعوته ليكون وزيرا للداخلية.

ما يخص غازي الجريبي وزير الدفاع الوطني، يروج في أروقة المجلس الوطني التأسيسي أنه اضطلع بوظيفة رئيس مجلس المنافسة في عهد الرئيس السابق، إضافة الى نيابته في المجلس الدستوري، وكان يقف وراء بعض التحويرات في الدستور التي فُصّلت على مقاس الرئيس السابق.

أما حافظ بن صالح وزير العدل وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، يقول بعض النواب إن هذا الوزير الذي من المفترض أن يشرف على العدالة الانتقالية هو أول المشمولين بها، باعتباره المنظّر القانوني لحل الرابطة الوطنية لحقوق الانسان ورفع في حقها عديد القضايا إضافة الى أنه الرجل المقرب من وزير العدل الأسبق البشير التكاري، وتمت مجازاته بتعيينه في المرصد الوطني للانتخابات سنة 2009 باعتبار محاربته لرابطة حقوق الانسان.

قالت كربول إنها عندما سافرت إلى إسرائيل في نطاق برنامج ممول من الأمم المتحدة لتدريب شبان فلسطينيين 'لم تنظر إلى الموضوع من وجهة نظر سياسية'

وبخصوص عمار الينباعي وزير الشؤون الاجتماعية، فقد وقع الاعتراض على تعيينه في وزارة الشؤون الاجتماعية من قبل الوزير السابق خليل الزاوية باعتبار شبهة انتمائه إلى حزب التجمع، إضافة إلى أن له قضية في بناء مبيت جامعي خاص دون ترخيص وتم هدمه، ثم أنه وراء بعض الإصلاحات التي أرهقت ثقل الصناديق الاجتماعية، ويروج أنه تم عزله من منصبه وهو مدير عام تفقدية الشغل سنة 2001.

أما المهندس شهاب بن أحمد وزير النقل، فيروج حوله قربه من بعض شبكات الفساد المالي في الوزارة، وأنه ممنوع من السفر بسبب هذه القضايا.

وبرغم هذه الاتهامات التي شملت أعضاء حكومة المهدي جمعة الجديدة، إلا أن العديد من المحللين يرون أن المهم هو أن تعمل هذه الحكومة على إنقاذ الوضع الاقتصادي خاصة وأن غالبية الوزراء الجدد تربطهم علاقات واسعة ووطيدة بدوائر المال والأعمال في أوروبا والعالم.

تلك العلاقات مهمة جدا على اعتبار المرحلة التي تمر بها البلاد التونسية بعد ثلاث سنوات من الثورة، فالأوضاع الاقتصادية تتطلب عملا جبارا لإعادة الثقة للشركات الأجنبية ووقف التراجع الذي يشهده الدينار في أسواق المال.

ولعل الجانب السياحي مرتبط بالجوانب الأمنية التي شهدت تحسنا في الآونة الاخيرة، وهناك دعوات لتعود تونس وجهة سياحية جديرة بالثقة. وهذا ما يستدعي من الوزيرة الجديدة العمل على تحقيقه، خاصة أن لها علاقات خارجية جيدة من شأنها أن تقنع وكالات الأسفار بالتوجه إلى تونس.


حساسية السياحة في تونس


غير أن الدور المنوط بعهدة الوزيرة الجديدة تحفه العديد من الصعوبات لأن قطاع السياحة قطاع ذو حساسية عالية مرتبط أساسا بالقدرة التسويقية وبالخدمات الفندقية وبالأمن الموجود في البلاد.

الوزيرة الشابة من خلال تصريحاتها وتوجهاتها وخياراتها ترى أنها قادرة على تحقيق ولو بعض الإنجازات في قطاع تعتبره ذا أهمية من خلال إعادة القراءة لواقع السياحة التونسية والبحث عن وسائل مغايرة لتطويره والنهوض به.

غير أن طموحات الشباب لا ينظر إليها السياسيون إلا عندما تكون قد تحققت على أرض الواقع وبدت ثمار العمل تعطي أكلها. لذلك فما يطلبه البعض من الأحزاب السياسية أن يكفوا عن تجاذباتهم الموترة للمشهد ومن الاتحاد العام التونسي للشغل أن يقر بهدنة لترك الفرصة لهذه الحكومة حتى تعمل في ظروف ملائمة، فإخراج تونس من ظروفها الصعبة يتطلب استقرارا في الحراك الاجتماعي والحراك السياسي.

آمال كربول تدرك جيدا حقيقة الأوضاع السياحية في بلد يعاني مشاكل ما بعد الثورة لكنها عازمة على العمل الجاد لتحقيق النقلة النوعية في السياحة التونسية.

20