آمال "مناني رابعة"

الأربعاء 2013/10/09

حينما علق شيخنا عبدالرحيم الحوت على تغريدة لي حول التهديد برفع شعار رابعة الماسوني في موسم الحج بقوله إنها «مناني رابعة»، عادت بي الذاكرة إلى مقال للعميد علي الزهراني يحمل نفس عنوان هذا المقال وفيه إشارة إلى قصيدة الشاعر دغسان عن جمال عبدالناصر التي قال فيها «سوَّلَت لك مناني رابعة واحتقرت أقوال فيصل»، فوجدت أنها الرد الواقعي والعملي على أوباما وعلى ضحايا الوهم. وإذا كان دغسان رحمه الله تناول عبدالناصر فلا أرى لأوباما إلا سما المصري لأن من العدل أن نُنزل الناسَ منازلهم.

فماذا تعني «مناني رابعة» ولماذا؟ ببساطة هي مثل شعبي من الباحة جنوب المملكة السعودية وتعني أمنيات أو وعود رابعة الوهمية التي لن تتحقق.

ورابعة هذه هي نفسها رابعة العدوية، فلله درّ الجنوبي البسيط يستشرفُ المستقبل، أما لماذا فلأنني أعتقد أن مناني رابعة تنطبق على نتائج المحادثة الهاتفية التاريخية بين أوباما وروحاني من ناحية، كما تنطبق على أولئك الذين أعربوا عن تشفيهم في السعودية بما وصفه الإعلام الفارسي بالتقارب «الأميركي الإيراني» لا «الإيراني الأميركي» كما هو واقع الحال.

المحادثة الهاتفية بين روحاني وأوباما وما صاحبها من ضجة إعلامية كبيرة كانت نتيجة لتخطيط «الدهاء الفارسي»، حيث قام الوفد بإبلاغ المسئولين الأميركيين رغبة روحاني في محادثة نظيره الأميركي ليستغلها «المكر الأميركي» الذي انتظر كثيرا قبل أن تحين له هذه الفرصة.

فإدارة أوباما التي تعهدت بإنهاء البرنامج النووي الإيراني سلمياً وجدت في الطلب الإيراني لإجراء المحادثة إذابة للجليد الذي استمر 34 عاماً، بينما شكل الاتصال لإيران فرصة لتحقيق نصر مزيف آخر، حيث يبدو الأمر وكأن عمليات تلميع الصورة الإيرانية في الأمم المتحدة قد أتت ثمارها باتصال الرئيس الأميركي وتحقيق روحاني لما عجز عنه سابقوه.

إيران التي خسرت الشعب السوري، إضافة إلى عدم تحرك برنامجها النووي بشكل فعلي ملموس وعدم استطاعتها التراجع عنه أو المضي فيه، رأت أن تعمل على إحياء المفاوضات في ظل وجود إدارة أميركية تفضل العمل الدبلوماسي حتى الرمق الأخير. اللاعب الإيراني يعلم جيدا الخطوط الحمراء الأربعة التي وضعتها الإدارة الأميركية والمتمثلة في الاستمرار في تخصيب اليورانيوم، وهو ما يجعلها كلما شعرت بتهديد أميركي، تسرب معلومات غير صحيحة عن عمليات تخصيب من نوع ما في إطار سياستها التهديد والتهديد المضاد. أو رفض إيران للمفاوضات بشكل فعلي وجاد وهو ما لم ولن تفعله أبدا. أو القيام بأعمال إرهابية على الأرض الأميركية، وهو ما تحاول تفاديه أو نفيه بشدة في حال التلويح بوجود دليل على ذلك. وآخر الخطوط وجود دليل قاطع على امتلاكها للسلاح النووي، وهو غير متوفر بطبيعة الحال.

وقد يشير البعض إلى الخلاف الحاد حول تعريف مفهوم «القدرة النووية» داخل الإدارة ذات الخطوط الملونة، إضافة إلى أنه قد تم اختبار خط أوباما الأحمر في سوريا وأسفر عن قبوله بالحد الأدنى للحل. اللاعب الإيراني يعلم أن إسرائيل هذه المرة في عمق المسألة وأن أمنها في خطر من وجهة النظر الأميركية.

ويعلم أن الصواريخ لن تنفجر في الجو قبل وصولها لأهدافها.

ويعلمُ أن الولايات المتحدة لن تسعى للحفاظ على ماء الوجه والقبول بالحد الأدنى لعدم وجود الحليف الذي يُسقطُ الصواريخ خفية. لذلك كله فالخطوط الحمراء هذه المرة خطوط جادة جداً.

الولايات المتحدة تعلم بدورها أن إيران رقم صعب في المعادلة الشرق أوسطية لما لها من دور في إشعال الفتن والاضطرابات. وتعلم أنها تحتاجها في سوريا حالياً للوصول إلى حل سياسي.

وتعلم أنها تجمع المتناقضات تماماً كالقزم القطري. ولأنها التزمت بإستراتيجية العقوبات الاقتصادية مع المفاوضات متعددة الأطراف في نفس الوقت بدلاً عن العمل العسكري فلن تتوانى عن المفاوضات المباشرة لتحقيق هدفها إذا وجدت ترحيبا من طهران بذلك، وكان استدراج أوباما للاتصال الهاتفي تلك الإشارة وذلك الترحيب.

إنها معادلة محورية متعارضة فإيران التي تتصور أن هدف العقوبات الاقتصادية، حسب تصريح خامنئي لصحيفة Wall Street Journal، هو إسقاط النظام لذا لن توقف برنامجها النووي ولو كان ذلك على حساب مواطنيها.

وفي الوقت نفسه لا يمكن رفع العقوبات الاقتصادية طالما أن إيران تسير في برنامجها النووي. هذا يعني تلقائياً أن أي تنازلات تقدمها الولايات المتحدة لن تتجاوز تخفيف العقوبات طردياً مع إيقاف البرنامج حتى الوصول للإيقاف النهائي مع الرفع الكامل.

خامنئي لم يتغير رأيه أو موقفه من الولايات المتحدة أو الصراع المستمر منذ ثلاثة عقود. صراع ساهم في قوته سقوط الاتحاد السوفييتي وحرب أفغانستان والعراق وسقوط الطالبان وصدام حسين، مما أدى إلى تشجيع إيران للسعي للسيطرة على أهم منطقة في العالم من خلال إثارة عدة تحديات أمنية في المنطقة بالتعاون الوثيق مع القزم القطري.

وبناءً على هذا الموقف فالمحادثة ليست أكثر من إذابة للجليد فلا هي بالاختراق ولا بالتقدم في العلاقة، ولكنها في نفس الوقت اعتراف من الإدارة الأميركية بمرونة روحاني مما يفتح آفاق التسوية وتخفيف حدّة التوتر في المنطقة، أو هكذا تريدنا الإدارة الأميركية أن نعتقد.

أما ما تريد أن يعتقده الداخل الأميركي فهو أن يتوهم سعي أوباما لتنفيذ برنامجه الانتخابي من ناحية، وأنه كسابقيه شديد الاهتمام بالمواطن الأميركي في الخارج. فالمحادثة تضمنت موضوع المعتقلين الأميركيين الثلاثة في السجون الإيرانية: سعيد عابديني وروبرت ليفنسون وأمير حكمتي الذين تذكرهم الرئيس الأميركي فجأة.

المحادثة الهاتفية إذن ليست أكثر من خطوة تكتيكية لتحقيق مكاسب سياسية في الداخل الإيراني- الأميركي ومحاولة مشتركة لجس النبض.

رغم أن المصالح الأميركية الإيرانية تتقاطع بشكل واضح فيما يسمى بالفوضى الخلاقة، إلا أن الآمال الأميركية التي يتم بناؤها على هذه المحادثة بالذات إنما هي «مناني رابعة» بامتياز نتيجة للمخادعة والمخاتلة التي ميزت السياسة الإيرانية منذ ثلاثة عقود، كما أن استرجاع المنعطفات في علاقات البلدين منذ الثورة الخمينية والتي اقتربت من حاجز المنعطف العشرين سيكشفُ أنها ليست ذات أثر يُذكر.

وكذلك الحال هي «مناني رابعة» للآمال الإيرانية التي ستصطدم مع رغبة الولي الفقيه في وجود عدو ظاهر يغذي به التطرف.

الأثر الوحيد الذي يمكن أن تتركه هذه المحادثة كنتيجة للضجة التي صاحبتها سيكون المزيد من الوهم للشائنين على السياسة السعودية الذين نراهم في وسائل التواصل الاجتماعي فرحين بهذا التقارب المزعوم نكاية في الحكومة السعودية، وهم يأملون أنه سيساهم في تحقيق حلمهم. لكننا نسترفد لهم عبارتنا السعودية الجنوبية بأن آمالهم ليست إلا «مناني رابعة».


كاتب سعودي

9