آمنة الشرقي ضحية استهداف الإسلاميين لمكاسب الدولة الوطنية

ممثلو الإسلام السياسي أبرز مستفيد من الهجمة التي استهدفت المدونة التونسية، حيث سعوا إلى تنصيب أنفسهم حماة للإسلام.
الأحد 2020/05/10
لا مجال للتهاون بالحريات في تونس

طرق القلق مرة أخرى باب المدافعين عن الحريات في تونس بعد محاكمة شابة بتهمة الإساءة إلى الإسلام والتعدي على المقدسات في العالم الافتراضي، وهو ما أتاح للإسلاميين فرصة استثمار هذه القضية لتحقيق مكاسب سياسية في وقت يضيق عليهم الخناق داخليا.

وكانت مدونة صغيرة السن اسمها آمنة الشرقي قد نشرت أفكارا أخذت من السور القرآنية قالبا لها لكن دون أن تستخدم عبارات من القرآن. وأشارت موكلة الشرقي إيناس الطرابلسي إلى أنها تعرضت لمحاكمة قد لا تكون عادلة وفقا للمعايير المعتمدة حيث استنطقها 7 أفراد من النيابة العمومية التونسية دون حضور الدفاع.

ويثير تحرك القضاء بسرعة لفتح بحث في حق الشرقي تخوفا من تراجع على مستوى الحريات في تونس التي تُكافح من أجل تحصين ديمقراطيتها الناشئة ودرء الأخطار المحدقة بها. هذا علاوة على أن دستور الجمهورية الثانية الذي تم إقراره في عام 2014 يكفل حرية الضمير والمعتقد.

وبالرغم من استماتة بعض الوجوه الإسلامية في توجيه سهام نقدهم للشرقي والمتعاطفين معها مستفيدين من طبيعة المجتمع التونسي المحافظ إلا أنه لا يمكن القول بأن ما قامت به المدونة ضربا للإسلام أو تعديا عليه لعدة اعتبارات.

وبعيدا عن أروقة العدالة وما يبيحه القانون التونسي الذي لا يكبل حرية الفكر والرأي والتعبير المكفولة للتونسيين فإن الأدب عربيا كان أو عالميا زاخر بمحاكاة القرآن. ودون أن نعود كثيرا إلى التاريخ الذي يخبرنا عن أدباء حتى عالميين تأثروا بالكتاب المنزل واستلهموا منه قوالب ومفردات وغيرها لأشعارهم، يكفي أن نستحضر أحد أبرز أعلام الأدب العربي حديثا، محمود المسعدي.

فالمسعدي، الذي تقلد منصب وزير التربية في تونس في حقبة ما بعد استقلال البلاد، اجتلب في كتابه السد من الآيات القرآنية ما تيسر لعمله الأدبي بهذه الكلمات: أعوذ بصاهبّاء من الإنسان الرّجيم، وهي تحيلنا إلى التعويذة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وكذلك المعوذتين في كتاب الإسلام.

ويضيف المسعدي في رائعته “وقلنا يا آدم أخرج من ضلع العاصفة الريح والصاعقة الرعد وكن فيها النور والنار والبرق، وتحيلنا هذه الكلمات مباشرة إلى الآية 35 من سورة البقرة حيث قال تعالى: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكُلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.

ويمكن، أيضا، استحضار استدلال الرئيس الحالي قيس سعيد بأبيات للشاعر العراقي مظفر النواب حيث يقول في إحدى قصائده “إذا الدساتير سُئلت بأي حبر كُتبت” وهو ما ظهر سعيد يردده في أحد مقاطع الفيديو الذي تداوله التونسيون على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتحيلنا أبيات الشاعر العراقي مباشرة إلى الآية: وإذا الموؤودة سُئلت بأي ذنب قُتلت، وهي الآية الثامنة من سورة التكوير.

لكن يبدو أن ممثلي حركات الإسلام السياسي أبرز المستفيدين من الهجمة التي استهدفت المدونة التونسية وسعوا إلى تنصيب أنفسهم مجددا حماة للإسلام، وهو ما دفع بالعديد من الأطراف التونسية إلى التحرك.

وبالرغم من أن النهضة، التي تمثل فعليا فرع الإسلام السياسي في تونس، لم تصدر أي موقف إلا أن جهات أخرى محسوبة على الحركة لم تتوان في التحرك لمواجهة حاملي لواء الدفاع عن مدنية الدولة.

وخرج رئيس كتلة ائتلاف الكرامة، الذي يعد واجهة من واجهات الإسلاميين في البرلمان، سيف الدين مخلوف لانتقاد كل من تسول له نفسه التعاطف مع المدونة آمنة الشرقي.

وتؤكد مهاجمة مخلوف لهؤلاء مساعي الإسلاميين لمواصلة وأد أي حركات تجديدية في تونس وتنصيب أنفسهم حماة للإسلام بالرغم من الأشواط التي قطعتها البلاد من أجل تعزيز المكتسبات على الصعيد الحقوقي.

وكتب مخلوف ليلة الخميس السابع من مايو على حسابه بفيسبوك وبلهجة ساخرة “أنت بطل قومي، وتمارس حرية التعبير ما دُمت تستهزئ بالقرآن الكريم وبالأنبياء أو تتطاول على الذات الإلهية”.

ويعد مخلوف، وهو محام، من أبرز الوجوه التي تضمر العداء لمنجزات الدولة الوطنية.

وفي المحصلة، فإن آمنة الشرقي ضحية جديدة من ضحايا تفسيرات وتأويلات حركات الإسلام السياسي الخاطئة للدين.

ولأن آفة بلداننا النسيان فلا بد من استحضار ما أقدمت عليه تيارات الإسلام السياسي عندما قرر الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي الدفع بمشروع قانون يهدف إلى إرساء مساواة تامة في الميراث بين الجنسين وتحصين حقوق الأقليات في بلاده.

عندها (2017) ثارت ثائرة الإسلاميين وحشدوا أنصارهم للقيام بمحاكمة علنية لقائد السبسي واللجنة التي كلفها بصياغة هذا المشروع في احتجاجات تم فيها تكفير وتخوين الرجل وأنصاره واللجنة المكلفة.

لكن ما يحز في نفوس التقدميين التونسيين هو “الخذلان” الذي يتعرضون له من قبل ممثليهم على الساحة السياسية في سياق معارك إما لإعادة التموقع أو من أجل التودد لحركات الإسلام السياسي، خاصة عندما تكون أسهمها في صعود.

لعل أبرز هذه الوجوه التي أثارت حفيظة المدافعين عن مدنية الدولة والحريات العامة والفردية عصام الشابي، وهو أمين عام الحزب الجمهوري المحسوب على العائلة الوسطية ولكنه يتبنى أفكارا وبرامج يسارية.

 وخرج الشابي بتدوينة يطالب فيها بمحاكمة المدونة التونسية “لعلها تثوب إلى رشدها”، في خطوة أثارت الكثير من الجدل، وخاصة أن رصيد الرجل من الدفاع عن الحقوق والحريات يصعب حصره.

4