آنجليك كيدجو موسيقى الجرأة وانصهار الثقافات

الأحد 2014/07/20
آنجليك كيدجو: لماذا يخشى العالم المرأة

بعد ماكيبا، ديبانغو، فيلا، يوسو ندور، موري كانتي وآخرين، آنجيليك كيدجو هي أصغر الفنانين الأفارقة التي شقت بأنغامها مسارا موسيقيا عالميا بامتياز. تعاقدها مع “آيسلاند” لم يكن مجرد مصادفة، فالحقيقة أن القارة السمراء تعج بالفنانين بل وتشكل منبتا للمواهب، التي تبقى غالب الأحيان، لشديد الأسف، على هامش المضامير الفونوغرافية الكبرى.

وُلدت كيدجو في 14 يوليو 1960 بـ”ويداه” المدينة الساحلية الصغيرة بجمهورية البينين، وحتى 1975 كان اسمها داهومي. منحدرة من السلالة العرقية بيداه، لقد سُمّيَت عند الولادة آنجيليك كباسيلوكو هينتو هونسينو كانغو مانطا زوغبين (دم مصباح لا يمكن أن يوقد شعلة). والدتها، إيڤا، مصممة الرقص التعبيري ومديرة مسرح ذائع الصيت، وهي فضلا عن ذلك سيدة أعمال نبيهة. أما أبوها فرانك، فهو موظف بالبريد، يمارس خارج أوقات العمل التصوير بشكل محترف ويعزف أحيانا على آلة البانجو.


المسيرة الفنية


ترعرعت الفنانة وسط إخوانها وأخواتها الثمانية، وفي سن مبكرة، وجدت نفسها وسط مزيج متعدد من الثقافات واللغات والتقاليد. لغتها الأم هي الـ”فون”، لكنها تفهم وتتكلم عدة لغات، نتعرف عليها عبر أغانيها.

منذ سن السادسة، كانت آنجيليك تمارس الرقص والغناء ضمن المجموعة التي كانت تسيّرها والدتها. وقد قامت الفرقة بعدة جولات بأفريقيا الغربية، فراكمت الفتاة الصغيرة، منذ ذلك الحين، تجربة متينة. عادت إلى المدرسة في سن التاسعة، لكن عند بلوغها الحادية عشرة من عمرها، قدمت عرضا غنائيا ضمن مجموعة “كيدجو برادرز باند”. معهم، تشبعت وامتلكت معرفة حادة للرصيد الموسيقي الأفروـأميركي الـ “سول” و”ريثم آند بلوز”، و أنغام جيمس براون على الخصوص، التي تعرفها كما تعرف التنفس.

يُخيل للمرء أنه تم ابتكار الموسيقى العالمية للاستعمال الشخصي لآنجيليك كيدجو. لقد عاشت مدة طويلة بفرنسا والولايات المتحدة، وألبومها الأخير، “إيڤ” (حواء)، دليل واضح على الجرأة والبعد الكوني اللذين تتحلى بهما موسيقاها : نسمع به الدكتور جون، عازف الكرونو كارتي، المغنية آزا، عازف الإيقاع كريستيان ماكبريد، عازف القيثارة ليونيل لويك، منشدات القداس من كينيا والبينين… فهي تكرم النساء الأفريقيات، تكشف إلى أي مدى تتقاطع الثقافات، مكرسة تداخلها وتآلفها وتضامنها. إنه برهان موسيقي وروحي… تتصدر كيدجو قائمة مشاهير مطربي “آس فيكس”، حسب مجلة “تايم ماغازين”، وهي إحدى الوجوه البارزة التي تم اختيارها ضمن الخمسين شخصية الأكثر أهمية بالنسبة إلى أفريقيا حسب الـ”بي بي سي”.

الرسالة الأهم التي تود آنجيليك كيدجو تمريرها، في أن يتجاوز العالم تلك الصورة النمطية للنساء الأفريقيات

بعد “جين جين”، الألبوم الذي حاز على جائزة الـ”غراميو أوارد” لأحسن ألبوم معاصر في العالم، تعود آنجيليك المغنية، الملحنة، الراقصة التعبيرية وكاتبة الكلمات، بألبوم “إيڤ” (حواء).


تكريم المرأة


أول امرأة في العالم كانت أفريقية، هذا ما تؤكده آنجيليك قائلة “لكنها لم تكن فقط أفريقية، كانت تمثل كل نساء العالم، وقصتها كان يرويها الرجال. هكذا، تم تحديد كياننا من خلال هذه القصة، وأنا جد متلهفة لمعرفة ما الذي وقع بالتحديد. أود أن أسمع حواء وهي تحدثنا كيف أكل آدم التفاحة، وتقولَ لنا من قرر كل هذه المتاهة، التي نتخبط في خضمها حتى يومنا هذا”.

كما تؤكد كيدجو أن ألبوم “إيڤ” يشكل تكريما للنساء، لتضحياتهن ونضالهن، لجمالهن، تكريم لكل نساء العالم وللمرأة الأفريقية على الخصوص.

وتستطرد قائلة: “بالنسبة إليّ، المرأة الأفريقية هي العمود الفقري للقارة السمراء، ونحن النساء نشكل جذور كل المجتمعات بشكل عام، لكنهم لا يمنحوننا الحيز الكافي، ربما لأنهم يخشوننا، حسب اعتقادي. لا أعرف إن كان ذلك خوفا أو انعداما للثقة، ولست أفهم الجدوى من الاحتفال باليوم العالمي للمرأة يوم الثامن من مارس، دون أن يكون هناك يوم عالمي للرجل، فمن المفترض أن يكون هناك توازن مادام كل طرف بحاجة إلى الآخر”.

كيدجو وجه بنين الموسيقيّ

ألبوم “إيڤ” هو تكريم لأم العالم بشكل عام، لكنه قد يكون على الأرجح تكريما خاصا لوالدة آنجيليك وتدعى “إيڤ”، واليومباه يسمونها “إيڤا”، والجدير بالذكر في الأغنية هو جملة “إيڤا آمينا”، ومعناها أن “شخصا ما قد أتى”، أو أن “حدثا ما قد وقع”. إن المغزى العام للأغنية هو رجاء تحالف بين النساء والرجال، يناهض العنف ضد المرأة في كل أشكاله، وأن تجد أي امرأة في العالم ملجأ في هذا التحالف لمساعدتها وتمكينها من النهوض مجددا. تضيف آنجيليك بهذا الصدد: “ليس كل الرجال مستبدين، هناك رجال يحبون المرأة بشخصيتها المتكاملة، ونحن في أشد الحاجة لهؤلاء الرجال لإرجاع الأمور إلى نصابها، وتحقيق توازن مستدام”.


نساء أفريقيا


بدأت فكرة أغنية “إيڤ” تختمر في ذهن آنجيليك منذ إنشائها لمؤسسة “باتونغا” سنة 2002 للنهوض بمستوى المرأة، حيث تم تعيينها سفيرة النوايا الحسنة للـ”يونيسيف”، وهذا سمح لها بزيارة بلدان أفريقية لم تزرها من قبل، بأفريقيا الوسطى وأفريقيا الشرقية. حيث اكتشفت أن الإشكاليات التي تعانيها نساء أفريقيا هي نفسها بالنسبة إلى نساء الدول المتقدمة في الغرب، ولكن بدرجات متفاوتة.

فهمت الفنانة وتعلمت من هؤلاء النساء الصبر والصمود، ليكون كل يوم هو الأفضل، لتتوفر الحماية للأطفال، لتعم السعادة من حولهم، وتستمر جمالية الحياة كل يوم رغم الفقر والعوز.

المرأة الأفريقية هي العمود الفقري للقارة السمراء، ونحن النساء نشكل جذور كل المجتمعات

تؤكد كيدجو أنها لطالما وقفت مشدوهة أمام ابتسامة نساء بقرى أفريقية، قض العوز مضاجعهن، في حين توجد نساء ميسورات الحال بباقي العالم، لكنهن لا يعرفن للابتسام وسيلة. بيت القصيد في رأيها هو أن نتقاسم جميعا ما لدينا لنسير قُدما، وننعم بالسعادة. هذا التعبير هو ما نحسه فعلا حين نسمع الأغنية، هناك فرحة عارمة، وسعادة تصاحب الرغبة في المقاومة وإثبات الذات.


الفن رسالة


قد تتلخص الرسالة الأهم التي تود آنجيليك كيدجو تمريرها، في أن يتجاوز العالم تلك الصورة النمطية للنساء الأفريقيات، التي لا تصور إلا البؤس، فهن يعشن سعادة الحياة اليومية رغم قساوتها، وتلك السعادة هي التي تجعلهن يصمدن و يبتكرن حلولا أمام أحلك الظروف، وهذه ميزة قد لا تكتسبها نساء الغرب.

حين استضافتها قناة “تي ڤي 5” بمناسبة صدور ألبومها “إيڤ”، صرحت آنجيليك بأنها تهديه لوالدتها، التي استطاعت تربيتها وإخوتها ورعايتهم في بيئة سليمة براتب والدهم المحدود، لكن الفضل الكبير في تكوين شخصيتها والنجومية التي حققتها، يعود بالأساس لوالدها، الذي أصر على أن تُتِمّ دراستها وأخواتها وتحدى التقاليد السائدة بمجتمعهم، والتي تلزم البنات بالزواج في سن مبكرة.

15