آنسات أفينيون شقيات يسببن السعادة

الأحد 2017/10/22
آنسات أفينيون رحلة من برشلونة إلى نيويورك يولد معها العصر الحديث

لندن - أخيرا التقيتهن. الآنسات الخمس اللواتي لم تشحب نضارتهن بفعل مرور الزمن ولم يكبرن ولو يوما واحدا بالرغم من المئة وعشر سنوات التي مرّت على ظهورهن لأوّل مرة في مشهد ضرب الخيال البشري بعصفه بطريقة نادرة.

لقد تغيّرت أشياء كثيرة بسبب ذلك المشهد الاستثنائي في تمرّده وقوّته ومغالاته في الاختلاف. على الأقل لم يعد الرسم بعدهن مثلما كان قبلهن. وهو ما يجعلهن ماثلات كلما حاول إنسان أن يعيد قراءة تاريخ الحداثة الفنية في عصرنا.

ذهبت ذات مرة إلى مدينة أفينيون، جنوب شرق فرنسا بحثا عن أثر يذكر بهن ولم أعثر على شيء. بعد سنوات طويلة اكتشفت سوء الفهم الذي أصابني. لقد عثر بيكاسو عليهن في زقاق صغير ببرشلونة اسمه شارع أفينيون، ما من شيء يجمعه بالمدينة الفرنسية سوى الاسم.

أما حين عرفت أنهن قد رحلن إلى نيويورك منذ عام 1937 فقد أصابني اليأس من إمكانية اللقاء بهن. لقد خيّل إليّ أن نيويورك بعيدة وقد كان ذلك خطأ في قياس المسافات، سببه ولع قديم بالجغرافيا.

في متحف الفن الحديث “إم أو إم إيه” وقفن أمامي، كما لو أنهن خرجن للتو من المنزل أو من محترف الرسام، لا فرق.

لا مسافة تفصل بين شارع أفينيون ببرشلونة وبين محترف الرسام المغامر بباريس. الرسام الشاب الذي كان يعد بالكثير سيقضي تسعة أشهر وهو يحاول ألاّ ينتهي من رسم لوحته التي سيمجّد من خلالها أسلوبا جديدا خارقا في الرسم من غير أن ينحني أمام مقوّمات وشروط موضوعه.

“رسمت نصف اللوحة وشعرت أن ما رسمته لا يطابق ما أريد. رسمت شيئاً مختلفاً، وتساءلت: هل عليّ إعادة رسمها؟ ثم قلت لنفسي: لا لن أعيد رسمها. سيفهمون ما أردتُ فعله” يقول بيكاسو. لم يكن هناك شيء صعب ليُفهم.

كل ما هنالك أن بيكاسو رسم فتياته بطريقة لم تُرسم من خلالها امرأة من قبل. وهو ما سبّب حرجا لكثير من أصدقائه الفنانين ومقتني الأعمال الفنية الذين شعروا بالخيبة.

المشاهد يدهش حين يقف أمام لوحة \'آنسات أفينيون\' لا لأنها لا تزال تملك تأثيرا تعبيريا حديثا زاده الزمن قوة وحسب، بل وأيضا لأن صناعتها هي من المتانة بحيث تؤهلها للعيش مئات أخرى من السنوات من غير أن يبدو عليها القدم

قبل التكعيبية وبعدها

يدهش المرء حين يقف أمام لوحة “آنسات أفينيون” لا لأنها لا تزال تملك تأثيرا تعبيريا حديثا زاده الزمن قوة وحسب بل وأيضا لأن صناعتها هي من المتانة بحيث تؤهلها للعيش مئات أخرى من السنوات من غير أن يبدو عليها القدم. وهو ما يميّز الفنان الحقيقي والمتمكّن عن سواه.

الآنسات الخمس الجميلات لم يمتن. لا تزال لوحة بابلو بيكاسو تجدّد لهن فرص الحياة بأجمل مستوياتها وأكثرها بهاءً. عريهن النبيل انتقل بهن إلى مصاف الملكات والكاهنات والقديسات اللواتي يُصنع التاريخ من خلال تربيتهن العاطفية.

رُسمت اللوحة عام 1907 غير أنها لم تُعرض على الجمهور إلا في عام 1916. كان بيكاسو بعد أن تعرّض لانتقاد سلبي مرير من أقرب أصدقائه بسبب لوحته تلك، قد أخفى اللوحة ولم يعرضها على أولئك الأصدقاء أنفسهم إلا بعد ثماني سنوات.

أثناء ذلك كان بيكاسو برفقة جورج براك قد اخترعا أسلوبا جديدا في الرسم أطلق عليه صديقهما الشاعر أبولونيير “التكعيبية” وكان بيكاسو قد مهد لذلك الأسلوب بلوحته “آنسات أفينيون” وذلك من خلال رسم الكائن البشري بخطوط صلبة تصنع تقطعاتها زوايا.

ولم يكن بيكاسو في ذلك بعيدا عن نظرية بول سيزان في الاستناد إلى الأصول الهندسية في رسم الطبيعة.

معادلات الأنوثة الجديدة

كتب سيزان في رسالة منه إلى صديقه الرسام إميل برنار “عامل الطبيعة بالكرة والأسطوانة والمخروط”. لقد حظيت “آنسات أفينيون” في عرضها الثاني بتقدير احتفالي وعدّت بمثابة فتح في عالم الحداثة الفنية حتى أن زعيم السوريالية أندريه بريتون بشر بها باعتبارها بداية للعصر الحديث.

"بهجة الحياة" لماتيس تسبق آنسات بيكاسو زمنيا

ما الذي فعله بابلو بيكاسو في لوحته تلك لتصبح فاتحة لعصر جديد من الرسم؟

لو قارنا ما فعله بيكاسو حين رسم آنساته بما كان معروفا تاريخيا على صعيد رسم النساء لأدركنا كم كان الرسام الإسباني خشنا وقاسيا وحادا في رسمه. ما من شيء في لوحة الآنسات يمتّ بصلة إلى التقاليد التي برع فيها روبنز وديلاكروا وأنغر وغويا وديغا ورينوار في رسم النساء.

غير أن بيكاسو بالرغم من خلافه التقني مع من سبقوه من الرسامين استطاع ببراعة وإتقان استثنائي أن يكون مخلصا للجانب الرقيق والعذب الذي يضفي على المرأة طابعها الأنثوي.

لم يستعر بيكاسو أيّ شيء من أسلافه في ما يتعلق بالطرق الجمالية المتاحة للنظر إلى المرأة غير أنه نجح في أن يصل إلى القيم الجمالية عينها لكن من خلال معادلات شكلية جديدة.

لقد أثبت بيكاسو عبر مسيرته الفنية أن الشبه يمكن الوصول إليه بطرق ميسّرة لا تحتاج إلى كثير من التعقيد المدرسي. وكان ذلك الاكتشاف ثورة في فكر الرسم. يوم رسم الآنسات كان بيكاسو في السادسة والعشرين من عمره وكان قد وقع تحت تأثير الأقنعة الأفريقية التي رآها في أحد متاحف باريس.

أفريقي بضراوة

حين رأى الفنان الفرنسي هنري ماتيس لوحة الآنسات أدرك أن بيكاسو قد تأثر برائعته "بهجة الحياة" وقلّدها. هو أمر يمكن النظر إليه من جهة أخرى.

من وجهة نظر بيكاسو كانت الآنسات ردا على “بهجة الحياة” وليست تقليدا لها. لقد اعتقد صاحب غورنيكا أن ماتيس لم يهتم بالجانب الموحش من الحياة، هناك حيث تقيم كائنات هامشية ومنسية ومهملة. فكانت الآنسات أشبه بصرخة الألم والعذاب في مواجهة الترف والدعة والطمأنينة التي تميزت بها كائنات ماتيس.

بابلو بيكاسو وهو يرسم بالضوء في صورة نادرة

غير أن ماتيس كان قد اتجه بفنه نحو الاهتمام بفنون الشرق مستلهما روح المكان الشرقي وهو أمر أثار حفيظة بيكاسو الذي لم يكن يغيظه سوى اثنين من عباقرة الرسم عبر التاريخ ويسعى إلى تخطّيهما من خلال التعلم منهما وهما بول سيزان وهنري ماتيس. لذلك فإنه اتجه إلى الفن الزنجي وهو ما جرّب تأثيره لأول مرة في لوحة الآنسات.

“هل شاهدتم منحوتة أفريقية بأنف جانبي؟” كان بيكاسو يقول في محاولة منه للدفاع عن نفسه في مواجهة الاتهامات السطحية التي اعتبر البعض من خلالها أن بيكاسو لم يفعل شيئا سوى نقل عدد من المنحوتات الأفريقية إلى الرسم.

وفي كل الأحوال فإن بيكاسو المعروف بميله إلى الذهاب بالأمور إلى أقصاها كان أفريقيا بضراوة مثلما كان يفعل كل شيء بضراوة يُحسد عليها.

بشر سعداء بالآنسات

كان الشاعر الفرنسي أندريه بريتون من أوائل المعجبين بلوحة الآنسات وقد كتب يومها رسالة إلى مصمم الأزياء جاك

دوسي قال فيها “لا أخفي رأيي أن آنسات أفينيون هي حادثة جوهرية في مطلع القرن العشرين. فهذه اللوحة يليق بها العرض في شوارع عاصمتنا كما عرضت عذراء الرسام سيمابو”.

بتأثير تلك الرسالة اشترى دوسي اللوحة بـ25 ألف فرنك فرنسي.

حين اشتراها متحف الفن الحديث “إم أو إم إيه” كان ذلك الحدث إيذانا بانتقال عاصمة الفن من باريس إلى نيويورك. فمثلما صنعت لوحة بيكاسو تاريخا جديدا للفن وهو التاريخ الذي انفتحت عليه فنون عصرنا فإنها حملت الحداثة معها عبر الأطلسي لتضفي شيئا من بركاتها على المدينة التي ستحتضنها بقدر عظيم من الكرم.

لقد رأيت الآنسات أخيرا. لم تكن السعادة شأنا شخصيا ذلك اليوم. كان هناك من حولي بشر سعداء أتوقّع أن لكلّ واحد منهم حكاية مع الآنسات مثل حكايتي.

10