آن أوان عقلنة الصراع اليمني

الثلاثاء 2016/04/26

عشية بدء مفاوضات الكويت بين أطراف الصراع الدائر في اليمن منذ سبتمبر 2014، يبدو المشهد اليمني أكثر تعقيدا وقتامة، مع دخول القاعدة وداعش على مساراته، خاصة في حضرموت وعدن، ومع دعوات انفصال جنوب اليمن عن شماله، ناهيك عن الأوضاع الإنسانية المزرية في الكثير من المدن والقرى اليمنية.

مفاوضات الكويت هي الثالثة بين أطراف النزاع اليمني، فقد كانت الأولى في يونيو 2015، والثانية في ديسمبر من العام نفسه، وحتى الآن لا توجد مؤشرات إيجابية لإنهاء أكبر وأخطر أزمة تواجه اليمن في التاريخ المعاصر.

في تقديري، وبعد أكثر من عام من القتال الشرس، يبدو طرفا النزاع اليمني في حالة إرهاق شديدة نسبيا، تخيم عليها أوضاع سياسية وعسكرية صعبة ومقلقة في الوقت نفسه. فالحكومة الشرعية لديها إشكالات أمنية خطيرة، في المناطق والمديريات الجنوبية تحت وقع إرهاب داعش والقاعدة، يصاحب ذلك دعوات انفصالية تضغط باتجاه عودة التشطير والدولة الجنوبية السابقة.

أكثر من ذلك، تتجه الأعمال العسكرية نحو الجمود ومنحى “الكرّ والفرّ” ومع تفريط قوات الحكومة الشرعية وفقا لمحللين سياسيين وعسكريين بالانتصارات العسكرية التي تحققت في تعز ونهم، ووجود دعم وغطاء دوليين وإقليميين للحوثيين و صالح من دول خارجية، أبرزها أميركا وإيران، يحول دون هزيمتهم بالمُطلق، تُصبح مسألة حسم معركة صنعاء، أكثر صعوبة وتعقيدا.

جماعة الحوثي وصالح بدورهم خسروا الكثير من قدراتهم السياسية والعسكرية التي تلت انقلابهم على الشرعية، وتلت كذلك مكتسبات اتفاق “السلم والشراكة” وسقوط مشروع هيمنتهم على اليمن. ونجح التحالف العربي بقيادة السعودية المساند للحكومة الشرعية، في استعادة نحو 70 بالمئة من الجغرافية اليمنية، وتضييق الخناق أكثر على مواقعهم وتجمعاتهم. ولكن، بالتأكيد لا تزال لديهم القدرة وحتى المهارة في مشاغبة قوات الحكومة الشرعية، ولديهم كذلك نقاط قوة على الأرض.

إخفاقات طرفي النزاع هذه، وإن كانت بدرجات متفاوتة، قد تدفع باتجاه الكف عن التمترس خلف مواقف مرنة صوب استحقاقات التسوية السياسية، وفق القرار الأممي 2216 ومرجعيات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية. ويتأتى ذلك بتقديم تنازلات من الجانبين قد تكون مؤلمة ولكنها ضرورية لحقن دماء اليمنيين. دون ذلك، سوف يستمر الصراع وبوتيرة أكثر عنفا ويفاقم من المشكلات الإنسانية التي يدفع ثمنها الأبرياء والأطفال والنساء ويدمر ما تبقى من البنى التحتية ويفضي إلى دولة يمنية فاشلة.

المبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ حدّد خمسة عناصر للتسوية السياسية، في مقدمتها انسحاب جماعة الحوثي وصالح من صنعاء وكافة المدن وتسليم الأسلحة الثقيلة، واستعادة مؤسسات الدولة، والترتيبات الأمنية، ومعالجة ملف المحتجزين السياسيين والمختطفين والأسرى، وبحث ترتيبات الانتقال السياسي.

لكن الإشكالية هنا حاضرة في آلية تنفيذ هذه النقاط الخمس، إذ تُصر الحكومة الشرعية على تراتبية تنفيذها، بمعنى أن يتم أولا الانسحاب وتسليم السلاح والمدن والمؤسسات العامة للدولة ثمَّ يمكن الحديث، بعد ذلك عن عملية الانتقال السياسي. بالمقابل تصر جماعة الحوثي وصالح على البدء، أولا بمناقشة العملية السياسية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

ربما إذا حضرت إرادة التسوية والرغبة في عقلنة الأزمة لدى الأطراف المتصارعة فقد لا يكون مهماً، تقديم الحديث عن العملية السياسية أو تأخيره، بل قد يكون في الحديث عنها أولا إمكانية للتوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة شخصية يمنية توافقية، ومن شأن ذلك في الغالب إذابة الجليد المتراكم من عدم الثقة والتوجس وتخفيف حدّة خطاب الكراهية بين طرفي النزاع بما يمهد أجواء إيجابية للدفع بالعملية السياسية نحو تحقيق أهدافها. وكل ذلك يفترض أن يتم بغطاء أممي ودولي وإقليمي للمحافظة على زخم العملية السياسية ومراقبة تفاصيلها ومجرياتها، وحتى معاقبة الخارجين عن أُطرها وقواعدها.

على كل حال، أولوية مفاوضات الكويت في إنهاء الحرب وبقاء اليمن موحدا بتسوية سياسية يتوافق عليها طرفا النزاع يعدّ أمرا ضروريا.

أما الدعوات الصادرة بانفصال الجنوب وإعادة الدولة الجنوبية السابق، فلا تتصف بالواقعية والمسؤولية. إذ يؤيد ذلك ويؤكد عليه التشتت الحالي للتيارات السياسية الجنوبية، وعدم وجود رؤية موحدة بينها حيال مصير الجنوب اليمني تحت وقع الإرث السياسي الجنوبي المليء بالصراعات والنزاعات في فترة ما قبل الوحدة والذي خلَّف أزمة ثقة بين القيادات الجنوبية. كذلك يبدو الإقليم الشرقي في حضرموت والمهرة وسقطرى متوجسا من الاندماج مع المحافظات الجنوبية الأخرى لاعتبارات تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وهذا الأمر كله يجعل من القوى الإقليمية والدولية غير مستعدة لدعم مشروع دولة الجنوب العربي، حتى لا تقع تحت دائرة الصراعات الأهلية وهيمنة الجماعات الإرهابية.

كاتب من السعودية

6