آن أوان مراجعة سياسات باكستان الخارجية

الولايات المتحدة الأميركية تميل نحو الهند، والرياض لن تقبل بحليف متهم بدعم التطرف.
الأربعاء 2018/03/14
خطاب متآكل

إسلام أباد – مع كل قرار يتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يتّضح أكثر أن انتخابه لم يكن اعتباطيا، ومع كل تغريدة له يتأكد أن الشعبوية ليست سوى الطريقة الأنسب لإعادة ترتيب البيت الأميركي وفق المتغيرات العالمية، ما يعني أن ترامب ليس سوى البوصلة التي ستنهي تاريخا وترسي قواعد تاريخ جديد.

يتطلب هذا التاريخ الجديد مراجعة السياسات والعلاقات وقائمة الحلفاء والخصوم، فيما يبدو شعار “أميركا أولا” وسيلة لكنس سياسات أميركية أدت مهمتها وانتهى دورها وبعضها خلّف آثارا جانبية، انقلبت على السياسة الأميركية. في سياق هذه المراجعات، يؤطّر الخبراء الأزمة الأخيرة في العلاقات الأميركية الباكستانية، مشيرين إلى أن سياسات واشنطن الخارجية باتت تقاس بمدى حدة تغريدات الرئيس الأميركي وإلى أي مدى هي مستفزة.

وفي ما يخص العلاقة مع إسلام أباد، غرّد ترامب أن “الولايات المتحدة قدمت بحماقة إلى باكستان أكثر من 33 مليار دولار كمساعدات على مدى الـ16 عاما الماضية ولم تقدم لنا سوى الكذب والخداع وأعتقد أن قادتنا حمقى.. إنهم يعطون ملاذا آمنا للإرهابيين الذين نصطادهم في أفغانستان مع القليل من المساعدة وليس أكثر”.

إلى جانب هذا التصريح، اقترحت واشنطن إدراج إسلام أباد على قائمة قوة المهام المالية للدول التي لا تلتزم بقواعد تمويل الإرهاب. ويكشف هذا الإجراء، الذي ستكون له تداعيات اقتصادية خطيرة، تحولا أميركيا عن هذا البلد الذي كان رمانة الميزان في الإستراتيجية الأميركية لمواجهة السوفييت، وكانت على مدى 16 عاما البوابة التي تمر منها الإمدادات العسكرية الأميركية للقوات الدولية في أفغانستان المجاورة التي ليست لها سواحل بحرية.

صلة باكستان متجددة بأمن الخليج العربي

لندن – استفادت باكستان وبلدان الخليج العربي من علاقات وثيقة مدعومة بأوجه التشابه الثقافي وشعور بمصير مشترك كمسلمين سنّة. وتقوم الروابط الباكستانية الخليجية في معظمها على قواعد غير مكتوبة، كما أن المعاهدات الإستراتيجية إن وجدت لا تصل إلى التفاصيل. وبالنسبة إلى باكستان ظل الخليج العربي المنطقة الوحيدة من العالم الذي قدم لها الكثير من المساعدات المالية السخية. ولم يتأخر الحلفاء العرب في تقديم الدعم لباكستان في سعيها للحصول على الأسلحة النووية. وتقدر باكستان بأنها دربت زهاء عشرة آلاف جندي من العربية السعودية. وتاريخيا كانت العلاقات الباكستانية الخليجية خاصة بالفعل. مؤخرا أعلن الجيش الباكستاني بأنه يعتزم إرسال فرقة من المدربين والمستشارين تتكون من ألف شخص لينضموا إلى 1600 جندي باكستاني على الأقل منتشرين هناك. وتأتي هذه الخطوة على إثر الزيارة الثانية في غضون شهرين لرئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال قمر بجوة إلى المملكة العربية السعودية. وتزامن حكم العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزي وتقلّد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز لمنصبه بمراجعة عامة للسياسة الأمنية السعودية، لكن بصفة خاصة مع باكستان. وأحيت المملكة روابطها مع الجيش الباكستاني من خلال التزامات كبرى متواصلة. ومع بدء التدخل العسكري بزعامة السعودية في اليمن في سنة 2015 انزعجت الرياض لتلكؤ باكستان في الانضمام إلى الحملة، وبدلا من ذلك عرضت باكستان نفسها وسيطا بين الرياض وطهران، وهو عرض جلب القليل من الاهتمام كما كان متوقعا. لكن باكستان كررت التزامها بحماية حرمة التراب السعودي وأمن البقاع المقدسة في مكة والمدينة. ومنذ ذلك الوقت أصبح الجنرال رحيل شريف، رئيس أركان الجيش الباكستاني سابقا، قائدا للتحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب في الرياض، وهو أحد أهم مبادرات الملك سلمان. ومغازلة الخليج العربي للهند، والحرب الباردة بين السعودية وإيران، والمقاطعة الرباعية بقيادة سعودية لقطر، والتدخل العسكري بزعامة سعودية في اليمن، كل هذه عوامل خلقت ديناميات جديدة في العلاقات بين باكستان والخليج العربي. وإلى حد ما يمكن أن يكون النفوذ الصيني أثر على مجريات الأمور ففي إطار برنامج الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني تعتزم الصين استثمار قرابة 62 مليار دولار في باكستان، وقرابة نصف هذا المبلغ (27 مليار دولار) في مشاريع جارية أو تمت. ويدور حديث بأن الصين تسعى لبناء قاعدة بحرية على الساحل الجنوبي لباكستان لاستعراض القوة. وتفيد التقارير الحديثة بأن الصين ستطور قاعدتها البحرية الثانية في الخارج في جيواني على بعد ثمانين كيلومترا من ميناء غوادار. وبإمكان قاعدة بحرية صينية في جيواني أن تكون القاعدة الأقرب التي يمكن الحصول عليها للوصول إلى الخليج العربي ولمراقبة بعض الطرق التجارية البحرية الأهم في العالم للتزود بالطاقة. وهكذا تبقى باكستان ذات صلة بالأمن الخليجي كما كانت على الدوام، لكن في سياق جديد بشكل واضح.

البحث عن بدائل

ليست المرة الأولى التي تتخلى فيها واشنطن عن باكستان، فلطالما تعامل الأميركيون مع إسلام أباد بفوقية. ورغم الدور الذي لعبته المخابرات الباكستانية في الحرب ضد السوفييت ودعم المجاهدين الذين شكلوا نواة تنظيم القاعدة، إلا أن واشنطن كافأت باكستان خلال حروبها مع الهند، في حرب كشمير الأولى (1947–1948) وفي حرب 1971، حيث أوقفت تسليح باكستان.

وفي الكثير من المناسبات، كان واضحا محاباة واشنطن لنيودلهي على حساب إسلام أباد. ويشير تقرير لشبكة سي أن أن الأميركية إلى أن الرئيس الأميركي يميل بشكل كبير نحو حليف آخر من جنوب آسيا بعيدا عن باكستان، وهو مواز للصين ويمكن أن يساعد في تعديل التوازنات، وخاصة في المنطقة التي يحتمل أن تكون أكثر حساسية وهي بحر الصين الجنوبي، هذا الحليف هو الهند. لكن، إلى جانب التقرب من الهند، العدو التاريخي لباكستان، هناك تطور آخر تكشف القراءة بين سطوره عن أسباب التشدد الأميركي من باكستان. يتعلق هذا التطور بالحوار مع حركة طالبان الأفغانية وإيجاد مخرج جديد للمستنقع الأفغاني الذي يلقى فيه كل سنة عدد من الجنود الأميركيين وفشلت الحرب المستمرة من الخروج منه.

وتشي تحركات المسؤولين الأميركيين، وتصريحاتهم، وحديثهم عن الحوار مع حركة طالبان المتطرفة، بأن هناك خطة جديدة تتبلور لصياغة علاقة جديدة مع أفغانستان “الحليفة” تتماشى مع العقلية الدولية الجديدة، والتي تختلف عن عقلية الثمانينات والتسعينات.

وتتضح بعض ملامح هذا التوجه الجديد من خلال تصريحات وزير الدفاع الأميركي، جايمس ماتيس، وتوجّه ماتيس- الذي بدأ بزيارة مفاجئة الثلاثاء (13 مارس 2018) إلى أفغانستان- فور نزوله من الطائرة في مطار كابول، إلى الصحافيين قائلا “هناك اهتمام بإجراء محادثات سلام لمسناه عند طالبان”.

وقال ماتيس إن بلاده “تلتقط إشارات اهتمام من عناصر في حركة طالبان لإجراء محادثات سلام مع الولايات المتحدة الأميركية”، مضيفا أن هذه الإشارات تعود إلى أشهر من اليوم. وأشار كذلك إلى أن الأميركيين تحدّثوا إلى مجموعات صغيرة في طالبان وأنهم استقبلوا تلك المجموعات التي عبّرت عن رغبتها في الحوار.

 ويرى مراقبون أن حوارا من هذا النوع بين الأميركيين أو الحكومة الأفغانية من جهة، والحركة من جهة أخرى، قد يضع حدّا لستة عشر عاما من الحرب بين الطرفين. وفي المقابل، قد لا تناسب هذه المعادلة باكستان، التي تجد نفسها اليوم مجبرة على مجاراة التغييرات الإقليمية والدولية ومراجعة سياساتها وعلاقاتها وتحالفاتها، حتى وإن لم يؤد التوتر مع واشنطن إلى قطيعة تامة، حيث تبقى، مهما حدث، طرفا مهما في المعادلات الأميركية الإقليمية.

ويقول جيمس دوري الخبير الأميركي في السياسات الدولية، إن الرهانات بالنسبة إلى باكستان عالية بما أنها تواجه ضغوطا دولية متصاعدة. ويرى دورسي أن على باكستان أولا محاربة التطرف ومجاراة الولايات المتحدة في سياسة كنس فوضى محاربة السوفييت، التي تسببت في ظهور الإرهاب والتطرف وتطوره لشكله الحالي.

استخدام المجاهدين العرب كمخلب قط في الإستراتيجية الأميركية ضد السوفييت، خطة وضع نقاطها مستشار الأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر بين عامي 1977 و1981، زنغيو بريجينسكي (1928-2017). وقال بريجنسكي في هذا السياق، “كنّا نريد أن نصنع للاتحاد السوفييتي حرب فيتنام خاصّة به، وبالفعل كان على موسكو الدخول في حرب استمرت عشر سنوات أفقدت الإمبراطورية السوفييتية هيبتها ومكانتها وأدت إلى تفككها”.

ووفق وزير الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، فإنّ القاعدة، على الأقل في مرحلة التأسيس، كانت جزءا من تصور أميركي هدفه الانفراد بقيادة العالم. وقالت كلينتون إن الولايات المتحدة هي من خلقت تنظيم القاعدة الذي يقاتلها اليوم، وأن ذلك تمّ لأسباب متّصلة بصراع وجودي مع الاتحاد السوفييتي السابق، وأن المخابرات الباكستانية والسعودية لعبت دورا كبيرا في دعم التصور الأميركي لوقف محاولة التمدد الروسي في أفغانستان.

في تلك الفترة، كانت باكستان التي ظهرت كدولة في 14 أغسطس 1947، هشة ومازالت تعاني من تداعيات انفصالها عن الهند. وفي المقابل بدأ مصطلح الصحوة ينتشر في المملكة العربية السعودية ويلقي بظلاله على العالمين العربي والإسلامي. وبدأ عدد كبير من الشّباب، منهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، يتأثر بالفكر السلفي المتشدّد الذي اكتسح عقول الشباب العربي في مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

وكانت المملكة العربية السعودية تعتبر انتشار هذا الفكر إحدى أدواتها في سياستها الخارجية، فكان الدعم الأميركي لحاملي هذا الفكر سخيا وحثت الرياض على نشر هذا الخطاب، وتمويل الجمعيات والمدارس ومختلف أدوات نشره، وفق إستراتيجية بريجنسكي، الذي رد حين سئل عن التبعات التي ستلحق بأوروبا وأميركا والعالم بسبب دعم الأصولية الإسلامية بقوله “ما هو أكثر أهمية للتاريخ طالبان أم انهيار الاتحاد السوفييتي، بعض المسلمين الهائجين أم تحرير أوروبا ونهاية الحرب الباردة؟”.

تغير العقليات

ظلت باكستان نقطة تركيز لحملة التمويل السعودية التي امتدت لأربعة عقود، حيث ضُخت أموال ضخمة في الثمانينات بالتعاون مع الولايات المتحدة في تمويل وتسليح الجهاد المناهض للاتحاد السوفييتي وكذلك في المدارس الدينية التي تنتشر في المشهد التعليمي للبلاد إلى اليوم. وفي السنوات الأخيرة استثمرت الولايات المتحدة 65 مليون دولار لإعادة كتابة كتب النصوص التي قدمتها للمدارس الدينية في باكستان وأفغانستان التي تستخدم مفاهيم الجهاد والتشدد الديني على الطريقة السعودية دعما للصراع ضد السوفييت.

نجحت تلك الخطة في طرد السوفييت من أفغانستان، لكنها خلقت القاعدة، ثم طالبان، وصولا إلى تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الجماعات التي تدين بذلك الفكر المتشدد. وسقط الاتحاد السوفييتي، وأصبحت الولايات المتحدة قائدة نظام عالمي، تسطر سياساته وأولوياته، لكن، عندما وصل ترامب إلى البيت الأبيض قبل سنة وبضعة أشهر، بدأ هذا النظام يتغير على مختلف الأصعدة: اقتصاديا واستراتيجيا وتكنولوجيا وحتى ثقافيا.

جزء من التغيير تسببت فيه الثورة الرقمية والتغييرات الاقتصادية وصعود الصين، وجزء آخر كانت سببه السياسة الأميركية، من ذلك علاقة إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما مع إيران، التي جاءت على حساب الحلفاء التقليديين في الخليج العربي، ودفعت المملكة العربية السعودية تحديدا إلى إرساء قواعد سياسية دفاعية جديدة وشاملة بدأت عسكريا من خلال عاصفة الحزم في اليمن وتوّجت برؤية السعودية 2030 وما أرسته من أسس إصلاحات داخلية ترمي من خلالها السعودية إلى كسر صورة نمطية كانت لها مبرراتها في السابق لكن تاريخ صلاحيتها انتهى اليوم.

حاول أوباما التملّص من مسؤولية حكومته في الشرق الأوسط بإعلانه آسيا “محور اهتمام” جديد، فيما رفع ترامب شعار “أميركا أولا”، وكلاهما محاولتان آلتا في نهاية المطاف إلى المزيد من التعقيدات. وفي المقابل، اختارت السعودية نهج المصارحة، اعترفت بخصوصية مرحلة الصحوة وأعلنت الانتقال نحو مرحلة جديدة تقطع مع تلك الفترة وما سببته من آثار سلبية على المملكة العربية السعودية، خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، التي دفعت الرياض في فترة ما إلى الانكفاء وتقليص أدوارها الإقليمية بسبب الهجمة الغربية عليها والتداخل الذي تسببت فيه تلك الصورة النمطية عن السعودية المحافظة.

وتحدث ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان بصراحة قائلا إن مشروع الصحوة انتشر في المنطقة بعد العام 1979 لأسباب كثيرة، “فلم نكن بهذا الشكل في السابق”. وأضاف “وبصراحة لن نضيع 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة”.

وتكشف الخطوات السعودية أنه إذا لم يتم تحديد الأخطاء والاعتراف بها علنا، لن يكون من الممكن تطبيق أيّ سياسة إصلاحية، وهو ما يؤكد عليه جيمس دورسي في حديثه عن توجهات باكستان وكيف يمكنها الخروج من تحدي وضعها على قائمة الإرهاب الدولية.

جيمس دورسي:  باكستان تكافح من أجل إحكام السيطرة على التمرد واجتثاث التطرف
جيمس دورسي:  باكستان تكافح من أجل إحكام السيطرة على التمرد واجتثاث التطرف

يقول دورسي إن السعودية ستوقف تمويلها العالمي للمنشآت الثقافية والدينية والتعليمية المحافظة كجزء من مجهود الأمير محمد بن سلمان لإعادة بلاده لتكون منارة الإسلام المعتدل وتحسين صورتها.

وهذا التوجه، سيقطع، وفق الكثير من الخبراء، الطريق أمام التبريرات والقراءات التي كانت تلقي بكل ما له علاقة بالتطرف في سلة التمويل السعودي، ما يعني أن مختلف الدول، الراعية للإرهاب، أو التي استفادت منه، وتضررت منه، كباكستان وغيرها، مطالبة بإصلاح حالها أيضا، ولا مجال لتحميل الرياض أخطاء حكومات وسياسات أدت إلى انتشار التطرف.

ويوضح جيمس دورسي ذلك مشيرا إلى أن الاتجاه المتشدد ترسخ في قطاعات كبرى في الدولة الباكستانية ولدى السكان أيضا. وهذا الترسخ هو نتيجة للعب الحكومات المتعاقبة بالدين لتحقيق مكاسب سياسية، كما أن تصوير طبيعة التطرف في باكستان على أنه ديني، ليس صحيحا دائما، ففي كراتشي وبلوشستان يكون المتطرفون مدفوعين في الغالب بالعنصرية العرقية.

قد لا يكون للخطوات الإصلاحية التي اتبعتها إسلام أباد مؤخرا للحد من مظاهر التطرف في البلاد  تأثير حيني، لأن التشدد ضرب الجذور العميقة في المجتمع وكذلك الدولة وسيستغرق الأمر سنوات لاجتثاث ذلك، لكن قطع الطريق مهم جدا إذا كانت باكستان تسعى لتطوير علاقاتها الإستراتيجية، فحليف مثل المملكة العربية السعودية “المنفتحة” لن يقبل بتحالف مع دولة متهمة بالتطرف ودعم الإرهاب.

6