آن لهذا الفارس أن يركب

الأحد 2016/11/20

رفع الستار عن جمهور من ذهب ومشرفين ومنظمين من "تنك" في الدورة الجديدة لأيام قرطاج المسرحية، فشكرا للذين ما زالوا يقفون عند شبابيك التذاكر أكثر من وقوفهم أمام الأفران أو صناديق الاقتراع في بلد المليون مقهى والأربعين وجعا.

شكرا للذين يدخلون العرض ويخلعون مع معاطفهم الأحكام المسبقة والحساسيات الضيّقة، يغضبون أو يفرحون كالأطفال عند نهاية العرض، يدفعون بأبواب الكواليس مبتهجين أو محتجين، ولا يكتفون -كالمسؤولين- بالمصافحات الباردة، قائلين لصانع العمل “يعطيك العافية”.. وكأنّه انتهي لتوّه من تنظيف درج بنايتهم، بالمناسبة، “العافية” بالعامية التونسية تعني “النار”.

شكرا للذين يأتون المسرح كما يأتون دور العبادة دون أن يسألوا عن بطاقة الدعوة أو الجلوس في الصفوف الأماميّة.

شكرا لجمهور صبور وعنيد، ينسى غطرسة أشباه النقّاد وأشباه المبدعين المكرّسين والقصديريين، ولا يترك مقاعده شاغرة للغبار والإحباط.

شكرا للمسرح الذي يجعلنا أنيقين ومتعطرين، ونقصد “أيكه” كلّ مساء كعشّاق لا يملّون العشق أبدا، هو فنّ حي على الدوام، وفوق الركام، لأنّه وجد كي يموت عند نهاية كل عرض، ولا يعرف سحره إلاّ من أصيب بلوثة عشقه ولامست قدماه خشبات لها ذاكرة الأشجار في حنوّها وقدرتها على الموت وهي واقفة.

لست من دعاة التنسّك في المسرح، فالحياة أمتع وأكبر من الفن، لكننا عادة ما نتمسك بمن يختصر الحياة أو يحاول تلخيصها.

غالبا ما يجد جمهور قرطاج نفسه في الندوات، كالأعرابي الذي خاطب نفرا من النحويين بقوله “أراكم تتكلّمون كلامنا في كلامنا، عن كلامنا، ولكن ليس بكلامنا”. لكنّ الأمر لا يمنع النظر بشيء من الاحترام لبعض هواة التنظير من أصحاب المهنة.. من يدري؟ فربّ نبيذ فاسد صار خلاّ جيدا.

ليس الأمر تعاليا أو ازدراء لمحترفي النقد الخلاّق الذي يناظر البناء الإبداعي ويقاربه، بل وقد يعلو عليه، وتلك ملكة لا تؤتى لغير الموهوبين، فكم من قراءة نقديّة خُلّدت أكثر من الأثر الفنّي والفكري الذي تناولته، ولكنّ الذّائقة تسبق التفكير في كلّ مرّة، فكم من تجربة إبداعية “مجنونة” أسّست لتيار نقدي، أعاد تفكيكها وتركيبها وأوجد لها أسسا ومناهج لم تكن في ذهن باعثها.

وإذا كان للمسرح رجال بررة وأكفّاء، لا تلهيهم ضحالات إعلامية، فإنّ لديه أيضا أفّاقين ومشعوذين، كالذين يريدون الجمع بين “شرف المسرح وامتياز التلفزيون”، فتراهم يعزّزون رصيدهم بتجربة مسرحية وحيدة وهزيلة، ثم يركنون للتنظير والنقاش في أزمات المسرح دون أن ينتبهوا بأنهم يمثلون الأزمة نفسها.

المسرح مرض ليس أسوأ منه غير الشفاء منه، أمّا المتمارضون فهم قوم لا يمرضون ولا يصحّون.. وفوق ذلك، لا يتقنون الانقراض، فمتى يسدل الستار عن الديناصورات من الذين ينهبون أموالا اقتطعتها الدولة من كسرة خبز المواطن الفقير في سبيل رغيف الثقافة.

لقد آن للياسمين أن يعود إليه عطره و”شوكه”، كما آن لكل فارس مترجّل من المبدعين الحقيقيين أن يركب.

24