آه يا أنا يا قليلة الحيلة

الاثنين 2014/05/05

دفء بيت العائلة، وجدتي تجلس أمام “السبرتاية” النحاس المجلية (موقد للقهوة)، ولمعان نحاس “السبرتاية” أجدع من بريق ذهب الصاغة. وكنكة القهوة (ركوة) مملوءة بالبن المحوج بالحبهان والمستكة.

وحواديت جدتي تملأ المكان بالحب، ودفء الحضن الذي تساوي ضمته دفء بطاطين العالم “الأصلي”. صورة عالقة بذهني، وأذهان أجيال كثيرة عاشت بيت العائلة “بيت العز”، وشجرة الموز الولود، وتكعيبة العنب البناتي. ذكريات أخذت تتقاذف إلى ذهني دون استئذان، وأنا أتحدث إلى صديقتي “عبير” التي تشكو سوء تصرفات ابنتها المراهقة التي رفعت راية العصيان بمجرد سفر والدها هربا من الفقر إلى بلاد الخواجات. لشراء أحدث الهواتف المحمولة واللاب توب لزوم المنظرة.

وعادت إلى ذهني صورة جدتي، وذكاؤها حين تقلب فنجان أحدنا، ثم تعود لتتفحص خطوط البن وتجمعاته في قاع الفنجان وتنظر في أعيننا لتكشف أسراراً نحكيها بأنفسنا دون أن تجهد الجدة نفسها.

وفي المرحلة الثانوية، كانت أمي تمارس نفس الدور وتقلب فنجان القهوة، نتحولق حول صينية القهوة ونفوز بالفنجان الكاشف للأسرار، والأم تقرأ خطوط البن المتجمع، وحين التحقت بالجامعة وبدأت حياتي العملية لعنت سذاجتي، وسألت أمي أن تعلمني قراءة الفنجان. وأسرت لي “بعد عذاب” أن فنجان القهوة ما هو إلا نموذج (صناعة منزلية) لجهاز كشف الأسرار المخابراتي الأشهر لأنها باختصار لا تجيد قراءة الفنجان ولا تعترف به.

تفتق ذهني ولمعت عيناي بالعبقرية، وأنا أقترح على صديقتي عملية “قلب الفنجان” ومصاحبة ابنتها واستدراجها لإعادة السيطرة على مفاتيح عقلها مرة أخرى لعلها تعود للحضن الدافئ. ضحكت الأم بهستريا الطائر المذبوح.. وقالت: لا مانع من التجربة.

اتهمتني عبير بالشطط بعد أن استدرجت ابنتها لفنجان القهوة لتقول لي: "البنت بتفهم أكثر مني. وتتهمني بأنني "موضة قديمة".

ولم تفلح معها حيلة جدتك، جيل التويتر يملك المعرفة، والتكنولوجيا جعلته من أصحاب الحكمة. راحت علينا يا عزيزتي. ثم دخلت في هستريا ضحك عندما تذكرت كلام ابنتها: "يا أمي خاطبيني بالعقل والحكمة، حدثيني بالمنطق فلن يفلح معي أسلوب الدجل والشعوذة والفنجان".

يا أمي نحن جيل يملك المعرفة في يده، يكتب سؤاله ويجد الجواب في لحظتها، نحن من رأينا الحروب على الهواء مباشرة وأنتم مازالت الأسرار تتكشف لكن على استحياء.

يا أمي اجعلي علاقتنا مبنية على التفاهم والتقرب والاهتمام، وعوديني على تحمل المسؤولية والاستقلالية وربيني على احترام الوقت ومحاولة تصحيح المفاهيم المغلوطة.

يا أمي، لست طفلة الماضي، صفحة بيضاء تكتب الأم فيها ما تريده، أنا منفتحة على العالم، ولدي معلومات بلا حدود، أوصلتيني وأبي لفضاء المعلومات، وتطالبينني بعدم السباحة فيه.

يا أمي لا تشعريني بأن المسافة بيني وبينك كبيرة، وضربت لي مثلا: بالأمس كانت تغني ليلى مراد “سنتين وأناأحايل فيك.. ودموع العين تناديك..”

هل هذا معقول، بالله عليك يا أمي هل توجد اليوم امرأة تحايل رجلا سنتين، لا توجد من تحتمل رجلا ساعتين".

لعنت سذاجة جيلي ونظرت إلى صديقتي في ذهول وكأن على رأسينا الطير.

21