آه يا بلد

الأحد 2016/03/13

قصة غريبة نشرتها الصحف المصرية هذا الأسبوع توضح لنا أن كل شيء في مصر يتم بلا رقابة أو ضمير أو أخلاق.

الحكاية أنه في فجر يوم 13 فبراير الماضي توفّي مواطن بمنزله، توجّه شخص لا يمتّ بصلة إلى العائلة لاستخراج شهادة وفاة وتصريح دفن للمتوفّى من مكتب صحة مصر الجديدة، الطبيب ملأ استمارة الكشف على المرحوم وكتب ما أملاه عليه المبلّغ من أمراض أدت للوفاة، أصدر الطبيب تصريح الدفن، وهكذا تم استخراج واستيفاء الأوراق الرسمية لدفن المواطن سيد أبوالمعاطي.

بدأت بعد كل هذا شكوك وهمسات وتساؤلات تدور في العائلة، توجهوا إلى مكتب الصحة، اطّلعوا على أسباب الوفاة، تأكدت الشكوك، وأمام مديرة المكتب د. هبة مصطفى لم ينكر الطبيب المسؤول عدم ذهابه لمنزل المتوفّى، وبالتالي عدم الكشف عليه، وأقر أنه اكتفى بالبلاغ وبعض "الروشتات" التي أحضرها المبلّغ، فكتب الطبيب منها أسباب الوفاة. وأشار إلى أنه عادة لا يذهب للكشف على المتوفّى، إلاّ في حالات محدودة يسمح بها وقته، لأنه الطبيب الوحيد المسؤول في مكتب الصحة!

أخطر ما في اعتراف الطبيب غير ثقته في معلومات المبلّغ، هو أن أيّ شخص يقدم بطاقة الرقم القومي للمتوفّى من حقه استخراج شهادة وفاة لصاحب البطاقة؟ وهذا معناه أنه لو بطاقتك مع أيّ مجرم وقدمها لمكتب الصحة ليحصل على شهادة بوفاتك فأهلا وسهلا!

بسرقة بطاقتك ممكن يحصل المجرم على شهادة رسمية بأنك ميّت، بالإضافة إلى أنه ربما تكون الوفاة جنائية والجناة هم الأقربون. إن إصدار شهادة وفاة دون الكشف على المتوفّى للتأكد ما إذا كان قد مات أم أنه في غيبوبة؟ تضع الطبيب في موقع الشريك في الجريمة.

شهادة وفاة لعدوّك هو حلّ سهل يخرجك كالشعرة من العجين إذا كانت عليك مديونية أو كنت متهما في قضية أو عليك حكم قضائي أو كنت طامعا في ثروته، شهادة رسمية سليمة مختومة بختم الدولة ومزينة بـ"إكليشيهات" ثابتة تعدد أسباب الوفاة، اختر ما تحبه لعدوك أو لنفسك.. هبوط في الدورة الدموية أو جلطة قلبية أو سكتة مخية أو أمراض الشيخوخة أو “غرغرينا” في الساقين، يمكنك إضافة بعض “التحابيش” مثل السكّري وضغط الدم وفيروس “سي”.

أما إذا كان المرحوم مات فعلا ودفن بشهادة زور، فعلى من يهمه الأمر إبلاغ النيابة لسحب الجثة وتشريحها وفتح باب تحقيقات أشد ألما من آلام الفراق والخيانة، وتتعارض مع طيبتنا وثقافاتنا التي تميل لانتظار العقاب الإلهي.

نهاية الحكاية أن الطبيب بكل هدوء طلب من العائلة التقدم ببلاغ للنيابة لإخراج الجثة وإيداعها مشرحة زينهم لتشريحها، وأبدى ترحيبه بالتحقيق معه لثقته أنه في أمان، وأن شيئا لن يتغير حتى لو وصلت الشكاوى لرئيس الجمهورية، فوزير الصحة يعلم أن طبيبا واحدا لكل مكتب صحة، معناه أن على أيّ مرحوم تأمين نفسه إذا حضرته المنية، والتوجه لأقرب مكتب صحة لإثبات وفاته. هي الدولة “حتعمل إيه ولاّ إيه”!!.

وسنظل نردد في مصر جملة "آه يا بلد" إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

24