"آيا صوفيا".. لقاء فريد بين العمارة البيزنطية والزخرفة العثمانية

الاثنين 2013/11/04
عمارة بيزنطية رومانية في قالب عربي إسلامي

اسطنبول ـ عرفت اسطنبول قديما باسم القسطنطينية، وفي قلبها تقف بكل شموخ كاتدرائية ضخمة بنيت تمجيدا لعظمة روما، وهي بناء كبير نجا من انهيارات مؤكدة سببتها الزلازل والحرب، وهي أيضا أكثر الكنائس عظمة في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية إنها "آيا صوفيا".

احتل العثمانيون القسطنطينية عام 1453، فاعتنق أهلها الإسلام وأطلقوا عليها اسم اسطنبول، يقع في منتصفها مسجدان عظيمان على حافة الشاطئ، المسجد الأقدم منهما هو آيا صوفيا، وتعني باللغة اليونانية القديسة "صوفيا"، في بادئ الأمر لم يكن هذا المبنى مسجدا بل كان أعظم كنيسة في عصر الإمبراطورية البيزنطية.

لقد سعى الإمبراطور جستنيان لترك بصمته التاريخية مخلدا فترة حكمه، وككل الأباطرة الرومان توجه نحو المعمار ليخلد ذكراه بالمنشآت، فأمر ببناء هذه الكنيسة عام 532 ميلادي، وأرادها أن تكون ذات طابع مميز وأن تكون أكثر تطورا وجمالا من الطراز المعماري المألوف في الكنائس، رغبة منه في ابتكار الجديد، لذلك استغرق بناؤها حوالي خمس سنوات، لأنها قامت على أنقاض كاتدرائية قديمة تم حرقها عند ثورة الشعب على جاستنيان بسبب ارتفاع الضرائب.

وكان قرار تشييد أعظم كنيسة في الإمبراطورية ضرب لعصفورين بحجر حيث تمكن الإمبراطور من شغل الناس بالبناء الجديد لتجنب ثورتهم من جديد، كما أنها وفرت له الرمز الذي يخلد به تاريخه ويعيد ثقة الناس بحكمه.

كان المخطط الرئيسي لتصميم القائمين على المشروع- وهما رجلان شهد لهما بمهارتهما في علم الميكانيكا- بسيط جدا فقد قام على منطقة وسطية كبيرة مساحتها 31 مترا مربعا تحدها أربع ركائز ضخمة تشكل سندا للبناء بأكمله، تحيط بها سلسلة ممرات جانبية وفوقها قبة ضخمة.

وبتفحص المبنى يمكن اكتشاف أسرار الهندسة الرومانية التي تقوم على التجريب، فلتعليق مساحة دائرية بضخامة قبة آيا صوفيا يجب أن تكون مواد البناء شديدة الخفة، لأنها تاجها ورمز جمالها ويبلغ ارتفاعها 56 مترا، وقطرها يتجاوز 31 مترا، أما صحن الكنيسة فهو أكبر بثلاثة أضعاف من أي كاتدرائية في ذلك العهد، لكنها في أرضية معروفة بالزلازل، لذلك ركبت القبة على أربعة أقواس في منتصف الكاتدرائية عرض كل منها ثلاثون مترا ونصفا، بحيث تلامس القبة قمة الأقواس الأربعة مع إسناد إضافي من خلال المثلثات الركنية التي تحمل ضغط وزن القبة إلى أعمدة الأقواس، وهي تقنية ابتكرها مصمما المبنى.

فقد كان طموح جستنيان بناء أكبر قبة في الإمبراطورية البيزنطية تعبيرا منه على تفوقه وأفضليته من خلال إنجازات تفوق ما تركه من سبقه من الأباطرة، وطلب استخدام أفضل مواد البناء لإقامتها، فكان صرح "آيا صوفيا" جمع بين الخطوط الأساسية لفن العمارة البيزنطية وكذلك تقاليد العمارة الرومانية بالإضافة للبصمة الشرقية والفن الشرقي، إنه تعبير على تزاوج الفن المعماري البيزنطي بالإسلامي مما يجعله تحفه نادرة.

الكنيسة آيا صوفيا سمّيت نسبة للقديسة صوفيا باللغة اليونانية

كما نجد في كل طرف من صحن المبنى عمودين ضخمين مكونان من أفضل أنواع الرخام الذي يسمى "السمّاقي"، غير أنه بعد حوالي عشر سنوات فقط من إقامة المبنى تصدع جزؤه الشرقي نتيجة حدوث هزة أرضية، وسقط جزء كبير من القبة الضخمة، فأمر جستنيان بإعادة بنائها مرة أخرى بحيث أصبحت أكثر ارتفاعا من السابقة، وهي القبة التي ما زالت قائمة حتى الآن.

واستمرت الكنيسة كمركز للدين المسيحي لفترة طويلة حتى دخول الدين الإسلامي عام 1453، حين نجح الجيش الإسلامي العثماني بقيادة السلطان محمد الفاتح في اقتحام أسوار مدينة القسطنطينية، وضم القطاع الغربي من مضيق البوسفور لحظيرة الدولة العثمانية، وكان لا يوجد للمسلمين في المدينة جامع ليصلوا فيه، فأمر السلطان بتحويل "آيا صوفيا" إلى جامع، وأمر كذلك بتغطية رسومات الموزاييك الموجودة بداخلها ولم يأمر بإزالتها، حفاظًا على مشاعر المسيحيين، وما زالت الرسومات موجودة بداخلها إلى اليوم.

تحولت هذه الكنيسة لجامع، حيث تم بناء مآذن في أركانها الخارجية، ووضع هلال أعلى قبتها، وقد نظر العثمانيون لهذا المسجد طوال تاريخهم على أنه رمز للفتح الإسلامي للقسطنطينية، لذا حظي الجامع باهتمام ورعاية السلاطين والباشاوات والأمراء ورجال الدولة العثمانية، وكان المكان المفضل للصلاة وخاصة الصلوات الجماعية .

وبالرغم من امتلاء إسطنبول بعشرات من الجوامع التاريخية الضخمة مثل جامع السليمانية، وفاتح، ونور عثمانية، وسلطان أيوب، والسلطان أحمد، ومهرماه سلطان، ويني جامع، وشاه زاده- فإن لجامع "آيا صوفيا" مكانة مهمة في نفوس المسلمين الأتراك؛ وذلك لارتباطه بالفتح الإسلامي.

وقد تناقلت وسائل الإعلام التركية في يونيو عام 2005 خبراً يفيد أن الدائرة 10 بالمحكمة الإدارية بأنقرة رفضت السماح بإعادة الصلاة بجامع "آيا صوفيا" طبقاً لدعوى تقدمت بها جمعية الحفاظ على الآثار التاريخية والبيئة التركية، وأيدت المحكمة استمرار قرار حكومة أتاتورك لعام 1934، بتحويل الجامع لمتحف سياحي ومنع أداء الصلاة فيه.

12