آيا صوفيا.. ورقة دينية يحركها أردوغان بمواقيت سياسية

الرئيس التركي يؤسس لفجوة مع الدول المسيحية بتحويل المتحف الذي كان كنيسة إلى مسجد.
الثلاثاء 2020/07/07
ﻤﻌﻠﻢ تاريخي في قلب معركة سياسية

أعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الواجهة قضية تحويل متحف أيا صوفيا في إسطنبول إلى مسجد وهو ما أثار ردود فعل دولية غاضبة، فيما صنفت المعارضة التركية القضية ضمن أجندات أردوغان لتعزيز شعبيته المتراجعة بين الإسلاميين والقوميين، فالقضية ليست جديدة وإنما  يتم إثارتها وفق مواقيت سياسية لتخفت بعدها مباشرة. فما الذي تغيّر داخليا ودفع الرئيس التركي إلى إعادة تدوير المسألة وهل فعلا إسطنبول بحاجة إلى مسجد جديد وهي تحتضن 3 آلاف و190 مسجدا تعود إلى مختلف العصور الإسلامية أم أن أردوغان يستعد لتقديم التغيير، إن وقع، كأبرز انجاز في مسيرته الرئاسية والبلاد تستعد لانتخابات قيل الكثر عن اختلافها عما سبق.

إسطنبول - عقدت محكمة تركية الخميس 2  يوليو الجاري جلسة للنظر بدعوى تهدف لتحويل متحف آيا صوفيا في إسطنبول الذي يرجع تاريخه إلى القرن السادس الميلادي إلى مسجد حيث من المنتظر أن تصدر قرارها النهائي في غضون 15 يوما، وسط معارضة داخلية وقلق خارجي.

وفكرة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد كانت مطلبا لجمعية دينية متطرفة في إسطنبول، تدعى “جمعية شباب الأناضول الإسلامية”، حيث نادت منذ صيف عام 2014 بتحويل الكنيسة إلى مسجد بإعلان رسمي من الدولة. تبنى أردوغان حينها موقف الجمعية ضمنيا ليعيد إحياء الدعوات قبل الانتخابات البلدية في 2019، التي خسر فيها رئاسة بلدية إسطنبول لصالح المعارضة العلمانية، أما اليوم عادت حماسة الرئيس التركي للنبش مجددا في الموضوع على وقع تراجع شعبيته، فتوقيت إثارة القضية كان دائما محكوما بأجندات سياسية مرتبطة بالمحطات الانتخابية.

آيا صوفيا: كنيسة ثم مسجد

يعود بناء كنيسة آيا صوفيا التي تعتبر تحفة هندسية، إلى القرن السادس الميلادي، حيث يثير هذا الصرح القائم على مدخل مضيق البوفسور، على الدوام جدلا بين المسلمين والمسيحيين حول وجهة استخدامه.

وبعد استيلاء العثمانيين على القسطنطينية في عام 1453، تم تحويلها إلى مسجد، لكن المسجد تحول إلى متحف في 1935 بقرار من رئيس الجمهورية التركية الفتية حينذاك مصطفى كمال أتاتورك بهدف “إهدائها إلى الإنسانية”.

وبعد ذلك أدرجت على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، وتعد اليوم واحدة من أهم الوجهات السياحية في إسطنبول.

الكنيسة الأرثوذكسية تقول إنها لا تفهم الدافع وراء مساعي تحويل آيا صوفيا إلى مسجد في هذا الوقت وتعتقد أن السياسات الداخلية هي السبب الأساسي

ويقول مراقبون إن مساعي أردوغان لتحويل الكنيسة إلى مسجد تندرج ضمن أجندات تحويل المشهد الديني والثقافي المتنوع في تركيا نحو الأسلمة في سياق خط سياسي يتبناه حزب العدالة والتنمية الحاكم ويدافع عنه ويضع الخطط لأجل بلوغه.

لكن السؤال المطروح هنا هل مشروع أسلمة تركيا وإبعادها رويدا رويدا عن المبادئ العلمانية يستوجب استيعاب آيا صوفيا وطمس معالمها المسيحية، في وقت توفر فيه مساجد تركيا الكثيرة، التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم، الدعاية الكافية للسير باتجاه المخطط له؟

وبحسب المعطيات التي نشرتها رئاسة الشؤون الدينية، تضم تركيا 88 ألفا و537 مسجدا، تعود لمختلف العصور الإسلامية، تستأثر مدينة إسطنبول وحدها بـ3 آلاف و190 مسجدا.

ويعود 7 آلاف و77 مسجدا منها إلى الحقبة السلجوقية والعثمانية. وفي السنوات الـ15 الماضية شهدت تركيا بناء 13 ألفا و874 مسجدا.

ثم بماذا سيخدم تحويل الكنيسة إلى مسجد المشروع الإسلاموي الداخلي، الذي سخر له الرئيس التركي كل إمكانيات الدولة المالية واللوجستية في خدمته؟ إذا المسألة تبدو على علاقة باسترضاء إسلاميي تركيا وقومييها، في وقت تشير فيه أحدث استطلاعات الرأي إلى تآكل شعبية أردوغان على إثر انشقاق قيادات بارزة من حزب العدالة والتنمية على غرار رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو ووزير الاقتصاد السابق علي باباجان وهما قياديان ذو ثقل كبير داخل الحزب الإسلامي.

قلق خارجي

Thumbnail

منذ إعلان أردوغان نيته تحويل آيا صوفيا إلى مسجد تواترت الانتقادات لهذا القرار تباعا، لتخرج القضية من طابعها “السيادي” كما يريدها الرئيس التركي إلى بعدها الحضاري باعتبار الكنيسة رمزا للتعايش الديني والانفتاح على الإنسانية.

وكتب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قائلا “نحث السلطات التركية على أن تواصل الحفاظ على آيا صوفيا كمتحف، بوصفه تجسيدا لالتزامها باحترام التقاليد الدينية والتاريخ الغني، لمن ساهموا في بناء الجمهورية التركية، وأتاحوا لها أن تبقى منفتحة على الجميع”.

وأضاف بومبيو “ترى الولايات المتحدة أن أي تغيير في الوضع يشكل تهميشا لإرث هذا المعلم الرائع”.

وقالت اليونان إن تركيا تخاطر بارتكاب “فجوة وجدانية ضخمة” مع الدول المسيحية إذا مضت قدما في مقترح لتحويل متحف آيا صوفيا في إسطنبول إلى مسجد.

وأكد ستيليوس بيتساس المتحدث باسم الحكومة اليونانية في إفادة صحفية “آيا صوفيا معلم تراثي عالمي… دول كثيرة كانت من بينها الولايات المتحدة التي سلطت وزارة خارجيتها الضوء على هذ الأمر، حثت تركيا على عدم اتخاذ خطوات قد تتسبب في فجوة وجدانية ضخمة بين مسيحيي العالم وتركيا”.

وقال البطريرك المسكوني برثلماوس، الزعيم الروحي لنحو 300 مليون مسيحي أرثودوكسي بأنحاء العالم والذي يتخذ من إسطنبول مقرا له، إن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد سيخيب آمال المسيحيين و”يقسم” الشرق والغرب.

وانتقد المطران هيلاريون، رئيس إدارة العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو، تحويل كاتدرائية إلى مسجد، قائلا إن الأمر “غير مقبول”.

وخلال مقابلة أجرتها معه قناة روسيا 24 أكد “في حال تم ذلك، ستؤذي هذه الخطوة مشاعر جميع المسيحيين الأرثوذكس، كون هذه الكنيسة موقعا مقدسا لكل المسيحيين”.

وأضاف “لا يمكننا مراجعة أحداث الماضي.. لا تجوز الآن العودة إلى العصور الوسطى… نعيش في عالم متعدد الأقطاب، في عالم متعدد الطوائف ويجب احترام المشاعر الدينية”.

وقال إن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لا تفهم الدافع وراء المساعي لتحويل آيا صوفيا إلى مسجد “في هذا الوقت”، وتعتقد أن السياسات الداخلية هي السبب الأساسي وراء هذه الخطوة إن تحققت.

وتابع “نرى أنه في الظروف الحالية يعتبر هذا العمل انتهاكا غير مقبول للحرية الدينية”، وشدد على أن الأمر “ليس شأنا داخليا تركيا كما يقول الكثير من المسؤولين الأتراك”.

وردّ أردوغان على كل هذه الموجة من الانتقادات بالقول إن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد “قرار سيادي وشأن داخلي” وأضاف أنه “لا يحق لأحد أن يتحدث عن تركيا بأسلوب التحذير والإملاءات”.

واستثمر الرئيس التركي التنديد الدولي المتصاعد في مزيد تضخيم المسألة داخليا وتحويلها إلى قضية “سيادة وأمن قومي” مع إكسائها بمنطلقات دينية ما يخدم أهدافه السياسية غير المعلنة، إذ يجمع مراقبون على أن القضية سياسية بامتياز وليست دينية، حيث يتقن أردوغان جيدا إثارة الأزمات الخارجية وتضخيمها للهروب من أزماته الداخلية.

وفي يونيو الماضي رفض البرلمان التركي مشروع قانون يسعى لتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، رغم حماس أردوغان لهذه الخطوة، إلا أن القضية الآن بيد القضاء الذي يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية الحاكم.

ويقول متابعون إنه في صورة رفض القضاء أيضا لهذه الخطوة قد يلجأ أردوغان إلى استغلال صلاحياته الرئاسية الواسعة في إصدار مرسوم رئاسي لحسم عرقلة هذه القضية.

رفض داخلي

Thumbnail

يؤكد تعليق المعارضة التركية بشأن الأهداف الحقيقية من وراء إعادة تدوير قضية آيا صوفيا ما ذهبت إليه الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وقوى غربية بشأن الدوافع السياسية الداخلية المرتبطة بهذا القرار.

وقال كمال كيليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة في تركيا “آيا صوفيا هي بالفعل مكان للعبادة وهي معلم ثقافي عالمي، ويجب الاعتراف بذلك، والموضوع يتم تدويله في السياسة المحلية من وقت لآخر ولكننا لا نرغب في استغلال الدين في السياسة الداخلية”.

وأضاف أوغلو “إذا كان أردوغان يفعل ذلك لكسب الأصوات على حساب حزب الشعب الجمهوري، فيجب ألا يفكر بهذه الطريقة وليصدر مرسوما بتحويله إلى مسجد ويعلنه في الجريدة الرسمية”.

ويتهم الرئيس التركي ومن خلفه حزب العدالة والتنمية الحاكم بأنه يحاول “الهروب من أزماته الداخلية” بإثارة الجدل حول متحف آيا صوفيا كلما تآكلت شعبيته واستشعر تحولات في سلوك الناخب التركي قد تؤدي إلى دفعه وحزبه إلى الهامش.

وليس هناك أفضل للإسلاميين من اللعب على وتر الهوية الدينية والانتماء الحضاري كلما ضاق هامش المناورة السياسية عليهم في الداخل، فمثل هذه الكليشيات تساهم في تعديل الكفة في كل مرة تميل فيها.

ويقول متابعون إنه ليست هذه المرة الأولى التي يطرح فيها الرئيس التركي إعادة تحويل آيا صوفيا، إذ درجت العادة أن يظهر هذا المقترح عند الاستحقاقات الانتخابية ثم يجمد بعد انتهائها.

وقبل الانتخابات البلدية في مارس 2019، طرح أردوغان تحويل المتحف إلى مسجد، حينها كانت استطلاعات الرأي ترجح خسارة العدالة والتنمية للبلديات الكبيرة، حيث مثل هذا الطرح إحدى الأوراق السياسية لتعزيز شعبيته بين الإسلاميين والقوميين.

ومع أن هذه الورقة لم تأت أكلها حينها، إذ خسر أردوغان أكبر بلديات البلاد كإسطنبول وأنقرة وأزمير التي تضم أكثر من ربع عدد سكان البلاد البالغ 82 مليون نسمة، عاد الرئيس التركي لتفعيلها مجددا وتقديمها على أنها القرار الأبرز في عهدته الرئاسية الحالية، في وقت تشير فيه أحد استطلاعات الرأي المحلية إلى تقليص المعارضة التركية للفجوة الانتخابية لمستوى ست نقاط مئوية.

كمال كيليجدار أوغلو: الموضوع يتم تدويله في السياسة الداخلية من وقت لآخر، لكننا نرفض استغلال الدين في السياسة
كمال كيليجدار أوغلو: الموضوع يتم تدويله في السياسة الداخلية من وقت لآخر، لكننا نرفض استغلال الدين في السياسة

ويفتح فوز المعارضة التركية بانتخابات بلدية إسطنبول التي سيطر عليها حزب العدالة والتنمية لأكثر من عقدين الأبواب على مصراعيها للفوز بمناصب أكبر في تركيا.

وتمثل خسارة المدينة ضربة لمكانة الرئيس الذي ظل في السلطة منذ عام 2003 وقد بدأ مسيرته السياسية عندما أصبح رئيس بلدية إسطنبول في عام 1994.

ويرى محللون أن أردوغان يحاول تقديم شيء ما للناخبين قبل انتخابات حاسمة مزمع إجراؤها سنة 2023، لكن الكثير يتحدثون عن تقديمها إلى سنة 2021 بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد والتي ساهم أردوغان في تعميقها بسبب مغامراته الخارجية في كل من سوريا وليبيا، ما جعل المواطن التركي يدفع ضريبة استعداء أردوغان للجميع.

وأظهر استطلاع رأي جديد أجرته مؤسسة متروبول للأبحاث ومقرّها أنقرة في يونيو الماضي أنّ حزب الشعب الجمهوري العلماني، أكبر أحزاب المعارضة التركية، تمكّن من تضييق الفجوة مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في أصوات الناخبين إلى ست نقاط مئوية، ما يضع المعارضة التركية أمام فرصة تاريخية لاستثمار تراجع شعبية الإسلاميين استعدادا للمحطات الانتخابية القادمة.

وشهد التحالف الحاكم في تركيا المكون من حزب العدالة والتنمية وشريكه في الائتلاف حزب الحركة القومية، تراجعا ملحوظا في الدعم للانتخابات منذ أشهر.

ووفقا للاستطلاع، فقد حصل حزب العدالة والتنمية على نسبة 30 في المئة، بينما حصل حزب الشعب الجمهوري على 24 في المئة في مسح أجرته الشركة في يونيو حول أصوات المُشاركين في أيّ انتخابات برلمانية قادمة.

وتواصلت أصوات الإسلاميين بالتلاشي لصالح أحزاب المعارضة التقليدية والجديدة، حيث انخفض الدعم للحزب الحاكم من 33.9 في المئة في استطلاع متروبول مارس الماضي، في حين سجّل حزب الشعب الجمهوري المُعارض زيادة بـ20.7 في المئة.

وفي الوقت نفسه، شكّل الناخبون الذين لم يتخذوا قرارا بعد بالتصويت 9.2 في المئة، وهو أعلى من الدعم المقدم لجميع الأحزاب الأخرى باستثناء حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري.

12