أئمة الجزائر حائرون بين إهمال الحكومة وإغراءات التيارات المتشددة

محاربة التطرف لن تتمّ بكوادر دينية مهمشة، والاستنجاد ببوتفليقة لتعزيز موقع الأئمة في مواجهة الإخوان والسلفيين.
الخميس 2018/05/17
استعراض الوصاية الحكومية

الجزائر - كشفت الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها نقابة الأئمة في العاصمة الجزائرية للمطالبة بتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية وبتدخل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لإنصافهم، عن الوضع الحساس الذي يعيشه هؤلاء بسبب وجودهم في خضم صراع بين توجهات الحكومة واستهداف التيارات الدينية المتشددة.

وألمح البيان الذي تلته نقابة الأئمة إلى المفارقة التي يعيشونها بين حكومة تسعى لتمرير خطابها الديني بأقل التكاليف المادية والمالية، وبين تيارات دينية متشددة تعمل على استغلال الوضع المادي الهش لهؤلاء من أجل توظيفهم في تمرير ونشر أفكارها ومشاريعها المتطرفة.

ويصبح شهر رمضان ككل عام مجالا لاستعراض القوة بين الوصاية الدينية للحكومة وبين لوبيات دينية حول هوية ومرجعية الأئمة. وكثيرا ما وقع الأئمة في موقع تجاذب بين الوصاية التي تنتدبهم، وبين جهات وجمعيات دينية نافذة تريد فرض توجهاتها الفكرية والمذهبية، ويظهر في مقدمة هؤلاء تيارا الإخوان والسلفيين، وتطور التجاذب في بعض الأحيان إلى خصومات وعداوات غير معلنة بين رواد المساجد وبين الأئمة.

ومع لجوء وزارة الشؤون الدينية إلى حظر جمع التبرعات والهبات المادية خلال شهر رمضان لفائدة الأئمة كما كان معمولا به خلال السنوات الماضية بدعوى تحصينهم من الأفكار التي تحرك العملية، يصطدم الأئمة بواقعهم المادي الهش وبالمقاومة الصعبة لمغريات الاستغلال، التي يمارسها نشطاء وأنصار المذاهب والتيارات المتصارعة، تحت مسميات التلاوة الجيدة والدروس والمواعظ والقدرة على الإقناع.

وكانت نقابة الأئمة قد دقت جرس الإنذار منذ مدة، من خلال تنظيمها لوقفات احتجاجية في بعض المحافظات، والتماسها من وزارة الشؤون الدينية مراجعة الأوضاع المهنية والاجتماعية لهم.

Thumbnail

ويذكر متابعون لشؤون المؤسسات الدينية والمساجد في الجزائر، بأن الوضع الاجتماعي الهش للأئمة وموظفي القطاع الديني، أفضى إلى بروز عدة مظاهر ساهمت في افتقاد هؤلاء للثقة لدى رواد المساجد، بسبب نزوع البعض منهم إلى ممارسات مشبوهة على غرار امتهان الرقية، من أجل توفير مصدر دخل إضافي.

ويشدد رئيس تنسيقية الأئمة وموظفي القطاع الديني جلول حجيمي، على أنه “لا يمكن للإمام القيام بدوره وهو في حرج اجتماعي وحيف مستمر، وأن محاربة التطرف وإرساء مبادئ الاعتدال والوسطية لن يتما بأشخاص محرجين أو ضعفاء لا يستطيعون الصمود أمام المغريات المادية”.

واستغلت النقابة فرصة الزيارة التفقدية التي قادت الرئيس الجزائري إلى بعض المؤسسات الدينية في العاصمة كمقر الزاوية البلقايدية بضاحية تيقصرين والمسجد الأعظم بضاحية المحمدية، لتوجيه رسائلها إليه بعدما خذلتها الحكومة.

ورغم اعتراف وزير الشؤون الدينية محمد عيسى بالوضع الهش للأئمة وبمعاناتهم من الحيف الاجتماعي، إلا أنه تحجج بتواضع الموازنة المخصصة للقطاع الديني بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية وتقلص مداخيل الخزينة العمومية. ومع ذلك شدد على ما أسماه بـ”فتح باب الحوار مع الفاعلين والمنتسبين إلى القطاع″.

وتذكر أرقام الوزارة أن الجزائر تضم نحو 24 ألف مسجد ومؤسسة دينية وزاوية تتكفل الوزارة بتأطيرها وتنظيمها، إلا أنها غالبا ما تصطدم مع الجمعيات المسيرة لها، بسبب تضارب الأفكار والنوايا بينها وبين تلك الجمعيات، ما أدى إلى بروز مشكلات ومشاحنات داخل المؤسسات الدينية، بسبب الاختلاف على الخطاب الديني أو طريقة إدارتها.

ولا يزال البعض من الزوايا والمساجد التي أنشئت بتمويل خاص، يحاول الحفاظ على ما يرونه “استقلالية” عن توجيهات الخطاب الرسمي، من أجل تفادي ما يعرف بـ”التوظيف السياسي للمساجد والزوايا من طرف السلطة”، خاصة مع تحول البعض منها إلى منصة لتمرير مشاريع سياسية، كتأييد ودعم بوتفليقة في الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية.

ويذكر في هذا الشأن ناشط بزاوية لتعليم القرآن بمحافظة تيزي وزو أن “الزاوية التي شيدها آباؤه وأجداده ستبقى وفية لرسالتها الدينية ولمهمتها في تعليم القرآن، ولا يمكن أن تتحول إلى فضاء للممارسة السياسة لصالح هذا أو ضد ذاك”.

1