أبالقتل نباهي الأمم

الجمعة 2015/02/27

قتلاهم لا يشبهوننا وإن كانوا كذلك. سنجرّدهم من الهوية التي تذكر بنا، أما قتلانا فقد أحرقوا هوياتهم لإعلان براءتهم من كل شبهة. فمنذ أن كُتب علينا أن نُؤسر في المسافة التي تفصل بين “نحن” و”هم” صار علينا ألا نأبه بأن هناك شعبا واحدا سيقف في انتظارنا لكي يسألنا عما فعلناه بإخوتنا.

هل كانوا إخوتنا فعلا أولئك الذين تمكنوا من قتلنا قبل أن نقتلهم، والذين تمكّنا من قتلهم قبل أن يقتلونا؟ كان هناك سباق اضطراري إلى القتل، كل أدواته النظرية والمادية كانت جاهزة، بل مستلهَمة من عيشنا المشترك الطويل باعتبارنا إخوة وأبناء عمومة وزبائن مقهى واحد. لم يكن السلاح ليفرق بيننا، غير أن الفكرة هي التي أغرقتنا في بحيرة دم.

فكرة أن نكون “نحن” وأن يكونوا “هم”، فكرة ماكرة يمكنها أن تحتوي الـ”هم” في الـ”نحن” وألا ترى في الـ”نحن” إلا نوعا من الـ”هم” القريبة. لعبة لغوية كان يمكن تفاديها لنكون واحدا، غير أن نزعة القتل تحتاج مسافة تقع بين القتيل وقاتله، بين القاتل وقتيله، وهي مسافة لن تحرجها البلاغة. قتيلنا وقتيلهم، مثلما قاتلنا وقاتلهم، يشتبكان ليكونا واحدا. ولكن فجيعة أن يكون قتيلهم منا، وقتيلنا منهم يمكنها أن تنسف كل قواعد اللعبة. أبهذه الطريقة تدار الحروب الأهلية؟ لا أعتقد أننا اخترعنا شيئا جديدا، لقد سبقنا الأوغاد إلى ما هو أسوأ. هل يحق لنا الكلام عن الأسوأ ونحن نفعله؟

يوم نحر اللبنانيون بعضهم البعض كان عليهم أن يتقدموا إلى التاريخ حفاة من غير أن يفهموا الحجة التي لم تصنع منهم شعبا واحدا. هل كانوا شذاذ آفاق أم قطاع طرق أم أفاقين عبر الزمن الذي كان فيه لبنان عبارة عن جزء مقتطع من سوريا الكبرى؟

لم يكن العراقيون أكثر ذكاء. كانت إيران مثل الشيطان حاضرة في التفاصيل. فجأة اكتشف العراقيون وهم يقيمون تحت ركام الاحتلال أنهم لم يكونوا يوما ما شعبا واحدا. لم يسهروا تحت قمر واحد ولم يطربوا للأغنيات نفسها ولم يطبخوا الأغذية عينها ولم تجمعهم أزقة ودروب وأسواق ومدارس ومزارات وحفلات عرس ومناسبات عزاء وثكنات جيش وترقب هلال العيد. أهلك القاتل منهم نفسه من أجل أن يخترع قتيله، وحين وجده خرّ قتيلا، فقد سبقه قاتل من نوعه إلى الرمي. أبهذا نباهي الأمم؟

يقتل السوريون منذ أكثر من ثلاث سنوات بعضهم البعض الآخر. تسقط البراميل المتفجرة على الأحياء التي يتحكم بها معارضو النظام فتقتل مَن تجده في طريقها، ثم تعلن المعارضة أنها استطاعت أن تقتل عددا من جنود النظام في كمين نصبته لهم.

ما من لغة مشتركة، القتل وحده يَشتق لغة بين القاتل والقتيل، هي رسالتنا إلى العالم. في تلك اللغة يكون القتلة من الجانبين على حق، أما القتلى فسيكون نسيانهم واحدة من أعظم فضائلنا. سنكون مجهولي الهوية قتلى وقتلة. أبطالا وشهداء من غير أن نقدم أحدا على آخر في الجنة التي سيدخلها قتلتنا ويُحرم من دخولها قتلاهم. أما قتلتهم فالنار ستشوي جثثهم فيما قتلانا من ضحاياهم يرفلون بالنعيم. لا يتساوى شيء منهم بشيء منا في الآخرة وإلا ما كان هناك معنى للحرب؟

كذبة الحروب الأهلية تتنفس هواءً فاسدا لا ينبعث إلا في لحظة خيانة. سيكون المشهد مزدوجا. خيانة القاتل لقتيله وهو أخوه، وخيانة القتيل لقاتله وهو أخوه أيضا. أبهذا نباهي الأمم؟


كاتب عراقي

9