أبجدية المصالح وخطوط النار

الاثنين 2014/09/22

ساهمت أحداث 11 سبتمبر في تدهور العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، وتزايدت الرؤية السلبية للإسلام لدى الأميركيين، ما أدى إلى ظاهرة أكبر وهي توتر العلاقة بين الدين والدولة، الذي مثل أحد أهم مداخل تشكيل السياسة الخارجية الأميركية وإدارة نمط جديد من الصراع يعتمد على فكرة “انعدام أمن” جميع الأطراف، وتحت اسم الحرب العالمية على الإرهاب.

فتحت هذه الحرب مجالا واسعا أمام أميركا لتكون قوة التغيير في المنطقة ضمن بناء عالمي جديد، دخلت في سياقه مبادرة الشرق الأوسط الموسع وغزو العراق، ومفهوم الفوضى البناءة. وقد أثبتت المواجهة العسكرية مع القاعدة في أفغانستان محدودية المنهج العسكري الذي استندت عليه أميركا، فتوجهت الأنظار نحو قضية الإصلاح والحرية الاقتصادية والسياسية وتحويلها إلى قضية محورية في السياسة الأميركية تجاه العالم الإسلامي في محاولة لخلق البيئة المناهضة للإرهاب، ما أدى لبناء تجربة أخرى انطلقت مع شرارة الربيع العربي التي أخرجت حمم خلايا الإرهاب من غفوتها للقيام بتدمير الدول، وهذا ما بدا واضحا في ليبيا بعد سقوط القذافي، وبناء “داعش” و”جبهة النصرة” وغيرها في سوريا والعراق والتي ساهمت في تأكيد الشرخ الطائفي والمناطقي ممهدة الطريق لتحقيق المشروع الذي رسمه السيناتور الديمقراطي جوزيف بايدن القاضي إلى تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق كردية وسنية وشيعية، تتمتع كل منها بالحكم الذاتي باعتباره المخرج الوحيد من المستنقع العراقي، ثم الانطلاق نحو تقسيم بقية الدول.

تحولت التنظيمات الجهادية إلى محط استقطاب للتشدد الديني واستدراج إرهابيي العالم إلى هذه المنطقة، ورسمت “داعش” حدودها بين العراق وتركيا وسوريا والأردن والسعودية. امتداد شكل خطرا على دول الجوار وخصوصا بعد تجاوز “داعش” لما هو مقرر لها فيما يتعلق بمحاولتها دخول بغداد وازدياد حجم نفوذها داخل العراق عما هو قائم، وفكرة الصدام مع الأكراد باعتبارها خط أحمر بالنسبة إلى الأتراك وأميركا التي لم تكن مستعجلة لمواجهة “داعش” فهي لم تشكل لها تهديدا حتى الآن، وهي ليست في طور التخطيط لهجمات إرهابية في أميركا التي تفضل مصالحها على الشعارات التي ترفعها.

فللولايات المتحدة أولويات في المنطقة تتقدم على مواجهة “داعش”، منها حمل إيران على قبول تسوية نهائية لبرنامجها النووي تناسب مصالح دول الحلف الأطلسي، ومنها زيادة الانقسام السوري بما يتناسب مع مخططها في فرض واقع جديد يضمن استمرار الهيمنة الأميركية، فالضربات التي تم توجيهها لـ”داعش” أتت لتؤكد قيادية الولايات المتحدة للسياسة العالمية، خصوصا بعد تعرض إدارة أوباما لانتقادات تمحورت حول تراجع الدور الأميركي في الشرق الأوسط وفي العالم.

طرحت محاربة “داعش” عديد المعضلات بالنسبة إلى أميركا، فمحاربتها في العراق يعني توجيهها نحو سوريا وهذا لا يحل مشكلة الإرهاب، كما أن إضعافها في سوريا سيقوي الأسد، وهذا ما لا يمكن عمله، وقد أكد الحلفاء أن لا تقارب مع إيران أو سوريا، مع التصميم على إسقاط نظام الأسد عبر تمويل وتسليح المجموعات المعارضة المعتدلة لتعيد تجديد كتائبها المسلحة، وبناء مناطق عازلة لها لتأكيد نشاطها ضد حكومة الأسد.

قررت الإدارة الأميركية ضبط عناصر الصراع وتقديم الاستراتيجية المناسبة وقيادة التحالف الدولي في الحرب القادمة، التي تبدو ظاهريا لمحاربة الإرهاب الذي يهدد مناطق شاسعة بالفوضى، أما فعليا فهي تهدف إلى حصره في منطقة جغرافية محددة، مع الإشراف على حدودها لتستعمل كبؤرة توتر مذهبي جاذبة لكل جهاديي العالم.

مع انعدام التسويات السياسية في عصر الإرهاب الذي أريد له أن يتحول إلى أداة لإشعال نزاع مذهبي يفضي إلى إعادة رسم خرائط كيانات الأمر الواقع الجديدة، كان لابد من التدخل لضبط قواعد اللعبة من خلال أبجدية المصالح للعم سام والدول المتحالفة في حرب استنزاف تفتح خطوط النار من السماء وعلى الأرض وفقا لقواعد استمرار اللاسلام واللااستقرار لكامل المنطقة، وجرها إلى حرب إقليمية، أسماها هنري كيسنجر في كتاب “النظام العالمي” بـ“الحريق الأعظم”.


كاتبة ورسامة سورية

9