"أبدا لا تنظر بعيدا" و"الغراب الأبيض" فيلمان عن حياة الفنان المتمرد

فيلم "الغراب الأبيض" لمخرجه ريف فاينز يعتمد بشكل مباشر على قصة حياة راقص الباليه الروسي رودلف نورييف.
الجمعة 2018/11/30
"الغراب الأبيض" راقص باليه لا تحدّه قيود
 

في مهرجان فينيسيا شاهدنا الفيلم الألماني “أبدا لا تنظر بعيدا” للمخرج فلوريان فينكل دونرسمارك، وفي مهرجان القاهرة شاهدنا فيلم “الغراب الأبيض”، وهناك من أوجه التشابه بين الفيلمين ما يدفعنا إلى التوقف أمامهما والكشف عن العلاقة الكامنة في ما بينهما.

القاهرة - المخرج الألماني فلوريان فينكل دونرسمارك هو مخرج التحفة السينمائية “حياة الآخرين” (2006)، وفيلمه الجديد “أبدا لا تنظر بعيدا” (Never Look Away) شأنه شأن “حياة الآخرين”، محوره الفنان في مواجهة السلطة الشمولية القمعية، أو الفنان في خضم حركة التاريخ التي تصطبغ بالمتغيّرات السياسية العنيفة، ثم يجد نفسه أمام الاختيار الوجودي: ماذا يمكنه أن يفعل، هل يواصل البحث عن المنفعة الشخصية المباشرة عن طريق تسخير فنه في خدمة الدعاية للسياسة الرسمية، أم يرفض أن يتدنى ويصر على قناعاته الفنية ويتمرّد على الواقع حتى لو كان ثمن تمرده باهظا؟

هذا الموضوع يتناوله دونرسمارك فيتوقف أمام حياة فنان تشكيلي ألماني وجد نفسه منذ الطفولة واقعا في قلب أحداث التاريخ المأساوية، فخالته الشابة الجميلة التي تصحبه في جولاتها على معارض الفن الرفيع، لا تستطيع التأقلم مع القيود التي فرضتها النازية، فتعاني من نوبات اضطراب عصبي يجعلها تسقط ضحية للنظام النازي نفسه، فالطبيب الذي يحيلون إليه السيدات لفحصهن، يقضي بتعقيمها ثم بإرسالها إلى حيث يتم التخلص منها ومن مثيلاتها بالقتل. وينشأ الطفل “كيرت” وفي وعيه تلك الضحية البريئة التي دفعت حياتها دون ذنب، ويختار طريق الفن التشكيلي، لكنه يصبح بعد ذلك أسير النظرة الرسمية للفن في ألمانيا الشرقية بعد زوال النازية وسيطرة الشيوعية، فهو لا يجد عملا كرسام سوى ضمن الآلة الرسمية الدعائية، حيث يصبح مطلوبا منه إنكار التعبير الذاتي، والالتزام بالتعبير عن قيم “الطبقة العاملة” حسب المفاهيم الستالينية.

العلاقة بين كيرت والنظام السائد منسوجة ببراعة ودقة في ذلك العمل الملحمي الذي يمتد لأكثر من ثلاث ساعات، وكيرت يقع في الحب ويتزوج ابنة الطبيب النازي (سابقا) الذي أصبح الآن من كبار الأطباء في النظام الشيوعي الجديد بعد أن تم التغاضي عن جرائمه بفضل الحماية التي أسبغها عليه جنرال سوفييتي كان أحد الذين دخلوا ألمانيا مع قوات ستالين، وقدم له الطبيب خدمة جليلة عندما أنقذ حياة زوجته وهي تلد.

ريف فاينز أثبت أنه مخرج يمتلك أسلوبا رقيقا يميل إلى اللامباشرة ويضفي مسحة من الغموض على الفيلم، ولكن دون افتعال
ريف فاينز أثبت أنه مخرج يمتلك أسلوبا رقيقا يميل إلى اللامباشرة ويضفي مسحة من الغموض على الفيلم، ولكن دون افتعال

يبدأ كيرت عملا في مجال الرسم، لكن في خدمة الحزب، لا يرضى عنه رؤساؤه المؤدلجون الذين يتهمونه بالميول إلى البورجوازية، لكنه يحسم أمره أخيرا ويفر مع زوجته إلى ألمانيا الغربية، حيث يدرس في أكاديمية الفنون بدوسلدورف، ثم يبذل جهدا هائلا من أجل التحرر من أسر الماضي وعذاباته إلى أن ينجح في إطلاق العنان لموهبته، ويصبح قادرا على التعبير أخيرا عمّا خبره في حياته، من خلال أعماله المميزة في مجال الفن التجريدي.

الغراب الأبيض

هذه العلاقة المعقدة بين الفن والتاريخ والسياسة، أو بين الفنان والسلطة، هي نفسها محور الفيلم البريطاني البديع “الغراب الأبيض” (The White Crow) الذي يعرضه مهرجان القاهرة السينمائي في سياق تكريم المخرج والممثل البريطاني المرموق ريف فاينز، وهذا هو فيلمه الثالث كمخرج.

وإذا كان الفيلم الألماني يستلهم على نحو ما، من قصة حياة الفنان الألماني غيرهارد ريشتر، يعتمد “الغراب الأبيض” بشكل مباشر على قصة حياة راقص الباليه الروسي رودلف نورييف.

ومن خلال أسلوب له تأثير يشبه التنويم، يجعله كحلم طويل ممتد ينتقل بين الماضي والحاضر، بين طفولة الفنان وشبابه، يجسد تفجر موهبته في الرقص ثم كيف تصبح موهبته أسيرة سلطة شمولية تريد تطويعها لتصبح ضمن آلة الدعاية للاتحاد السوفييتي وتحسين صورته في الخارج.

ومثله مثل كيرت بطل الفيلم الألماني “أبدا لا تنظر بعيدا”، لم يكن نورييف مسيسا، وبالتالي ليس من الممكن فهم تمرده الكبير على النظام في ضوء اعتناقه موقفا سياسيا معارضا، بل إن الفيلم الذي يصطبغ بمسحة من الغموض الساحر، ويخفي أكثر ممّا يظهر شأن أعمال الفن الكبرى، لا يميل إلى التفسير والشرح والتبرير، بل يبقي على الدوافع غامضة غموض الفن العظيم نفسه. فتمرد بطلنا يتضح منذ طفولته، ويتجسّد رفضه للعالم في رفضه العلاقات التقليدية والقيود الاجتماعية، والسعي للتحرر واقتحام المجهول والإقدام على التجارب الجديدة بروح جريئة، كما يرفض القبول بالحدود التي تقيّد موهبته.

إنه نافر كالفرس الجامح، متمرّد أصيل بحكم نشأته، صحيح أنه يترك نفسه فريسة بين يدي “زينيا” زوجة معلمه وربيبه مدير معهد الباليه في سانت بطرسبورغ “ألكسندر بوشكين” (على اسم الكاتب الروسي العظيم)، ويقوم بدوره ريف فاينز، الذي يتبناه ويساهم في تطوير موهبته.

وصحيح أنه يجرّب أيضا العلاقة المثلية، ولكنه لا يجد متعته الوحيدة سوى في الرقص، وهو عندما يرقص يصبح كائنا آخر، أي نقيض الشاب النافر المتمرد، المتجهّم، الوقح، الذي لا يعجبه أي شيء، والذي يصفع الدنيا بغضبه العنيف، فعندما يرقص يصبح شاعرا يستبدل الكلمات بحركات الجسد في انسجامها مع الموسيقى، بحيث لا نستطيع التفرقة بين الإنسان والموسيقي، وهذا ما يتم التعبير عنه في الفيلم بالصورة والحركة وزوايا التصوير والضوء والموسيقى والإيقاع، وهذا ما يمنح الفيلم جماله ورونقه.

دور المخرج

هنا يبرز دور ريف فاينز كمخرج يمتلك أسلوبا رقيقا، يميل إلى اللامباشرة، ويضفي مسحة من الغموض على الفيلم، ولكن دون افتعال، إنه يقترب من شخصية نورييف بحب، يحاول أن يفهمه، ينقّب في ماضيه وكيف أنه ولد في عربة قطار كان يقطع ربوع سيبيريا، في أسرة فقيرة، وكيف تظل معه عقدة الشعور بالدونية، تعذبه وتزيد من غضبه وتدفعه إلى مواجهات حادة مع الآخرين.. مع النادل الذي يقدم له الطعام في مطعم باريسي عندما يذهب في رحلة مع الفرقة، ومع الفتاة الفرنسية الرقيقة “كلارا” التي يتعرّف عليها أثناء رحلته. لقد كان دائما مغرما بالتحدث إلى الأجانب، لكنه لا يخفي شعورا بالضيق عندما يستنتج أنهم يتعالون عليه وبينما تقع كلارا في حبه، لا يبدو أنه يهتم كثيرا بالحب بقدر ما يهتم بالمدينة، في اللوفر يتطلع إلى اللوحات التي تظهر الأجساد العارية، يريد أن يندمج في ثقافة الآخر، أن يتحقق فنيا وإبداعيا في مناخ حر، لكن كيف وهو محاصر برجال المخابرات السوفييتية الذين يتحكمون في مواعيد المغادرة والعودة إلى الفندق.

هل سينتهي الأمر بالانشقاق، ولكن كيف، وكيف ستلعب كلارا دورا في هذا الفصل الدرامي؟ لا بد أنها ستكون مغامرة محفوفة بالمخاطر، وهذا ما نراه في الجزء الأخير من الفيلم الذي يجب أن يستمتع به المشاهد دون أن نحرق نحن تفاصيله.

ينتقل الفيلم بين الأربعينات والخمسينات وصولا إلى أوائل الستينات، ولكن في بناء متعرّج، يرتد على شكل لقطات خاطفة حينا، ويتوقف حينا آخر، أمام المشاهد التي تجسد كفاح نورييف من أجل إثبات موهبته، وكيف ينتقل من قريته إلى معهد الباليه في سانت بطرسبورغ ثم كيف ينجح في الانضمام إلى فرقة باليه البولشوي الشهيرة في موسكو، ثم كيف كان مولعا بالحديث مع الأجانب وهو ما كان يعد من المحظورات في الاتحاد السوفييتي، ثم ذهابه مع الفرقة إلى باريس ليرقص هناك في عروض متفق عليها بين الدولتين، كانت السلطة السوفييتية ترى أنها تؤكد تفوقها على الغرب في مجال الباليه.

عن التمثيل

يسند ريف فاينز إلى نفسه دورا صغيرا نسبيا -هو دور المعلم بوشكين- قياسا إلى الدور الرئيسي الذي يقوم به راقص الباليه الأوكراني أوليغ إيفنكو، أي دور “رودلف نورييف”. وهذا هو أول أدواره في السينما، ولا شك أنه يعتبر اكتشافا حقيقيا والفضل في تدريبه وإعداده يعود بالقطع إلى فاينز نفسه، وهو ينجح في تقمّص شخصية نورييف ويعبر عن عنفه وغضبه وهوسه بحب الاستطلاع والمعرفة وتحقيق الكمال في الفن.

"أبدا لا تنظر بعيدا" تشكيلي ألماني ينحت مساره منفردا
"أبدا لا تنظر بعيدا" تشكيلي ألماني ينحت مساره منفردا

الحوار في الفيلم يتم باستخدام الإنكليزية (المهشمة) والروسية، ويتحدث فاينز الروسية فقط وهو يقوم بدور “بوشكين” الذي يغض الطرف عمّا تقوم به زوجته، وهي تخونه تحت سمعه وبصره مع ذلك الفتى الريفي بعد أن تقنعه بالانتقال للإقامة في منزلهما بالمدينة.

ويبدو فاينز مقنعا في دور المعلم العظيم، ولكن الضعيف أمام السلطة تماما الذي يعتذر عن جموح تلميذه، فهو النقيض العاطفي لنورييف، ويبرع فاينز كثيرا في تصوير مشاهد الرقص، ومزجها جيدا في الفيلم بحيث لا تطغى على الدراما، ومن دون أن يفقد الفيلم بعده التاريخي كونه أساسا “دراسة حالة”، ولكن دون أن يسقط في رتابة “الدراما التسجيلية”.

تقوم الممثلة الفرنسية من أصل يوناني، أديل إكسارشوبولوس، التي اشتهرت بعد فيلم “الأزرق أكثر الألوان دفئا”، بدور “كلارا” وهو دور جديد ومختلف عن أدوارها السابقة، وتظهر أولا كفتاة باريسية ترتدي الحداد بعد أن فقدت لتوها حبيبها الذي قتل في حادث، وكان قريبا لوزير الثقافة الفرنسي في ذلك الوقت أندريه مارلو، كما ستكشف قرب نهاية الفيلم عندما تستخدم اسم الوزير لإقناع الشرطة الفرنسية بالتدخل لحماية نورييف من عملاء الكي.جي.بي.

كتب السيناريو للفيلم الكاتب والمخرج المسرحي والسينمائي البريطاني الشهير ديفيد هير، أعد السيناريو عن كتاب “رودلف نورييف: الحياة”، للكاتبة جولي كافانا.

أما رودلف نورييف الحقيقي (مواليد 1938) فقد أًصبح نجما ساطعا في مجال الباليه في الاتحاد السوفييتي في الخمسينات، وخلال وجوده مع فرقة الباليه الروسي في باريس عام 1961، وبعد أن أراد رجال المخابرات إعادته إلى موسكو بتعليمات عليا حتى لا يلجأ للغرب، يلجأ هو إلى الحيلة أثناء وجوده في مطار لوبورجيه ويغافل حراسه ويطلب اللجوء، وقد قضى بقية عمره في فرنسا إلى أن توفي وهو في الخامسة والخمسين عام 1993، وأصبح مثالا لآخرين غيره من راقصي الباليه الذين تبعوه في اللجوء إلى الغرب.

لا شيء يقف في طريقي
لا شيء يقف في طريقي

 

16