أبدا لن تسقط بنغازي

الجمعة 2014/08/01

لا أحبذ التحدث عما يحدث ويجري الان بوصفة مؤامرة، فالمؤامرة تظل دائما موجودة تدور مع السلطة والمال والنفوذ وجودا وعدما، لكنني أشير فقط إلى من ترك الباب مفتوحا، وجعل الفرصة سانحة أمام كل المتآمرين، فكل الأجندات التي ظهرت عقب الثورة نسفت كل ما له علاقة بالعمل الوطني، واتخذت لنفسها مكانا قصيا عن الثورة والشعب، حصنت فيه نفسها بالمال والسلاح، واشترت كل ما يقويها ويدعمها، باستثناء الوطن، فقد باعته بأرخص الأثمان.

أبدا لن تسقط بنغازي في يد أحد، ستلملم جراحها، وستنهـض قويـة، وتتعـافى من الصدمة، وما حدث بالأمس كان تصعيدا مطلوبا لإنهاء حالة باهتة رمادية من الجمود والتأرجح الذي وقعت فيه ثورة 17 فبراير التي لم تستوف استحقاقاتها. كان سقوطا لـورقة التـوت، عن شيء اسمه دولة وشرعية. ستعاد برمجة كل شيء، برمجة تتسم بالواقعية وحب الوطن.

مرحلة العطاء بلا حدود، لا تخفي على النسيج الاجتماعي في بنغازي وبرقة، فذلك مصدر قوتها ووحدتها، هي فقط استراحة محارب، لصياغة معادلة جديدة لاسترداد الوطن، وطن شرد عن مربع الثورة وخطوط الثورة التي رسمها الشعب.

ثقتي فيما أكتب، كثقتي في أن الله موجود ولن يخذلنا، وهذا ليس كلاما بعيدا عن الواقع، وما يحدث الآن ليس أصعب ممـا كنا نمر به في الثورة من منعطفـات، فمن كان يعتقد يوم اغتيـال اللواء عبـدالفتاح يونس ويوم قدوم الرتل أن الثـورة ستسمر في تقدمها بوصة واحدة. ولهـذا، رغـم ضـرواة ما يحـدث، فإنـه لن ينال من المدينة وإرادة أهلها والمنطقة شيئا، وذلك لعدة أسباب، أولها، لن ينعم أحد بنصر انسلخ فيه الثوار، وغيرهم من أصحاب الأجندات والمصالح والغنائم، عن حاضنتهم الاجتماعية.

نسوا وتناسوا أن ثورة 17 فبراير ما كانت لتنتصر وتلقى ذلك الدعم الإقليمي والعالمي دون تلك القاعدة الشعبية العريضة، والتي كانت مصدر الإلهام، في مشهد سلمي أبهر العالم أجمع، ولم تفقد سلميتها حتى عندما فرضت عليها حرب التحرير. لقد أغفل الجميع هذه الحقيقة التي بها وحدها كان النصر من عند الله.

اليوم هناك سنوات ضوئية تفصل الشعب عن مجرى الأحداث، فالمجتمع الآن في حالة مختلفة تماما، يحتاج إلى إعادة صهر وتكوين في بوتقة واحدة، كما كنا وليس كما أصبحنا.

وثاني تلك الأسباب، ليس هناك أي طرف منهم لديه مشروع سياسي يمكن أن يتصدر به المشهد اليوم لإدارة شؤون البلاد والعباد، مما يعني أن وجودهم لن يزيد الأوضاع إلا تأزما، فهم في مأزق وتشظي في مواقفهم حتى قبل أن يبدأوا.

ثالث الأسباب، عامل السلاح لن يحسم معركة، الكاسـب فيها خاسر، والدم لا ينتـج إلا مزيدا من الدماء، لسبـب بسيـط الكل لديه سلاح، فانهيار المؤسسة الرسمية للجيش والشرطـة سيخلق فراغا، الكل يتربص به، ولن يكون غنيمة لأحد على حساب آخر، ونتاجه الفوضى إلى حين، ولهذا كل الحسابات على الطاولة، فنحن ندرك أن الشرعية لا توجد إلا اسميا حتى الآن بعد ثورة 17 فبراير، وعلى استحياء، وفي الوقت نفسه ليس هناك من ملاذ وملجـأ لغيرها لتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار.

السبب الرابـع، لم تتأثـر اللحمـة الوطنية في بنغازي والشرق عموما بتداعيات الثورة، بقيت في حالة صحية أكثر من ممتـازة، خـلافا لما حـدث في الغـرب، وإنما ظلـت متماسكـة، وهذا هـو الأساس في إعـادة الانطلاق، فليس هناك تمزق أو نزاع مرده الجهوية أو القبلية.. إلخ، وإنما هو الإسلام السياسي، بقيادة الإخوان المسلمين، الذين يتخبطون في سياقاتهم وفقا لما يلوح لهم من مغانـم تشبع نهمهم السياسي والمالي، ومع تصاعد حدة هذه الأزمة لن يستمر بقاء الشعب كثيرا في مفترق الطرق، فقـدرته على الاحتواء والحسم تفوق كل تصور.

خامسا، لنا في التجربة العراقية خير مثال، فما يعرف بداعش أو الدولة الإسلامية في العراق والشام لم تتقدم في مشروعها إلا بعد أن وفر لها الناس في المناطق السنية الغطاء السياسي اللازم لدعمها، نتيجة للنكسات المتتالية لأهل السنة من تآمر الشيعة عليهم، من خلال حكومة المالكي، فوضعوهم أمام خيار وحيد أوحد، فكانت داعش طوق النجاة، في مواجهة أمرين أحلاهما مر.

سادسا، ما يحدث من نزاع مسلح في بنغـازي ما هـو في حقيقتـه إلا تدافع ستكون نتيجته حلولا سلمية بعد أن يتأكد للجميع أن النصر والنجاح لن يكونا حِلفيفين إلا لمن أصطف وتراص مع الشعب في معركته لبنـاء دولته ومؤسساتـه، وأن هناك خطوطا حمراء في اللعبـة ستجعـل من يعبث بها خارج الحدث والفعل والزمان والمكان. فعقوق الأبناء لن يكون مقبولا لا سيـما في مرحلـة ما بعد الرشد. وآخر الدواء الكي.

سابعا، لا يمكن تجاهل الدور البائس للمؤتمـر الوطني الـذي أضاع الوقـت والجهد والمـال والأمـل، وتناسى أن أهم وظيفة له عجز عن تنفيذها لم تكن بناء المؤسسات أو استحضار المشاريع، وإنما تحقيق مصالحة وطنية حقيقية تلتئم فيها كل الأطياف تحت مظلته، فكان أن حصل ما فاق كل توقع، بأن ساهم المؤتمر بمواقفه الشاذة في تغذية كل مناحي الصراع والفساد التي لحقت بمقدرات الشعب، والنبش حتى في ذاكرة التاريخ عن النزاعات القديمة، فأضحى المؤتمر حالة نشاز أعاقت تقدم الدولة على جميع المستويـات، وأفـرز جبهات جديدة لم تكن في الحسبـان، فقط لأنه رهن نفسه لغير الوطن، وبانقضاء صلاحيات المؤتمر، يتطلع الكل للمـرحلة القادمة بحلة جديدة، فأهميـة وجـود البرلمان المنتخب تذكرنا بالبرلمـان اللبناني في الحرب الأهلية اللبنانية، الذي تمت دعوته للانعقاد بعد خمسة عشر عاما للمحافظة على بقعة الشرعية المتبقية وعلى الوحدة والسيادة الوطنية.

ثامن الأسباب وآخرها، لا يجب أن عمليـة الكرامة نفسها لم تطرح يوما كمشروع سياسي خلافا لما يروج له، ولم ننتقدها على اعتبار أن من حق المؤسسة العسكرية والشـرطية أن تدافع عن نفسها في مواجهة مـوجة الاغتيالات والتفجيرات التـي اجتاحـت تلك المؤسسات وغيرها، وفـي الوقت نفسه لـم نؤيدهـا ليس حبـا في المنطقة الرمادية كما يريد أن يرى البعض ولكن لغياب معالم المشروع السياسي الواضح البعيد عن الصيـاح الإعلامي.

ولأنها لن تحقـق الإجماع الوطني المطلوب بعد أن اخترقت الشرعية القائمة وسلكت دربا رسخ حالة الازدواجية لما هو موجود دون حلـول واقعية ناجعة، فقد تم تفجير الأوضـاع دون أن تكون هناك رؤية واضحة وجليـة لن تساهم إلا في زيادة ضبابية المشهـد وتعـقده، بالإضافـة إلى أن عدم وجـود بدائل وحلول ومشاريع أخرى أيضـا لا تبرر السيـر في هـذا الاتجاه ولا تلـزم أحدا بتأييـده، خاصـة وأن عملية الكـرامـة لـم تفلح حتى في جمـع المؤسسة العـسكريـة تحـت رايـة واحـدة، حتـى الآن.

كما أن كل أعمال العنف القائمة قـد خرجت في مؤداها عن خط الثورة الواضح في بناء الدولة، وفق الإعلان الدستوري الذي تجرعناه على مضض من باب القبول بالأمر الواقع تخوفا مما هو أدهى وأمر مما يدار خلف الكواليس.


كاتب ليبي

9