"أبراكادابرا"

الخميس 2014/02/27

وأنا أحضر لنفسي كوبا من الشاي الأخضر، أخذ “شعدون” جولة في صالة شقتي الصغيرة بلندن، ولما جالت عيناه على الأفلام التي بمكتبة الديفيدي DVD، الخاصة بي، حمل أحدها ولحقني بمطبخي الصغير ليسألني: هل شاهدت هذا الفيلم؟ أومأت له بنعم، بعد أن نظرت إلى ما بيده. لقد كان الفيلم الأميركي “الآن تستطيع أن تراني” Now you can see me، ثم قلت: شاهدته منذ مدة في الطائرة.

فسألني: ما رأيك فيه؟

أجبت: رائع، وإلا ما فكرت في اقتنائه!

فسأل: هل أدركتِ أنه يحمل بطياته تفسيرات كبرى لثورات الربيع العربي؟

فتحت عيناي لدرجة أن أضحت أوسع من عيون “البقرة الضاحكة”، وتدلى فكي، وتوقف الكون من حولي للحظة، ولسان حالي يقول: أهذا النحاسي ممسوس بثورات الربيع العربي؟ ثم سألته بتلعثم: ماذا تقصد؟

أجابني بسؤال: ما قصة الفيلم؟ أجبت بثقة: حول السحر والسحرة، وحين يظهر فيلم لا يناقش دولة التكنولوجيا، ولا التكنوقراط -كما هي هواجسك- لا بدّ أن أنبهر به وأقتنيه، فنحن النساء ممسوسات بما وراء الطبيعية!

قال وهو يضع الفيلم في جهاز الـDVD بيد، ويشغل جهاز التلفاز بأخرى، الآن ستنبهرين أكثر، فكانت بداية الفيلم بهذه المقولة: “كلما أمعنت النظر كلما رأيت أقلّ”، التفت إليَّ قائلا: يجب أن تتذكري هذا حين تتحدثين مع رجل أبيض،-بين قوسين غربي-، لا تتفحصي كلماته، لكن اقرئي بين سطورها، لأن الخدعة ليس في سياق الكلمات، الخدعة عادة ما تكون في مكان آخر، غير الذي تنظرين إليه، هذا ليس ما أقوله أنا، إنما ما يعترف به الرجل الأبيض في هذا الفيلم.

ثم أخذ ورقة وقلما، وصار يكتب عليها عبارات كانت ترد في الفيلم، فأصبحت أربعا: هدفنا هو المتلقي، 100 خدعة أم وهم واحد كبير، لعبة سحرية لعبت على مستوى العالم، و”أبراكادابرا”: كلمات تقال ليبعدوا المتوهّم عن الخدعة الأصلية.

بعد أن انتهى من الفيلم والكتابة معا، التفت إليّ، وتحدث بمودة كعادته: في هذا الفيلم الرائع -كما تقولين- خمس جمل رئيسية، تخبرك كيف حصلت ثورات الربيع العربي، وإلا بربك لم تمّ إنتاجه في هذا التوقيت؟!

قاطعته: لا أجد رابطا واحدا بين الفيلم والثورات الربيعية، الفيلم عن السحرة وخدعهم!

قال: نعم هو بالفعل كذلك، لأنك تمعنين النظر، فسحرت كما سحرت أعين الناس، أليس هذا مكتوب في كتابكم!! لقد سحر الغرب أعين العامة وآذانهم بالديمقراطية، لكن ليسوا كلهم، فقط أولئك الذين يعيشون في العالم الثالث.

قاطعته: لقد أخذتني بعيدا، عد بي إلى جملك الخمس وعلاقاتها بثورات الربيع العربي.

نظر إليّ وهو يضمّ أصابعه الخمسة بمعنى تريثي: شرحت لك الجملة الأولى، أما الثانية “هدفنا هو المتلقي”: فإذا كان الغرب هو الساحر فالمتلقي هم أولئك الذين ينجذبون إلى سحره في العالم الثالث: من فئة الشباب وأنصاف المثقفين، وبعض المتعلمين، والجهلة طبعا، فهذه الفئات تجهل أساسيات “لعبة الأمم”، كما يجهل العامة أساسيات الخدع السحرية، لذلك سهل أن تأتي بفكرة براقة “كالديمقراطية”، وتنشرها بينهم بسلمية تامة، تشعل بها حربا ضروسا، بأيدي المتحمسين والطامعين منهم.

فسألت: أليس بينهم رجل رشيد؟!

فردّ: للأسف، الرشيد المدرك للعبة كان الحكام فقط، فهم الأكثر حنكة سياسيا، لكن لما حاولوا شرح الموقف بأن هناك لعبة خارجية، اتهموا بالدكتاتورية، التي كانت صفتهم منذ الأزل ولم يعترض عليها أحد، حتى برقت الديمقراطية في أذهان الناس، وهنا اكتملت حبكة الدمار، دون أن يحمل الغرب حتى “جريدة”/ قصبة وليس بندقية واحدة.

وهذا يأخذني إلى الجملة الثالثة “100 خدعة أم وهم واحد كبير”: بالتأكيد أن “وهما واحدا كبيرا” مثل الديمقراطية، سيدغدغ هواجس المهمومين، من أولئك أنصاف المثقفين وأنصاف المتعلمين وأنصاف الشباب؟! ويجعل احتمال تخلصهم من الفقر أملا قريبا.

قلت: إذن الديمقراطية هي اللعبة السحرية التي لُعِبت على مستوى العالم، وابتلعتها الشعوب العربية حتى شَرقت بها، فها هي دول الربيع العربي الآن بين الحياة والموت، لا تستطيع لفظها، كما لا تستطيع هضمها.

ردّ: الديمقراطية هي “الأبراكادابرا”، التي رددها الغرب فسحر أعين وأذهان الناس، وجعلهم يمعنون النظر فيها، ويركضون وراء سرابها، وهم يدمرون كل شيء يمرّون به من الأخلاق إلى البنية التحتية لدولهم، معتقدين أنهم ثوار حقيقيون.

المفارقة أن الرجل الأبيض في الفيلم هو الخير، بينما هو في الأصل الساحر الأكبر، ولم تُعرف حقيقته إلا في النهاية، تماما مثلما تعرض الوثائق الأميركية السرية بعد 50 سنة أي بعد نفاد صلاحيتها، والرجل الأسود هو الشرّ كما صوّر للناس، بتغرير وانتقام من الساحر الأكبر، بالرغم من أنه ساحر مستقيم! وحين تظهر الوثائق الخاصة بالربيع العربي بعد 50 عاما، سيعرف جيل ذلك الزمان الخدعة الكبرى للديمقراطية، ومن كان الخير للعرب ومن كان الشر، لكن جيلي أنا وأنتِ سيكونان ميتين على الأرجح!

16