أبرز الأحداث الثقافية في فرنسا خلال العام 2019

فنون التشكيل والمسرح والاحتفاء بالعبقري الفلورانسي ليوناردو دا فينشي والسجال الفكري والأدبي.
الأحد 2019/12/29
زيغموند باومان يحلل طوباوية الرّدة

الأحداث الثقافية التي حازت اهتمام الجمهور والمتابعين للشأن الثقافي في العام المنقضي كانت من نصيب الفنون التشكيلية بالدرجة الأولى، من خلال معرض عالمي عن العبقري الفلورانسي ليوناردو دا فينشي، ورائد العصر الذهبي الإسباني دومينيكوس تيوتوكوبولوس الشهير بالغريكو، ومعرض توت عنخ آمون بمعهد العالم العربي؛ ثم الفن المسرحي بالدرجة الثانية عبر عروض للألماني توماس أوسترماير والبلجيكي إيفو فان هوف والفرنسية ياسمينة رضا. ولكن الساحة جللتها أحداث أخرى، فكرية وأدبية، لا تقل عنها أهمية.

أول تلك الأحداث رحيل الفيلسوف ميشيل سير (1930-2019) واضع السردية الإنسانية الكبرى الذي فرض نفسه كواحد من كبار الفلاسفة في القرن العشرين.

كان يطمح إلى الإلمام بالمعرفة كلها، ويعتقد أن الفلسفة تجند تلك الوظيفة الإدراكية المجهولة والشاملة التي تسمح بالإحاطة بالواقع في كليّته، إذ كان من الذين يدعون إلى التقريب بين العلوم والفلسفة، لأن المعرفة الشاملة هي وحدها التي تسمح للإنسان بإعادة النظر إلى موقعه في الكون والتصالح مع الطبيعة. فبعد أن اقترح قراءات جديدة للميثولوجيا والتاريخ والفنون التشكيلية، وأقام جسورا بين العلوم الإنسانية والعلوم الصحيحة، اهتم بالتطورات العلمية والمستحدثات التكنولوجية وأثرها في تغيير سلوك البشر، مستندا في ذلك إلى تكوينه في الفلسفة والرياضيات.

ويعتبر مشروعه الفلسفي عملا تنسيقيا بين جملة المعارف لجعل الإنسان في مركز الكون الذي نشأ فيه. فقد لاحظ في كتابه “المتأجج” أن التقاليد التاريخية والفلسفية الغربية أنستنا أصولنا الطبيعية، وأن أصنافنا الذهنية حبستنا في آفاق زمنية قصيرة نسبيا مقارنة بدورات الإنسان والحياة المديدة بشكل سرمدي.

ومن ثَم يدعونا إلى إعادة اكتشاف طبيعتنا المدفونة بإعادة قراءة تاريخ البشر والعالم على ضوء الاكتشافات العلمية عن بنية الكائن الحي والكون الفيزيائي، فهي في نظره وسيلة للعودة إلى الزمن المديد الذي تستعمله السرديات الميثولوجية لتمكين الحضارات من تحديد موقعها في العالم.

الارتداد إلى الماضي بات طوباوية عصرنا
الارتداد إلى الماضي بات طوباوية عصرنا

ولذلك اقترح بناء “سردية كبرى تجمع كل العلوم”، يهدف من ورائها إلى استكشاف تاريخ الكون وإعطاء الإنسان موقعا فيه، فلئن كان للمخ عمر الإنسان الذي يملكه، فإن عمر حمضه النووي يقدَّر بمليارات السنين، والذرات التي تكوّنه يرجع عهدها إلى نشوء العالم. سردية كبرى تكون فيها الكتابة قد بدأت قبل الكتابة، ما دامت الطبيعة تترك هي أيضا آثارا تمكن من معرفة تطورها على مر الأزمان، وتحول الإنسان نفسه، فإذا ما استمع إليها صار شاهدا ومعاصرا تقريبا لعناصر لم يعرفها أيّ إنسان من قبل، كمولد الكون، أو ظهور الحياة.

ثاني تلك الأحداث الفكرية صدور الترجمة الفرنسية لكتاب “Retrotopia” أو “طوباوية الردّة” للفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان (1925-2017) مبتكر مفهوم “المجتمع السائل”، بيّن فيه كيف أن الارتداد إلى الماضي بات طوباوية عصرنا هذا الذي استشرى فيه وباء النوستالجيا، فقد راج في كل مكان من الأرض تقريبا نوع من التطلع الرجعي، والرغبة في العودة إلى ماض تغلّفه الأساطير في معظمه، كوسيلة مثلى لتجنب مواجهة الأسئلة الحارقة.

ويفسر باومان هذه الردة بكونها ناجمة عن العودة إلى النزعة القبلية التي تتغذى من هشاشة الدولة وتفككها، وتزدهر بفضل التكنولوجيات الحديثة كنِحَل صغيرة تتنازع فيما بينها، ولا تهتم بإقناع الآخر أو جلبه إلى حظيرتها، لأنها تقوم على مبدأ التناظر بين “هم” و”نحن”، فخلقت بذلك إنسانا ذا وجهين مثل الإله يانوس في الميثولوجيا الرومانية.

وفي حركة تراجع عام، بات الفرد منكفئا على ذاته، فشكل ما أسماه باومان “الإنسان السيكولوجي”، كآخر إنتاج للفردانية البورجوازية مثل مونادة (كائن أحادي الخلية) مرتابة، تضع نفسها بين أيدي علماء النفس ودكاترة “العيش السعيد”.

الفيلسوف إدغار موران يروي ذكرياته
الفيلسوف إدغار موران يروي ذكرياته

وفي رأيه أن الفردانية المفرطة أردت الطوباويات المشتركة إلى الحضيض، وبتنا نعيش حربا تغذيها خشية العجز التي تستبد بالأفراد المعاصرين، الذين تحرّروا من الوصاية ثم بقوا معزولين. فالمستقبل، الذي كان البيئة الطبيعية للآمال والانتظارات المشروعة، صار وعاء تلقى فيه كل المخاوف، ولا سيما الخوف من البطالة والانحدار الاجتماعي للفرد ولأبنائه من بعده، بسبب اقتصاد يقوم على المنافسة الشرسة ويضع العمل ورأس المال في يد واحدة، راميًا بمن لا يملك هذا أو ذاك في درك وضيع.

ما يعيد البشر إلى الوضع الذي صوّره هوبز في “ليفياتان”، حين تغدو الأرض مسرح حرب دون قوة عليا تحد من تنافس البشر. وذلك لأن العولمة أحدثت فصلا بين القوة والسياسي، جعل الدول “أشبه بجاليات متجاورة داخل حدود مثقوبة”.

وإذا كان باومان يعتقد أن ليس أمامنا غير الأخذ بأسباب الحداثة، وتعميقها بتكملة التصور الكوسموبوليتي الذي نحن عليه بوعي كوسموبوليتي حقيقي ينظر بفضله الإنسان نظرة شاملة إلى مستقبل البشرية قاطبة، ويسعى لتحقيق حتى ما يبدو الآن من الطوباويات، فإن عالم الاقتصاد الفرنسي توما بيكيتي الذي أثار جدلا واسعا على الصعيد الدولي بكتابه الأول “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” الذي بيع منه نحو مليونين ونصف مليون نسخة، عاد إلى الصدارة هذا العام بكتاب جديد عنوانه “رأس المال والأيديولوجيا” يدعو فيه هو أيضا إلى إعادة النظر في الكوسموبوليتية الجديدة التي ولدتها العولمة، والبحث في جذور التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، ويبيّن كيف أن المجتمعات البشرية تحتاج إلى تبرير التفاوت الذي ينظمها، وتوفر أسبابه لمنع انهيار البناء السياسي والمجتمعي.

اصدارات روائية جديدة
اصدارات روائية جديدة

في هذا الكتاب، الذي يمسح 1232 صفحة، سعى بيكيتي إلى تتبع المسار الاقتصادي والاجتماعي والفكري والسياسي الذي عرفته الأنظمة التي أقرت الاسترقاق والتفاوت، أي تلك التي تقسّم النشاط الإنساني إلى ثلاث وظائف توافق المجالات الثلاث أي الديني والحربي والاقتصادي، وفقا للنظرية التي وضعها الفرنسي جورج دوميزيل، منذ الأنظمة الهندوأوروبية إلى الأنظمة ما بعد الكولونيالية والرأسمالية المعاصرة، مرورا بالمجتمعات المالكة والكولونيالية والشيوعية والاشتراكية الديمقراطية.

واستنادا إلى دروس التاريخ في شموليته، يعتقد بيكيتي أن في الإمكان أن نقطع مع تلك الحتمية التي كانت سببا في الانحرافات الهووية الحالية، لوضع اشتراكية تشاركية للقرن الحادي والعشرين، ورسم خطوط أفق مساواة جديد ذي بعد كوني، وصياغة أيديولوجيا جديدة للمساواة والملكية الاجتماعية والتربية وتقاسم المعارف والسلطات.

آخر هذه الأحداث، على المستوى الفكري، صدور مذكرات الفيلسوف وعالم الاجتماع إدغار موران بعنوان “الذكريات تأتي للقائي”، لم يتبع فيها نسقا كرونولوجيا، ولا ثيميا، وإنما دوّنها كما تتوارد الخواطر لديه. هذا الرجل الذي لم تمنعه أعوامه الثامنة والتسعون من مواصلة إلقاء المحاضرات وإثراء النقاش في المسائل الحارقة، والاستجابة لمحاورة وسائل الإعلام والكتابة بنفس العمق الذي عرفناه عليه، وكأنه لم يتخلص من إهاب المثقف اليساري الذي يناضل على شتى الجبهات.

فقد بدأ حياته مقاتلا في صفوف الجمهوريين خلال الحرب الإسبانية، ثم التحق بالحزب الشيوعي الفرنسي، وانسلخ منه منذ مطلع الخمسينات بعد أن تبدت له طبيعة المنظومة الاشتراكية، وحمل السلاح ضد الاحتلال النازي، وأسس مجلة “ذرائع” وأخيرا انخرط في المعركة الإيكولوجية لإيمانه بأن أكبر مشكل يواجه البشرية هو مصيرها ومصير كوكبها، وهي أزمة عالمية تجد جذورها في براديغم حضاري بني على الفردانية والجشع والتنافس والاستهلاك المفرط والإقصاء الاجتماعي.

ميشيل هويلبيك وأزمة الإنسان الغربي
ميشيل هويلبيك وأزمة الإنسان الغربي

ورغم اعتراف الجميع بإسهامه في إثراء حقل علم الاجتماع، بعد التحفظ الذي واجه به زملاؤه سعيَه إلى الربط بين حقول معرفية كثيرة من خلال نظريته عن الفكر المركّب، فإن موران يقول بتواضعه المعهود إنه لم يبتكر شيئا، وإن كل ما ألّفه متأتّ من جهة ما من جهات هذا العالم في تنوعه وثرائه. فهو من المفكرين القلائل الذين تنقلوا في أرجاء المعمورة، لا سيما في أميركا الجنوبية، حيث كانت له بأهلها صلات، وألقى في جامعاتها محاضرات، وحاز من بضعها شهادات دكتوراه فخرية، اعترافا بجليل أعماله.

أما على المستوى الأدبي، فالمفارقة أن العملين اللذين استأثرا باهتمام النقاد والإعلاميين لم يتوّجا بإحدى الجوائز الكبرى التي تسند كل عام. أولهما رواية “ظمأ” للبلجيكية أميلي نوتومب التي تعتبر ظاهرة في حد ذاتها، حتى أن الفرنسيين يقولون إن ثمة حدثين في خريف كل عام، جني العنب، ورواية جديدة لنوتومب.

ورغم أن روايتها الأخيرة تصدرت منذ نشرها قائمة الكتب الأكثر مبيعا، ودخلت إلى القائمة القصيرة التي لم تبلغها قط طوال مسيرتها الأدبية، فإنها لم تنل رضا أكاديمية غونكور، ربما لحساسية الموضوع الذي تناولته هذه المرة.

استشراف المستقبل
استشراف المستقبل

فقد تجرأت على تناول ما عاناه عيسى المسيح، على لسانه، في حوار باطني من وضعها، في الساعات الأخيرة التي سبقت عملية صلبه ودفنه (حسب العقيدة المسيحية)، بدعوى تأمل فكري في معنى أن يكون للمرء جسد. وقد عاب عليها عدد من النقاد والمؤرخين وحتى القراء ابتعادها عن نصوص العهد الجديد، خصوصا ما أوردته عن علاقة الحب بين السيد المسيح ومريم المجدلية. ولا تكتفي الكاتبة بتصوير “آلام المسيح”، من سماعه تهمًا وجّهها إليه بعض من تنكروا لمعجزاته بدعوى أنها لم تغير شيئا في حياتهم، وخوفه من حكم الإعدام الذي ينتظره، واحتماله تاجَ الشّوك والجَلْد وثقل الصليب الخشبي على كاهله وسقوطه أكثر من مرة، وإحساسه باختراق المسامير لحمَه، وبالظمأ الشديد قبل الموت؛ بل ناقشت ما تتصور أنه اعتمل بذهنه في تلك اللحظة وهو يتوجه إلى “أبيه الذي في السماوات” بلوم غير خاف “هذا الصَّلْب زلّة… لِمَ فعلت هذا؟… هل قلتُ إني لا أحبّك؟… أنا أعاتبك، أنا مستاء منك. الحبّ يسمح بمثل هذه المشاعر. ماذا تعرف عن الحبّ؟ هنا المشكلة. أنت لا تعرف الحبّ. الحب حكاية. لا بدّ من جسد كي يرويها”.

وأيا ما تكن دوافع لجنة غونكور، فقد استبعدت نوتومب من الفوز، وأسندت جائزتها إلى جان بول دوبوا عن روايته “كل الرجال لا يستوطنون العالم بالطريقة نفسها”، التي لم تَحظَ بما حظيت به رواية الكاتبة البلجيكية.

وأما العمل الثاني الذي استأثر بالنقد والتعليق وحتى التشويق قبل صدوره، فهو الرواية السابعة للفرنسي ميشيل هويلبيك، الذي يرى فيه النقد الفرنسي كاتبا حقيقيا يملك رؤية شاملة عن الراهن وقدرة على استشراف المستقبل، رغم أن عوالمه سوداوية على الدوام، وأبطاله، مثله، يعيشون على حافة الانهيار العصبي، أجهضت الليبرالية المنتصرة أحلامهم، وأخمدت شعلة الحب في صدورهم، وتكسرت آمالهم على صخرة الصمت الرباني.

ميشيل سير فيلسوفُ سردية الإنسانية الكبرى
ميشيل سير فيلسوفُ سردية الإنسانية الكبرى

ولا تختلف روايته الجديدة “سيروتونين” عن سابقاتها، فبطلها فلوران كلود لابروست يحمل نفس الرؤية الانهزامية، وهو يرى هوة الجزع الوجودي تنفتح تحت قدميه، ويسكنه الاكتئاب الشبيه بذلك الملل الذي يصيب الرهبان فيعافون العبادة، وينتابه إحساس بأن عمره، وهو لم يتعدّ السادسة والأربعين، يمضي إلى نهايته، فيكون مثل حيوان مصاب
يبحث عن ملاذ آمن ينهي فيه حياته، يهجر بيته وعشيقته اليابانية ويلوذ بشقة عابسة ليعيش على حبوب كابتوريكس، المركبة أساسا من مادة الـ”سيروتونين” كي يغالب الانهيار العصبي الذي ألمّ به.

عندما يبلغ هذا الحدّ من التشاؤم يشرع في سرد اعترافاته، فنعلم أنه موظف بوزارة الفلاحة، يعِدّ لها مذكرات وتقارير يستعين به كبار المسؤولين في المفاوضات الأوروبية، يشرب بشراهة، ويدخن بنهم، ويحلم بالفتيات الحسان كلما خلا إلى نفسه، ويحطم كاشفات الدخان في الفنادق، ولا ينتقي مهملاته، يعيش في المدينة ويهوى التجول في الغابات.

 والرواية في مجملها غوص في نفسية هذا البطل السلبي، للوقوف على الآثار الوخيمة التي تخلفها في النفوس سياسة التنمية التي لا تعرف نهاية حسب الأنموذج الليبرالي.

أما عن الحضور العربي، فنكتفي بالإشارة إلى تكريم الأكاديمية الفرنسية ثلةً من المبدعين العرب أمثال طاهر البكري وفوزية الزواري وهالة الباجي، عن دورهم في “نشر اللغة الفرنسية والإسهام في إشعاعها”.

15