أبطال من ورق.. الأشرار نموذج يطغى في الفن المصري

أعمال فنية تروّج للشر المطلق الذي لا يُهزم أمام قوة الحق والقانون، ونادرا ما تنتهي الأفلام والمسلسلات التي تناقش قضايا العنف برسالة توعية وتثقيف المجتمع.
السبت 2019/12/14
لا قدوة تستحق عناء المشاهدة

لدى الكثير من المجتمعات العربية قاعدة راسخة تقول إن الأعمال الدرامية والسينمائية تظل المتهم الأول في نشر ثقافة العنف والبلطجة والخروج على القانون بين الناس، لأنها اعتادت تقديم قوالب فنية عدوانية قابلة للتطبيق دون أن تركز في مضامينها على تناول العنف المجتمعي بطريقة تساهم في تغيير ثقافة وفكر الجمهور وتحضه على انتهاج سلوكيات متحضرة.

القاهرة - كانت أسرة إيمان إبراهيم، وهي أم مصرية لثلاثة أبناء، في مقدمة العائلات التي تذهب إلى دور السينما لمشاهدة الأفلام منذ الأيام الأولى لطرحها في الأسواق، عندما كان الفن يقدم أعمالا لها رسالة اجتماعية وتنحاز إلى القيم وتبني الوعي السليم، لكن مع تبدل الأحوال وانتشار ثقافة العنف والخروج على القانون في بعض الأعمال الفنية قاطعت دور العرض.

تنتمي الأم إلى عائلة محافظة تعادي فكرة العبث في التقاليد المجتمعية الراسخة، أو التمجيد في صورة البلطجي واللص وتجار المخدرات والسلاح، لكنها لم تعد تشعر بالصدمة مع طرح مسلسل أو فيلم جديد، تركز أحداثه على العنف وتبرره وتدافع عنه، وتعرّف الشباب بأحدث طرق النصب والانتقام وجمع الثروة، لأن المجتمع لم يقف بالمرصاد ضد هذا الفن.

صحيح أن إيمان وغيرها يعتبرون الأعمال الفنية سببا رئيسيا في نشر ثقافة العنف بين الناس، لكنهم لا يبرئون المجتمع من هذه التهمة، لأنه لو كان صادقا في عدائه مع البلطجة والخروج على القانون، لما تهافت على متابعة هذا النوع من الفن وساعد على انتشاره وشهرة أبطاله من الممثلين، واعتبارهم نخبة وقدوة وفي مقام المثل الأعلى، والبعض يحاكي أعمالهم في الواقع.

مجتمعات مهيأة للعنف

شباب اعتمدوا طريقة الانتقام ذاتها التي نفذها الممثل محمد رمضان في مسلسله "الأسطورة"  في أكثر من مكان  في مصر
شباب اعتمدوا طريقة الانتقام ذاتها التي نفذها الممثل محمد رمضان في مسلسله "الأسطورة"  في أكثر من مكان  في مصر

تعكس هذه الفرضية أن المجتمعات التي ينتشر فيها الفن العدواني هي بالأساس مهيأة لتطبيق السيناريو التمثيلي طالما أوهمت نفسها أن ذلك واقع فُرض عليها، ومهما حاول الأفراد المعتدلون فكريا، والأكثر وعيا تعليق شماعة العنف المجتمعي على الفن كلما وقعت حادثة شاذة وغير مألوفة، فإن ذلك لن يحد من ارتكاب المزيد من الأفعال الإجرامية.

تتحكم بعض العوامل في تأثر الأفراد بمشاهد العنف الفنية، وعلى رأسها طبيعة النشأة الأسرية ونمط التربية لكل شخص، والبيئة التي يعيش فيها، ريفية أم حضرية، قبلية أم شعبية، فضلا عن الظروف الاقتصادية للأسرة، والمستوى التعليمي الذي حصل عليه والقيم الدينية التي تعلمها. والأهم مدى إمكانية أن يعيش الفرد في مجتمع صلب ومتماسك ويلفظ العنف.

ومهما كانت الأعمال الفنية تحتوي على مشاهد دخيلة على الأسر، فرفضها أو قبولها، وتطبيقها أو نبذها، يرتبط بالوعي المجتمعي في المقام الأول. فعندما تضمن مسلسل “الأسطورة” للفنان المصري الشاب محمد رمضان مشهدا يقوم فيه الأخير بالانتقام من شاب بإجباره على ارتداء ملابس نسائية (قميص نوم) أقدم بعض الشباب على محاكاة الواقعة وتكرار طريقة الانتقام ذاتها في أكثر من مكان في مصر.

أحدث المشهد صدمة كبيرة للفئات الأكثر وعيا وإدراكا بخطورة التقليد الأعمى للفن على أمن واستقرار المجتمع، مقابل دفاع الفئة الأقل وعيا عن هذه الواقعة وتمجيد تفاصيلها، بل وصل الأمر حد تباهي البعض بالمسلسل بذريعة أنه ابتدع طريقة جديدة لعقاب المخطئين لن ينسوها طوال حياتهم لأنها مذلّة ومهينة لهم ودون أن تتسبب في إسالة نقطة دم واحدة.

يرى البعض من الفنانين والنقاد السينمائيين والمدافعين عن حرية التعبير، أن اتهام الفن بأنه السبب في نشر العنف يعبر عن رجعية اجتماعية، باعتبار أن الفن مرآة للمجتمع وليس العكس، لكن في الحقيقة، تظل هناك قائمة طويلة من الأعمال السينمائية والدرامية عمدت مؤخرا إلى إقناع المشاهد بأن امتلاكه النفوذ الاجتماعي مرهون بتحوله إلى بلطجي لا يحترم عرفا أو قانونا.

وإذا صحت قناعات البعض بأن الفن مرآة للواقع الحياتي، فمن الخطورة أن تعتمد دراما أو سينما العنف على تصوير جزء من الحياة الاجتماعية في أيّ بلد، وتحولها إلى قضية عامة أو ظاهرة، في حين أن شريحة كبيرة من التركيبة السكانية في البلدان العربية من الطبقة المحافظة ما زالت تتمسك بالقيم والأعراف والمثل العليا وتعظيم النماذج الناجحة وتعمل على حث أبنائها على الاقتداء بها.

قال فتحي قناوي، أستاذ علم الاجتماع وكشف الجريمة في المركز القومي للبحوث الجنائية بالقاهرة، إن وصم المجتمع بالعنف يتطلب أن يتسم سلوك 10 بالمئة من أفراده بتلك الصفة، وهذا لا يتحقق في المجتمعات العربية رغم النقلة النوعية في الجرائم التي يتم ارتكابها بين حين وآخر، بالتالي تظل حالات فردية لا يمكن تعميمها، ولا تستدعي أن يصوّر الفن أحداث العنف باعتبارها ظاهرة مجتمعية خطيرة.

كل مجتمع يحتضن الخير والشر، ومن غير المنطقي أن يصبح العنف عرفا وتقليدا راسخا يستدعي تسليط الضوء عليه بهذا الحد، وإذا كان هناك عنف ظاهر، فإن دور الفن أن يحجّمه ويبرز القيم والصفات الجمالية ويرتقي بالواقع بعيدا عن التركيز على القبح والتصرفات الفجّة وتعميمها بمشاهد وكلمات وتصرفات مسيئة تفاقم السلوكيات المشينة في المجتمع.

ويصعب في مجتمع يئن من ظاهرة الإدمان مثلا أن يبتعد الفن عن مناقشة قضية تعاطي المخدرات، لكن المتابع لتناول الكثير من الأعمال الدرامية والسينمائية في مصر تحديدا، يكتشف أنها تحتوي على مشاهد تظهر الإدمان على أنه تصرف يجلب السعادة لصاحبه، وأخرى تتناول أساليب احترافية في تهريب المخدرات بعيدا عن أعين الشرطة، في حين أن بعض الدول الأوروبية تفرض حظرا على التدخين في العمل الفني دون أن تٌتهم حكومات هذه الدول بفرض رقابة على الفن.

وأضاف قناوي لـ”العرب” أن انتقال الجرائم التي يحتويها أيّ عمل فني إلى المجتمع كارثة، خاصة عندما تكون قابلة للمحاكاة من جانب فئات كثيرة، صغيرة أو شابة أو حتى متقدمة في السن، وهو ما يفرض على الأسرة والمؤسسات التربوية المزيد من الأعباء الثقيلة لزيادة جرعات التوعية والتثقيف والتحصين من الإصابة بداء العنف أو التعاطف معه دون ارتكابه.

حياد وانحياز الفن

قوالب فنية عدوانية قابلة للتطبيق
قوالب فنية عدوانية قابلة للتطبيق

يقول رافضون للحرية الفنية المطلقة، إنه عندما يعطي الفن مبررا للعنف ويبيح ثقافة الاستقواء على الآخرين وترهيبهم وإجبارهم على تقدير واحترام كل خارج على القانون، فإن أرقام المعنفين في المجتمع مهيأة للارتفاع، ولا يمكن أمام هذه الحالة التحجج بأن الفن مسؤوليته تسليط الضوء على الظواهر المجتمعية ومناقشتها.

ويشير هؤلاء إلى أن ما ينفي عن الفن فكرة أنه انعكاس صريح للواقع أن مخرج العمل أو الكاتب ينقلان رؤيتهما الذاتية للأحداث، أيّ أنه يصعب اعتبار الفن أداة حيادية، باعتباره يتأثر بثقافة وقراءة المؤلف، فإذا كان يرى أن الشر يجب أن يكون الأقوى، يبني العمل الفني على ذلك، وإذا كان على يقين بأن الخير دائما ينتصر سوف يكرس ذلك عند الناس.

من وجهة نظر عادل السيد، وهو باحث وخبير في التنمية البشرية، فإن تكرار تعرض الأفراد في أيّ مجتمع لمشاهد العنف في الإعلام والفن، يصيبهم بحالة من تبلد الشعور والإحساس بالسلوك العدواني، ويصعب علاج ذلك خلال فترة وجيزة، بل إن التراخي في التصدي لهذه الظاهرة يكرس الاستقواء المجتمعي، وحينها يتم تصنيف كل من يسلك الطرق الشرعية لأخذ الحق على أنه ضعيف وقليل الحيلة وجبان.

وأوضح لـ”العرب” أن التركيز الفني على العنف، حتى لو كانت النوايا حسنة بأن الهدف هو البحث عن علاج للظاهرة، قد يجعل بعض الأفراد من ضعاف النفوس أكثر ميلا للتسامح مع العدوانية بكل أشكالها، وينظرون إلى أي جريمة على أنها فعل طبيعي لا يستحق الصدمة.

تظل أزمة الكثير من الأعمال الفنية التي ظهرت خلال السنوات الماضية، أنها تروّج للشر المطلق الذي لا يُهزم أمام قوة الحق والقانون، ويتضح ذلك في المسلسلات والأفلام التي يمارس فيها البطل العنف والقتل وفرض القوة على الآخرين ويجمع الثورة بطرق مشبوهة، ويمارس نفوذه وسطوته بأريحية، والأكثر من ذلك أن البطل الشرير يظهر في صورة الشخص الأكثر سعادة بين أفراد المجتمع.

ما يزيد التوترات المجتمعية بسبب الأعمال الفنية التي تروج للعنف، أن بعض المسلسلات والأفلام أصبحت تطلع الناس على طرق جديدة لارتكاب الجرائم لم يعرفوها من قبل، كأن تقوم زوجة بالانتقام من زوجها بمساعدة صديقتها في مسلسل “أيوب” عن طريق خنقه ووضع كميات كبيرة من المواد الكيمائية على جسده، حتى تتحلل كل أعضائه وتختفي معالم الجريمة، وتصبح الشرطة عاجزة عن كشف الجناة.

البلطجة مثل أعلى

يتذكر عماد حمدي، وهو معلم مصري، أنه عندما شاهد هذه الواقعة في المسلسل، شعر بالصدمة من وصول الأمر حد قيام الفن بتعليم المجتمع أحدث وسائل القتل، بدلا من تثقيفه وحثه على التسامح وإعلاء قيمة القانون والابتعاد عن القصاص الذاتي، والسعي نحو إخراجه من دائرة العنف والعدوانية والبلطجة، ومحاولة توعيته كيف يكون مجتمعا متحضرا ينبذ كل ما يخالف الأعراف والأفكار التي تهدد أمنه واستقراره.

وقال لـ”العرب” إن الشعبية التي يحظى بها الفن الذي يناقش العنف، وارتفاع نسبة الإقبال الجماهيري عليه من الفئات الشبابية أغرى الكثير من المؤلفين والمخرجين على الاستمرار في تقديم أعمال من ذات الفصيلة، ما يعكس سيطرة الفن التسويقي وتراجع الفن الراقي صاحب الرسالة، ولم تعد السينما والدراما من الأسلحة التنويرية والقوى الناعمة في المجتمع، فكانت النتيجة “خللا مجتمعيا”.

وأضاف عماد، وهو رب أسرة وباحث تربوي بالأساس، أن أزمة الشباب في بعض المجتمعات العربية تكمن في أنهم يبحثون عن القدوة والمثل الأعلى في محيطهم الاجتماعي، وعندما لا يجدونه يلجأون إلى الفن للبحث عنه، ودائما ما تركّز الأجيال الصاعدة على القدوة التي تتسم بالقوة والسيطرة والنفوذ المالي وعدم الخوف من أيّ شيء، وللأسف أصبحت الكثير من الأعمال الفنية تقدم البلطجي على أنه مثل أعلى وبطل خارق.

ما يبرهن على ذلك، أنه أضحى من النادر أن تنتهي الأفلام والمسلسلات التي تناقش قضايا العنف والبلطجة برسالة مفادها توعية وتثقيف المجتمع بأن نهاية المعتدي والخارج على القانون سوف تكون عبرة للآخرين، ولن ينجو من العقاب، كرسالة ترهيب لمن ينتهج نفس السلوك، أو يفكّر في اتخاذ شخصية عنيفة قدوة ويعتبرها مثلا أعلى في حياته وتصرفاته وعلاقاته مع الناس.

ثمة معضلة أخرى، تبدو أكثر تعقيدا وترتبط بأن هناك نوعا من الفن يقدم الشخص العنيف الذي ينتهج سلوكيات عدوانية تجاه الآخرين على أنه ضحية مجتمع، بالتالي قد يفكر الكثير من أفراد المجتمع الذين مروا بنفس ظروفه في السير على منهجه.

ويلفت البعض من الخبراء إلى أنه حتى لو تغير النهج الفني وابتعد عن التركيز على قضايا العنف والبلطجة والتمجيد في النماذج المسيئة، تظل هناك إشكالية أخرى ترتبط بكيفية حماية المجتمع من الأعمال الفنية التي تخرج عن حدود السيطرة، ويتم بثها من الخارج وتروّج للإجرام، ما يفرض على الإعلام تصدير نماذج إيجابية للأفراد وتوعيتهم كي يكونوا قادرين على التحصين الذاتي من الإصابة بداء التسامح مع العنف.

الفن رسالة إنسانية
الفن رسالة إنسانية

 

20