أبطال مهزومون

في هذا الواقع التراجيدي العربي، كيف للروائي أن يقدّم شخصياته الروائية في واقع مهزوم، وكيف يمكنه أن يصنع أبطالا لا يعرفون الضعف والهزيمة.
الثلاثاء 2018/04/10
تنميط الحياة والبشر ضمن قوالب حديدية (لوحة: إسماعيل الرفاعي)

مصطلح البطل الإيجابي والبطل السلبي في الرواية، كان يقوم على مفهوم الثنائية المتقابلة أو الضدّية. كان الأول رمزا للشخصية الثورية، والآخر نموذجا للشخصية البرجوازية. لم تسمح هذه الرؤية الثنائية بظهور شخصيات أخرى، ولذلك اختزلت الحياة والشخصية الإنسانية في نموذجين اثنين، طبقا لرؤية فكرية، كانت تحاول فرض قيمها ومفاهيمها على الحياة.

بعد التحولات الكبيرة التي شهدها العالم في بداية العقد الأخير من القرن الماضي، لم ينهزم البطل الثوري وحده، بل الأيديولوجيا التي كان يتغذّى منها فكريا وسياسيا كتاب هذه الروايات. إن هذا التنميط الأيديولوجي الذي ساد ردحا من الزمن، كان يخفي وراءه العشرات من الأبطال المهزومين داخل هذه المنظومة العقائدية، لكنه مع اختفاء أدب الأيديولوجيا اختفت هذه الأعمال الروائية، بعد أن فقدت صلاحيتها للحياة.

لم تكن الرواية عبر هذا التنميط هي الضحيّة الوحيدة لهيمنة هذه الرؤية واختزالاتها، بل كان البشر في الحياة. كانت الرواية هي تجسيد لعقيدة الاختزال وتنميط الحياة والبشر ضمن قوالب حديدية، ما جعل هذه الرواية تخفي واقعا قاسيا، سبق أن تعرّفنا إلى شخصياته الدرامية عبر العشرات من الأعمال، التي ما تزال تنبض بالحياة، وتعبّر عن روح الإنسان في لحظات قوته وضعفه.

إن محاولة تنميط هذه الشخصية ينبع من أهمية الدور الذي تلعبه هذه الشخصية داخل العمل الروائي، وفي عملية التلقي. لذلك كانت محاولة إفقار الرواية من التنوع الكبير للشخصيات، بمثابة محاولة اختزال للحياة وإفقار لها من تعدديتها وما يمكن أن ينشأ عنها من صراع، كان ممنوعا ظهوره في الواقع.

في جوائز الرواية العربية قلّما نجد حديثا عن بناء هذه الشخصية، ودورها في تنامي وتطور أحداث الرواية، وفي إغناء معرفتنا بالشخصية الإنسانية. هذه الانتباهة ما زالت بعيدة عن اهتمام القائمين على هذه الجوائز، وإذا حضرت كان حضورها عابرا.

في روايات ديستوفسكي وأرنست همنغواي وزوربا اليوناني وشرق المتوسط والسفينة والطاعون وأنا كارنينا وغيرها الكثير هل يمكن استعادة هذه الأعمال الخالدة بمعزل عن شخصياتها، وما عبّرت عنه من أفكار وقيم، ونزوع درامي كان يعكس صراع هذه الشخصيات مع ذاتها ومع شرطها الوجودي والواقعي في آن معا.

والآن وفي هذا الواقع التراجيدي العربي، كيف للروائي أن يقدّم شخصياته الروائية في واقع مهزوم، وكيف يمكنه أن يصنع أبطالا لا يعرفون الضعف والهزيمة، وهو يعاين هذه المصائر الحزينة للناس من حوله، بعد أن استفحل الاستبداد السياسي والديني، وتحوّل صوت الإنسان إلى صراخ دام، في ليل طويل. سؤال ما زالت الرواية العربية مطالبة بالإجابة عنه.

15