أبعاد إستراتيجية للعدوان على غزة

السبت 2014/07/12

بات تكرار العدوان الصهيوني على قطاع غزة المنهك والمتعب والذي يحتضن نحو مليوني نسمة، متوقعاً ومرجحا كل بضع سنوات، وذلك منذ سيطرة حركة حماس على مقاليد السلطة في غزة. حيث أطلقت إسرائيل أول حروبها في العام 2008 وترافقت حينها مع محاولات حثيثة للاجتياح البري، لكنها باءت بالفشل. ثم عادت لعدوان اقتصر على القصف المركّز في العام 2012 والذي سرعان ما توقف بفعل الوساطة العربية التركية.

وها هي اليوم تعود بقوة وبعدوانية أكبر، ولا يبدو أن عملياتها العسكرية ستنتهي بسرعة، كما نقلت صحفية بريطانية عن مصدر في الجيش الإسرائيلي، حيث أكد أن «العمليات لن تقتصر على بضعة أيام لكنها ستكون متواصلة لضرب حماس وجعلها تدفع ثمنا باهظا جدا».

وتشير وسائل الإعلام العالمية، وإسرائيل بالطبع، إلى صواريخ حركة حماس بوصفها الدافع الوحيد للهجوم العسكري على الفلسطينيين والتدمير الواسع النطاق الذي تحدثه الطائرات الحربية في قطاع غزة، والذي راح ضحيته عشرات المدنيين حتى الآن، بينهم عائلات بأكملها قضت تحت أنقاض منازلها. كل ذلك مبرر بطبيعة الحال وفق الإعلام المسيطر بسبب «إرهاب» صواريخ المقاومة الفلسطينية. إنه مجرد رد فعل على ما تكابده إسرائيل، الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، من اعتداءات متكررة من جانب الفلسطينيين الإرهابيين الذين يرومون زوالها.

تحجب تلك الإدعاءات، أن الدولة الصهيونية، وعبر تاريخها، كانت تختلق الذرائع من أجل مهاجمة الفلسطينيين، وقضم المزيد من الأراضي. لقد كان الهدف الرئيسي لكل اعتداءات إسرائيل على الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، هو إخلاء الأرض الفلسطينية من السكان. إن دفع الناس إلى مغادرة الجحيم الذي يقبعون فيه، هو ما تطلعت إليه إسرائيل على الدوام.

وبصرف النظر عن الموقف من حركة حماس، وما يمكن أن يوجه إليها من انتقادات حادة لممارساتها السابقة والحالية فضلا عن ضبابية رؤيتها السياسية، تبقى المقاومة التي تبديها بالتعاون مع بقية الفصائل والصواريخ التي يجري إطلاقها هي موضوع ثانوي في هذه القضية.

فسواء أطلقت حماس صواريخها، أم امتنعت عن ذلك إلى الأبد، فإن سياسة الكيان الصهيوني العدوانية متأصلة ولا يمكن كبح جماحها، فهي مبنية على أبعاد إستراتيجية، وليس على ردود أفعال كما قد يتوهم البعض.

يمكننا أن نضيف بعدا استراتيجيا آخر يتعلق بمخاوف إسرائيل من تحول قطاع غزة، في ظل سيطرة حركة حماس، إلى مصدر هام للطاقة مع اكتشافات جديدة لحقول من الغاز قبالة سواحل القطاع الفقير. ويقدر إنتاج تلك الحقول بنحو 1.4 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي بقيمة تتجاوز 4 مليارات دولار.

وفي هذا السياق كان وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون صريحا للغاية قبل نحو عامين عندما قال إن «أي صفقة تجارية لاستغلال الغاز في قطاع غزة من قبل السلطة الفلسطينية سوف تكون حركة حماس في صلبها. فإما أن تستفيد من عائدات الغاز أو تقوم بعمليات تخريب للمشروع عبر إطلاق هجمات ضد حركة فتح، ومنشآت الغاز، وإسرائيل».

ويتابع «يبدو واضحا أنه من دون عملية عسكرية شاملة تقتلع حماس من قطاع غزة، لن تتم أي عمليات حفر وتنقيب دون موافقة الحركة الإسلامية المتطرفة».

لا يعترف يعالون بأن أساس مخاوفه يكمن في أن يشكل الغاز الطبيعي المكتشف أساسا متينا لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ومستقلة اقتصاديا، بل يدعي بأن سبب انشغال إسرائيل بمحاولات منع استفادة الفلسطينيين من الغاز في أرضهم هو أن «عائدات بيع الغاز لن تذهب إلى مساعدة الجمهور الفلسطيني الفقير. بدلا من ذلك، وانطلاقا من الخبرة الإسرائيلية الماضية، فإن العائدات ستخصص لتمويل مزيد من الهجمات الإرهابية ضد إسرائيل».

هكذا يبدو أن الحصار المفروض على قطاع غزة منذ سيطرة حماس، والعدوان الإسرائيلي المتكرر تحت ذرائع مختلفة، هما، في جزء رئيسي منهما، لمنع أي استقرار سياسي أو اقتصادي في قطاع غزة، وللإمعان في إضعافه وإنهاكه وصولاً إلى اقتلاع حركة حماس من القطاع، والسيطرة على موارده المستقبلة.

وما من شك في أن اتفاق المصالحة بين حماس وفتح، وموافقة الولايات المتحدة الأميركية عليه، قد زادا من شكوك ومخاوف إسرائيل حول إمكانية نشوء كيان سياسي قابل للحياة. وكانت مصادر متعددة في الحكومة الإسرائيلية قد صرحت في أكثر من مناسبة خلال السنوات الماضية، بأن مخاوفها غير محصورة في حركة حماس، وإنما من احتمال أن يتمكن الفلسطينيون من تطوير مصادرهم الخاصة من الغاز، مما سيؤدي إلى تحول اقتصادي سيزيد بدوره بصورة جوهرية من قوتهم.

وفي حقيقة الأمر، فإن هدف إسرائيل على المدى المتوسط والطويل لا يقتصر فقط على منع الفلسطينيين من استغلال مواردهم الخاصة، بل يتعدى ذلك إلى السيطرة التامة على حقول الغاز قبالة سواحل غزة، وضمها إلى المنشآت البحرية الإسرائيلية المجاورة. في هذا السياق يمكن وضع الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة.


كاتب فلسطيني سوري

8