أبعاد تجربة اسرائيل الصاروخية

الأربعاء 2013/09/11

في حمأة الجدل الدبلوماسي والعسكري الغربي لتحضير الضربة العسكرية لسوريا، نفذت اسرائيل تجربة صاروخية فوق البحر الأبيض المتوسط، لها دلالاتها وأبعادها، كما لها تداعياتها المفترضة على مختلف الصعد في المنطقة. فما هي خلفياتها ورسائلها المعلنة والمضمرة؟ وهل تمكنت تل أبيب من تحقيق غاياتها المفترضة؟.

في المبدأ ثمة قراءات اسرائيلية مختلفة لما يجري في سوريا وبالتالي كيفية الاستفادة القصوى من هذا الوضع، وفي مطلق الأحوال وأيا تكن هذه القراءة، يجمع الاسرائيليون على ضرورة توجيه ضربة قاصمة للجانب الذي يهدد أمنها، وبالتالي تدمير كل القوى الاستراتيجية السورية لا سيما منها الأسلحة غير التقليدية وبالتحديد الكيميائي والبيولوجي وأيضا وسائل إطلاقها، أي الصواريخ البالستية.

لقد عمدت اسرائيل منذ حادثة «مجزرة الغوطة» وبصرف النظر عمن نفذها، إلى دفع الأمور إلى نهاياتها في المواجهة مع النظام السوري وإيجاد السبل الآيلة لقطف ثمار الحدث وفقا لمصالحها. حرّكت وسائل ضغوطها في الداخل الأميركي وخارجه، وجيّشت الإعلام وبنت كل البيئات الداعمة لإجبار واشنطن على اتخاذ القرار للبدء في العملية، وأخيرا بعدما شعرت أن الأمور بدأت تبتعد وتخرج عن نطاق سيطرتها نفذت فعلتها. فهل استفادت من هذه التجربة؟

في المبدأ، يُسجل لإسرائيل جرأتها على اقتحام الأزمات المتفجرة ومنها هذه الجزئية من الأزمة السورية، لكن الذي حدث تأكيد اسرائيل الدخول العسكري المباشر على خط الأزمة الإقليمية-الدولية القائمة ومحاولة إشعالها من باب التجربة الصاروخية على خلفية إعلامية دفاعية، وعلى قاعدة أنها المستهدف الأول عند البدء في تنفيذ الضربة العسكرية على سوريا، وهذا صحيح من الناحية العملية والواقعية، لكن النتيجة المباشرة لهذه التجربة انتهت بعد إطلاقها بأقل من دقيقة واحدة، للعديد من الاعتبارات ومن بينها، أولا الكشف المبكر جدا عن إطلاق الصاروخ من قبل موسكو، ما يعني أن الجهوزية الروسية في البحر المتوسط هي عالية جدا، وثانيا فشل اسرائيل الواضح في إنجاح عمليات التشويش على الرادارات الروسية المنصوبة جنوبا وشرقا، أي في المواقع المواجهة مباشرة للحلف الأطلسي ومجاله الحيوي في المتوسط، وثالثا تحديد موسكو لنقاط الالتقاء والافتراق بين سياستي روسيا وإسرائيل، وبخاصة في المسائل الاستراتيجية التي تعتبرها موسكو من قواعد اللعبة الأساسية في شرق المتوسط وهنا بيت القصيد.

صحيح أن العلاقات الروسية الاسرائيلية هي علاقات استراتيجية في الكثير من الملفات، وكادت هذه العلاقة تبدو أكثر وضوحا وقوة من العلاقات مع الولايات المتحدة، بفعل تأثيرات اللوبي اليهودي في موسكو من خلال ثلث اليهود المهاجرين إلى إسرائيل، لكن موسكو رسمت خلال الفترة الماضية خطا أحمرا لمصالحها الخاصة، بصرف النظر عن الرغبة الإسرائيلية في بعض الملفات ومنها الأزمة السورية.

إن تجربة الصاروخ المعلن قد أعطى اندفاعة معاكسة للغايات التي أطلقت من أجله، فهي لم تشعل فتيل الأزمة الصاروخية ضد دمشق، وفي نفس الوقت لم تتمكن القوى المواجهة من إلغائها أو التغيير في مسارات التحضير لها.

لكن القراءة السياسية للصاروخ تعطي انطباعا واضحا أن ثمة تصميم روسي على إبقاء الأزمة القائمة في مسارات يمكن السيطرة عليها، بصرف النظر عن حجم ونوعية وكيفية الضربة المفترضة ضد سوريا.

إضافة إلى ذلك، وبصرف النظر إذا نفذت الضربة أم لا، ثمة وقائع ونتائج قد حصلت وهي موازية تقريبا لنتائج ضربة تقليدية رمزية ولو لم تحصل، وهنا تكمن خطورة القضية أيضا، للعديد من الاعتبارات والأسباب، من بينها أن كل طرف سيدعي أنه المنتصر في هذه اللعبة وسيبني مواقفه على هذا الأساس مما سيؤدي إلى مواقف أخرى تزيد الأمور تعقيدا، والخاسر الأكبر في هذه العملية هو الشعب السوري بمختلف فئاته واتجاهاته.

وثانيا القضاء على أي أمل في حل سياسي للأزمة السورية كجنيف 2 أو غيره، وثالثا التأكيد مرة أخرى أن العرب مجتمعين لم يعد لهم أي دور في الحل والعقد في المنطقة، وبات القرار بيد فاعلين إقليميين ودوليين أقوياء يقررون ما يجب أن نفعله وماذا يجب أن لا نفعله.

إن تجربة اسرائيل الصاروخية ليست سابقة في تاريخها العسكري، وقد اعتادت تل أبيب القيام فيها في غير مناسبة وظرف سياسي وعسكري، إلا أن الملفت فيها هذه المرة سرعة تنصل الكثيرين منها بعد الإعلان عنها، في مقابل التوضيح الاسرائيلي إعلاميا لا عمليا. ما يثير مخاوف جدية مستقبلية حول منطقة هي أشبه بفوهة بركان على قاب قوسين أو أدنى من الانفجار.

سخرية القدر أن يبقى أمننا العربي بيد غيرنا، صواريخ نهدد بها ولا يحق لنا حتى مناقشة الأمر لمعرفة أين ومتى وكيف، وغريب المفارقات في وضعنا المزري، أننا نهلل ونكبر لانتصارات وهمية على قاعدة تخفيف حجم الضربة ونوعيتها، في الوقت الذي يحصد غيرنا نتائج الضربة وإن لم تقع ومنهم اسرائيل التي جرّبت صاروخا ربما في المعنى العسكري يعني بعض الشيء، لكنه في السياسة يعني الكثير وهو ما تعوّدنا على تلقيه لا كفعل بقدر ما هو رد فعل، انها مأساة فعلا.


كاتب لبناني

9