أبعد من أسعار النفط

الأربعاء 2015/08/19

بدا التقرير الذي نشرته صحيفة التلغراف البريطانية مثيرا، السعودية ستواجه خلال عامين أزمة مالية بسبب ارتفاع النفقات وانخفاض أسعار النفط، وستواجه أزمة وجودية بين أواخر العقد الراهن ومطلع العقد القادم، بسبب انخفاض كلفة النفط الصخري.

والحقيقة أن مصطلح “أزمة وجودية” دقيق جدا، فالثروة النفطية استخدمت خلال العقود الماضية في عملية التنمية التي أضعف الفساد أثرها، واستخدم أيضا لتدوير التناقضات الداخلية، ودرء المخاطر الخارجية، ومساعدة الآخرين.

ما تحدثت عنه التلغراف بديهي جدا، فالنفط كثروة ناضبة يوما ما سينتهي، وإذا لم ينته قد يفقد قيمته ودوره كما حصل مع الفحم والبخار في زمن سابق، والاختلاف على توقيت حدوث ذلك مجرد تفصيل.

لقد واجهت السعودية أزمات صعبة وتجاوزتها بنجاح، كالصراع مع المد الناصري، وتداعيات أحداث 11 سبتمبر والإرهاب، وأخيرا موجة الربيع العربي، لكن كل الأزمات السابقة لم تمس وجود الكيان، فما زالت الدولة تتمتع بسلاحيْن فاعليْن، النفط ثم الدين، وإذا فقدت سلاح النفط لن يعود للدين جدوى، وستواجه أزماتها عارية اليدين.

كان من الواجب التفكير في هذه اللحظة الخانقة منذ زمن بعيد، وللأسف فإن الحديث عن الإصلاح الاقتصادي في المملكة إنشائي وبديهي، لأنه يعكس أزمة أساسيات وأبجديات يبدو الحديث عنها مضيعة للوقت، فأي دولة ريعية تعتمد على النفط كمصدر دخل جوهري وأساسي من الواجب عليها أن تفكر في تنويع مصادر الدخل والطاقة، وأن تقدس حماية المال العام واستثماره للأجيال المقبلة.

إن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية، الذي أسسه الملك سلمان ويرأسه ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هو الجهة المسؤولة أمام المواطنين عن هذا الملف برمته، وليس هناك أفضل من المصارحة والشفافية إلا التفكير في المستقبل بصوت مسموع. كانت أولى القرارات الملكية في العهد الجديد إعادة صياغة وضع أرامكو الإداري، بمنحها مزيدا من الاستقلالية تحت قيادة ولي ولي العهد، لكن السؤال المحوري اليوم: كيف ستكون صياغة المملكة كلها بعد أرامكو؟

لست خبيرا في الاقتصاد، لكن سؤال أي خبير اقتصادي أو نفطي عن شكل الميزانية السعودية من دون الدخل النفطي أكثر من مرعب، والمسألة ليست مجرد مصروف يتجاوز الدخل والاحتياط الذي بدأ يتآكل فعلا، إنما تتعداها إلى هيبة الدولة ونجاعتها.

في يوم قريب أو بعيد ستتحقق المخاوف التي سنّتها الحياة، وحينها ستكون المملكة أمام التحدي الأكبر والأخطر في تاريخها، لن تفيدَ أكاذيب الإعلام، ولا مدائح المنافقين والمنتفعين، سيواجه النظام السعودي ظل مسيرته التي بناها خلال عقود خلت بلا تزييف أو مجاملة، ولا مكان لبذور الاستقرار والاستمرار إلا في تربة وطنية خصبة وحاضنة.

إذا نظرنا إلى الموضوع بتفاؤل ورددنا الآية الكريمة “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”، قد يكون للاهتزاز النفطي أثر إيجابي، فشح الأموال لن يتيح إسكات الغاضبين والمعترضين أو إغواءهم، ولن يسمح بترف تجاهل الشكوى والأفكار، وحينها ليس هناك من حل غير الإصلاح، وليته قبل فوات الأوان.

كاتب سعودي

9