أبعد من الدموع والمسرات: ديريك والكوت صوت الكاريبي

الأحد 2014/08/03
ديريك والكوت يفكر ويكتب بلغة ويمشي بلغة أخرى

ليست القصيدة، لدى ديريك والكوت، مجرّد كلمات فحسب، بل هي “صلاة”، ونداء جوّاني، حيث “يشعر الجسد بأنه يذوب في ما قد رآه”، وتصبح “الأنا” مجرد شيء ثانويّ، فائض عن الحاجة. تصبح القصيدة-الصلاة هي النشوة التي تجتاح كينونة الشاعر، وتعرج بها وراء التاريخ والمكان واللغة. هي، إذن، قصيدة البركة والتحوّل والعرفان، وفق الإشارة الييتْسيّة ذاتها. قصيدة لا “تُجدّد الهويّة”، وإنما “تجدّد اللاّمُسمّى”، وتجدد الغافل الذي لا يتحقق إلّا بالصمت.

ولد والكوت بجزيرة سانت لوسيا، وهي مستعمرة بريطانية قديمة، في جزر الهند الغربيّة، في العام 1930. في الرابعة عشرة من عمره، ينشر أولى قصائده، صوت سانت لوسيا، في الصحافة المحليّة. وهي قصيدة دينيّة، ذات نفَس ميلتونيّ، تدعو إلى معرفة الله عن طريق الطبيعة، وليس عن طريق الكنيسة. أغضبت القصيدة أحد القساوسة الإنكليز الكاثوليك، فكتب ردًّا شعريًّا منظومًا إلى ذات الصحيفة، واصفًا القصيدة بأنها “تجديف” ميثوديّ. ثم، وبعد خمس سنين، وهو لا يزال في التاسعة عشرة، يستدين مئتي دولار من والدته، ليطبع مجموعته الشعريّة الأولى، 25 قصيدة، ويوزّعها بنفسه على الأصدقاء، وفي زوايا الشوارع.

ورغم افتنان والكوت باللغة الإنكليزية، (لغة المستعمِر)، إلّا أنه لا ينظر إلى نفسه بوصفه شاعرًا يكتب ضمن “التقليد العظيم” للشعر الإنكليزي. بل على العكس، فهو يعدّ نفسه كاتبًا كاريبيًّا بامتياز. فاللغة الإنكليزيّة، على حدّ قوله، ليست حكرًا على أحد. “إنها ملكيّة المخيّلة؛ إنها ملكيّة اللغة ذاتها”.

واقعًا تحت تأثير تي. إس. إليوت وعزرا باوند، يكتب والكوت أشعاره اللاحقة. وفي مرحلة متأخرة تحت تأثير روبرت لويل وإليزابيت بيشوب.

وفي العام 1962، يظهر عمل والكوت المهم، “في ليل أخضر”، وهو العمل الذي كرّسه شاعرًا. في هذه القصائد، التي كتبها والكوت بين 1948-1960، يحتفي بالكاريبي وتاريخه، مستجليًا الجروح والندب العميقة التي أحدثتها الكولونيالية وما بعدها؛ ليس في الروح الكاريبيّة فحسب، وإنما في لغتها أيضًا، حيث يشعر الكاريبيّ بأنه “يفكّر بلغة ويمشي بأخرى”.

وفي العام 1990، يكتب “أوميروس”؛ وهي قصيدة ملحميّة تستلهم بعض شخوصها من إلياذة هوميروس. نال الكتاب احتفاءً نقديًّا عظيمًا، واختارته “النيويورك تايمز ريفيو أف بوكس” أفضل كتاب ينشر في ذلك العام. ثم، وفي العام 1992، ينال جائزة نوبل في الأدب، عن مجمل أعماله، فكان أوّل كاتب كاريبيّ ينال هذه الجائزة الرفيعة. وفي العام 2010، ينال جائزة تي. إس. إليوت في الشعر عن كتابه، طيور بلشون بيضاء. من كتبه الأخرى: حياة أخرى (1973)؛ عنب البحر (1976)؛ مملكة النجمة التفاحة (1979)؛ منتصف الصيف (1984)؛ المُسرِف (2004).


قصب البحر


نصفُ أصدقائيَ ماتوا.

سأوجدُ لكَ أصدقاءَ جُددًا، قالتِ الأرضُ.

كلّا، أعيدهم إليَّ ثانيةً، مثلما كانوا،

بأخطائهم، وكلِّ شيءٍ، صرختُ.

أستطيعُ اللّيلةَ اختطافَ كلامهم

من طنينِ الزّبدِ الشّاحبِ

في القصبِ، لكنّني لا أستطيعُ المشيَ

على حشائشِ المحيطِ التي نوّرها القمرُ

أسفلَ تلك الطّريقِ البيضاء وحيدًا،

أَوْ أطفو معَ الحركةِ الحالمةِ

لبوماتٍ تتركُ عبءَ الأرضِ.

أيّتها الأرضُ، عددُ الأصدقاءِ الذينَ تُبقينهم

يفوقُ الذينَ تركتِ كي أُحبَّ.

قصبُ البحرِ قربَ الأجرافِ يلمعُ أخضرَ، فضيًّا؛

كانَ القصبُ رماحَ إيمانيَ السَّرافيّةَ،

ولكنْ، خارجَ ما هو ضائعٌ، يشتدُّ شيءٌ

لَهُ سَنا الحجرِ المتّزنُ،

يكابدُ ضوءَ القمرِ، أبعدُ من اليأسِ،

قويٌّ كالرّيحِ، وإذْ يفرّقُ القصبَ

يعيدُ الذين نحبّهم أمامنا، مثلما كانوا،

بأخطائهم وكلِّ شيءٍ، ليسَ أنبلَ، هناكَ، ليسَ إلّا.


نهايات


لا تنفجرُ الأشياءُ،

إنّها تضعفُ، إنّها تخبو،

كأشّعةِ الشّمسِ تتلاشى من الجسدِ،

كالزّبدِ يتلاشى في الرملِ سريعًا

حتّى إنّ وميضَ برقِ الحُبِّ

لا نهايةَ راعدةً لَهُ،

إنّه يموتُ بصوتِ

الأزهارِ التي تذوي كالجسدِ

منَ الحجَرِ الإسفنجيِّ المُتعرّقِ،

كلُّ شيءٍ يُشكّلُ هذا

حتّى نُتْرَكَ

معَ الصّمتِ الذي يطوّقُ رأسَ بيتهوفن.


التأهب للمنفى


لِمَ أتخيّلُ موتَ ماندلشتام

بينَ أشجارِ جوزِ الهندِ المُصفرّةِ،

لِمَ تنظرُ موهبتي للتوّ من فوقِ كتفيها

باحثةً عن ظلٍّ يملأُ البابَ

ويمرّر هذي الصّفحةَ في الكسوفِ؟

لِمَ يزدادُ القمرُ مصباحاً-قوساً

وتُهيّئُ لطخةُ الحبرِ نفسَها على يدي، كي تضغطَ الإبهامَ نزولاً،

أمامَ رقيبِ شرطةٍ يهزُّ كتفيهِ؟

ما العبقُ الجديدُ في الهواءِ

الذي كان مرّةً مالحاً، العبقُ الذي فاحَ كالزّيزفون في الفجرِ،

وقطّتي، أعرفُ أنّي أتخيّلها، تقفزُ من دربي،

وعيونُ أطفالي تبدو للتوّ كالآفاقِ،

وجميعُ قصائدي، حتّى هذهِ، ترغبُ بالتّواري؟

القصيدة- الصلاة هي النشوة التي تجتاح كينونة الشاعر، وتعرج بها وراء التاريخ والمكان واللغة


نشيد آدم


الزّانيةُ التي رُجمت حتّى الموتِ

قُتلتْ في زماننا

بالهمساتِ، وبالأنفاسِ

التي غشّتْ جسدها بالوحلِ.

الأولى كانت حوّاءُ،

التي بَوَّقَتْ للهِ من أجلِ الأفعى،

كُرمى لآدم- والتي تجعلُ

كلّ واحدٍ مذنباً أو حوّاء بريئةً.

لم يتغيّر شيءٌ،

فالرّجالُ ما زالوا يغنّون نشيدَ آدم

ضدّ العالمِ الذي ضيّعه للأفاعي الخبيثةِ،

النّشيدَ الذي غنّاهُ لحوّاءَ

ضدّ لعنتهِ هُوَ؛

غنّاهُ في مساءِ العالمِ

بالأضواءِ وهيَ تهبطُ في عيونِ

فهودٍ في المملكةِ الهادئةِ

وموتُهُ يخرجُ من الأشجارِ،

لقد غنّاهُ، مرتعداً

من غيرةِ اللهِ ومن ثمنِ

موتهِ.

صعدَ النّشيدُ إلى اللهِ الذي مسحَ عينيهِ:

"يا قلبي، أنتِ في قلبي كما يصعدُ الطّائرُ،

يا قلبي، أنتِ في قلبي حينَ الشّمسُ تنامُ،

يا قلبي، تستلقينَ فِيَّ ساكنةً كما النّدى،

وتنتحبينَ فِيَّ، كما ينتحبُ المطرُ".


حب بعد حب


سيأتي الوقتُ

حينَ، بنشوةٍ عارمةٍ،

تُحيّي نفسكَ أنَ تحلُّ

ببابك، في مرآتكَ،

فتبتسمانِ على تحيّةِ الآخرِ.

ثمّ تقولُ: اِجلسي هُنا. وكُلِي.

ستحبُّ، مرّةً أخرى، الغريبَ الذي كان نفسكَ.

اِمنحْ نبيذاً. امنحْ خبزاً. أعد قلبكَ

إلى نفسهِ، إلى الغريبِ الذي أحبّكَ

طيلةَ حياتكَ، والذي تجاهلتَهُ

من أجلِ آخرَ، والذي يعرفكَ عن ظهرِ قلبٍ.

خُذ رسائلَ الحبّ من رفِّ الكتبِ،

الصّورَ، المُدوّناتِ اليائسةَ،

وقشّر صورتكَ من المرآةِ.

اِجلسْ. ثمّ اقْتَتْ على حياتك.


أغسطس معتم


مطرٌ مديدٌ، حياةٌ مديدةٌ كالسّماءِ المتورّمةِ

لِأغسطسَ الأسودِ هذا. أُختيَ، الشّمسُ،

تتأمّلُ في غرفتها الصّفراءِ ولا تخرجُ.

كلُّ شيء يمضي إلى الجحيمِ؛ الجبالُ

يطيرُ منها الدّخانُ كغلاّيةٍ، والأنهارُ تفيضُ؛

لكنّها لن تصعدَ وتطفئَ المطر.

هي في غرفتها، تلاطفُ أشياءَ قديمةً،

قصائدي، وتقلّبُ ألبومها. حتّى وإن سقطَ الرّعدُ

كانحطامِ آنيةٍ من السّماءِ،

هي لا تخرجُ.

ألا تعرفينَ بأنّي أحبّكِ لكنّني يائسٌ

من تقويمِ المطرِ؟ لكنّني أتعلّمُ، على مهَلٍ،

أن أعشقَ الأيّامَ المعتمةَ، التّلالَ التي ينبعثُ منها البخارُ،

الهواءَ ببعوضٍ ثرثارٍ،

وأن أرشفَ دواءَ المرارةِ،

حتّى- حينَ تبزغينَ، يا أُخيّةُ،

وأنتِ تفرّقينَ خرزَ المطرِ،

بجبينكِ الأزهارِ وعينيكِ الغفّارتينِ-

لن تكونَ الأشياءُ مثلما مضى، لكنّها حقًّا ستكونُ

(وتعرفينَ بأنّهم لن يتركونني أُحبُّ

مثلما أرغبُ)، لأنّني، حينئذٍ، قد تعلّمتُ،

يا أُخيّةُ، أنْ أعشقَ الأيّامَ المعتمةَ كالأيّامِ المشرقةِ،

المطرَ المعتمَ، والتّلالَ البيضاءَ، حينَ عشقتُ

ليسَ إلّا سعادتي وأنتِيَ قَبْلُ.

منتصف الصّيف، توباغو

شواطئُ واسعةٌ مرجومةٌ بالشّمسِ.

حنطةٌ بيضاءُ.

نهرٌ أخضرُ.

جسرٌ،

نخيلٌ أصفرُ مسفوعٌ

من البيتِ النّائمِ في الصّيفِ،

ينعسُ في أغسطس.

الأيّام التي أبقيتها،

الأيّام التي ضيّعتها،

الأيّام التي تكبرُ، كبناتٍ،

على ذراعيّ السّاترتينِ.


ليمون يوم الأحد


ليمونٌ مستوحشٌ، تشبّثْ

جيّدًا، في طاسكَ الأرضِ،

بالضّوءِ على جسدكَ المُرِّ،

دَعْ لوهجِ ليمونةٍ

أن يكونَ كلَّ درعكَ

في هذا الأحدِ العاري،

ضوؤكَ الجامدُ

يطفرُ خارجَ دروعِ التّفاحِ

التي لشدّة واقعيّتها، تبدو شمعيّةً،

تقاسم صمتكَ الحامضَ

مع تذكُّرِ هذي المرأةِ

لأيّامِ آحادِ ثمرةٍ أخرى،

حتّى تكبرَ،

محتشدًا، كتيبةَ خوذٍ

تهيّاتْ لأيِّ شيءٍ،

في مدنٍ سداسيّةٍ حيثُ ماتَ

النّحلُ، بلا أيِّ سوءٍ، من أجلِ الحلاوةِ،

ستكونُ مصابيحكُ آخرَ من يذهبُ

على هذهِ الطّاولةِ الصّقيلةِ

هذا الأحدِ، الذي يطلبُ

أكثرَ من إيمانِ الشّموعِ

أكثرَ من فاتحينَ مُخوّذينَ

يموتونَ كالنّحلِ، يضاعفونَ

الذّكرياتِ في رأسها الذّهبيِّ؛

حينَ يخبو الأصيلُ

في النّيليِّ، دَعْ مصابيحكَ

تتشبّثُ، في طاسِ هذي الأرضِ

المعتمةِ، بحياةٍ ساكنةٍ، ولكنّها حياةٌ

أبعدُ من الدّموعِ أو مسرّاتِ

النّدى، رطوبةِ النِّيُون الجذلى

للمساءِ الذي يُغشّي

شكلَ هذي المرأةِ المستلقيةِ،

ليمونةٍ، ليمونةٍ، مصباحٍ بلا لهيب.

15