أبعد من صدام بين الهندوسية والإسلاموية

المقارنة بين التعابير القومية المتشددة المشحونة سياسيا والتعبيرات المحافظة المتطرفة للأديان المتنوعة تكتسب أهمية إضافية في عالم شهد ظهور قادة حضاريين.
الثلاثاء 2021/09/21
القومية الدينية تفاقم التحديات

واشنطن- يثير الجدل حول مؤتمر “تفكيك الهندوتفا العاملة” الأخير الذي استهدف تعبيرا مشحونا سياسيا عن القومية الهندوسية أسئلة تتجاوز السياسات التمييزية ضد المسلمين لحكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والحزب الحاكم.

ويسلط المؤتمر والردود عليه الضوء على التدهور المنهك في العقدين الماضيين، لاسيما منذ 11 سبتمبر، في معايير التحضر والآداب التي تعرض النقاش المدني والذكاء والبناء للخطر وتسمح بالتعبير عن المواقف العنصرية والمعادية للإسلام ومعاداة السامية بجعلها التيار الرئيسي.

وأصر منظمو المؤتمر الذي شاركت في رعايته 53 جامعة أميركية، بما في ذلك هارفارد وستانفورد وبرينستون وكولومبيا وبيركلي وجامعة شيكاغو وجامعة بنسلفانيا وروتجرز، على التمييز بين الهندوسية والهندوتفا، أي مفهوم مودي للهندوسية، والقومية التي تمكن من التمييز ضد 200 مليون مسلم في الهند والاعتداء عليهم.

وفشل التفريق في إقناع المنتقدين الذين اتهموا المنظمين بالهندوفوبيا. واتهم البعض صياغة المؤتمر بإظهار انتشار الفكر الجماعي في الأوساط الأكاديمية وعدم الرغبة في معالجة ظواهر مماثلة في الديانات الرئيسية الأخرى، لاسيما الإسلام.

دوغلاس لندن: مودي يساعد من خلال القمع، بشكل أساسي، في تجنيد الجهاديين

ويبدو أن الحملة ضد المؤتمر نظّمتها في الغالب منظمات في الولايات المتحدة لها صلات بجماعات قومية هندوسية يمينية متشددة في الهند، بما في ذلك التي لها تاريخ من العنف. وهدد أشد منتقدي المؤتمر بالعنف ضد المتحدثين وأسرهم مما دفع بعض المشاركين إلى الانسحاب منه.

وأشار معارضو الإسلام السياسي إلى أن الأكاديميين الغربيين لم ينظموا مؤتمرا مشابها حول تسييس الدين على الرغم من قيام دول قوية مثل الإمارات والسعودية ومصر بممارسة ضغوط على العواصم الغربية ضد جماعة الإخوان المسلمين وأنصارها الأتراك والقطريين رغم نجاحات ملحوظة في فرنسا والنمسا وبلجيكا وبريطانيا.

وكان من المحتمل أن تكون الأوساط الأكاديمية مترددة في التعامل مع الإسلام السياسي لأن الإسلاموفوبيا تبقى أكثر انتشارا من الهندوفوبيا.

كما أن تصورات الإسلام السياسي تبقى أكثر تعقيدا. فكثيرا ما يحدث خلط بين الإسلام والتعبيرات السياسية وتفسيرات العقيدة التي تتراوح من التعصب والمحافظة إلى الليبرالية والتسامح. كما أنها تجمع بين الجماعات التي تلتزم وتحترم العملية الانتخابية وتلك التي تدعو إلى الجهاد العنيف.

وأعلن العلماء والمحللون نهاية ذروة الإسلام السياسي مع الإطاحة في مصر سنة 2013 بمحمد مرسي، عضو الإخوان المسلمين، الذي انتخب رئيسا في أول انتخابات حرة ونزيهة في مصر.

وتراجع بشكل أكبر مع الانتكاسات التي حدثت هذا العام لاثنين من أكثر الأحزاب السياسية الإسلامية اعتدالا في تونس والمغرب، فضلا عن التلميحات إلى أن تركيا قد تقيد أنشطة الإسلاميين العاملين في المنفى من إسطنبول.

وهناك انتقاد أكثر جوهرية لتأطير المؤتمر وهو فشله في وضع الهندوتفا في سياق أوسع. ويتضمن هذا السياق تقويض التماسك الاجتماعي للمجتمعات المكونة من جماعات عرقية ودينية متنوعة منذ هجمات 11 سبتمبر التي قادها أسامة بن لادن على نيويورك وواشنطن.

وأدت الهجمات إلى صعود القومية المتطرفة والتعبيرات المسيّسة عن التيار الديني المحافظ المتطرف، بما يتجاوز العالم الهندوسي ويمتدّ إلى الديانات الكبرى الأخرى.

ويشمل ذلك الإسلام المحافظ المُسيَّس المتطرف، والتبشير المُسيَّس والقومية البوذية. وتتشكل القومية الدينية اليمينية في إسرائيل، على عكس الإسلاموية والتبشير المسيس، من خلال القومية المتطرفة بدلا من النزعة المحافظة المتطرفة.

وغالبا ما تعزز عوالم القومية الدينية المتطرفة والتعبيرات السياسية عن التيار المحافظ المتطرف بعضها البعض.

وينطبق تقييم العالمة المختصة في شؤون التطرف، سينثيا ميلر إدريس، لتأثير هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة على الهند أو أوروبا أيضا.

وحددت أنه في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أدى ظهور الجهاد العنيف إلى إعادة تشكيل السياسة الأميركية بطرق خلقت أرضا خصبة للتطرف اليميني.

وكانت الهجمات هدية لمروّجي كراهية الأجانب، والتفوق الأبيض، والقومية المسيحية: فبينما كان الأجانب المسلمون غير البيض مصممين على قتل الأميركيين، بدا أن إرهابيي القاعدة وأمثالهم قد خرجوا من حلم “حمى اليمين المتطرف”. ورأت أن المخاوف التي كان اليمين المتطرف يحاول تأجيجها لعقود انغرست في الولايات المتحدة والدول الأوروبية بين عشية وضحاها.

وتكتسب المقارنة بين التعابير القومية المتشددة المشحونة سياسيا والتعبيرات المحافظة المتطرفة للأديان المتنوعة أهمية إضافية في عالم شهد ظهور قادة حضاريين.

هزيمة طالبان أدت لقوة عظمى إلى تنشيط الإسلاميين المتشددين، فضلا عن أنصار الهندوتفا، مع اكتساب الروايات المعادية للإسلام التي نسجها أتباع مودي دعما جديدا

ويعزو السياسي سومانترا بوس صعود القومية الدينية في الدول غير الغربية مثل تركيا والهند إلى حقيقة أنها لم تتبن أبدا المبدأ الغربي لفصل الدولة عن الكنيسة. وبدلا من ذلك، فقد أسست علمانيتها على مبدأ تدخل الدولة وتنظيم المجال الديني. ونتيجة لذلك، يتناسب رفض العلمانية في تركيا والهند مع اتجاه عالمي يدمج الهوية الدينية المهيمنة بالهوية الوطنية.

وتشير سارة كمالي، وهي مؤلفة كتاب نُشر مؤخرا يقارن القوميين البيض المتشددين بالإسلاميين المتشددين في الولايات المتحدة، إلى أنماط مماثلة أثناء رسم أوجه التشابه بين معارضي الأجانب من اليمين المتطرف والإسلاميين المتشددين.

وحددت تشابه “شعور الإسلاميين المتشددين بكونهم الضحية مع نظرائهم من القوميين البيض بحيث يتم بناؤه واستغلاله لتبرير عنفهم.. يستهدف كلاهما.. أميركا بغرض الادعاء بأن الأمة هي وطنهم وحدهم، إما كدولة عرقية بيضاء أو كجزء من خلافة عالمية”.

وبالمثل، أدت هزيمة طالبان لقوة عظمى إلى تنشيط الإسلاميين المتشددين، فضلا عن أنصار الهندوتفا، مع اكتساب الروايات المعادية للإسلام التي نسجها أتباع مودي دعما جديدا مع التأكيد على أن الهند كانت محاصرة من الدول الإسلامية التي تستضيف متطرفين دينيين.

وقال دوغلاس لندن، الذي كان رئيس مكافحة الإرهاب في وكالة المخابرات المركزية الأميركية في جنوب آسيا وجنوب غربها حتى 2019 “يساعد مودي بشكل أساسي في تجنيد.. الجماعات الجهادية من خلال اتخاذ مثل هذا الخط الصارم والقمعي ضد الجالية الإسلامية في الهند، والتي يُفرض عليها الآن النظر إلى نفسها على أنها ضحية قمع”.

12