أبل تتوقف عن "مبدأ كوكاكولا" وتبدأ ببيع الشمبانيا

بدأ عملاق التكنولوجيا أبل في التركيز على شرائح العملاء المستعدين لدفع مبالغ أكبر من أجل الحصول عل منتجات الشركة، التي تسعى في نفس الوقت للحفاظ على عمودها الفقري من الشباب ومدمني التكنولوجيا التقليديين.
الثلاثاء 2017/04/25
صراع من أجل "ابتلاع" الجمهور

لندن- تتجه شركة أبل لإنهاء سنوات من طرح نفسها بصيغة “شركة الشعب” التي تستهدف كل الفئات والأعمار بهدف الاستحواذ على أكبر حصة من سوق الهواتف الذكية وأجهزة الكومبيوتر اللوحي.

وعلى مدار عقد حاولت أبل أن تهيمن على سوق التكنولوجيا، وتمكّنت من تحقيق مبيعات هائلة، إذ يمكن للأغنياء والفقراء والمسؤولين والعامة الحصول على ما يناسبهم من الهواتف وأجهزة الكومبيوتر اللوحي من أبل.

وعلى عكس عملاق التكنولوجيا الكوري سامسونغ، استهدفت أبل أيضا الأغنياء. وحرصت سامسونغ في الوقت نفسه على التركيز على شرائح الشباب ومتوسطي الحال الذين لا يستطيعون شراء هاتف ذكي بتكلفة مرتفعة.

وفي إنتاجها لعائلة هواتف “نوت” كافحت سامسونغ للحفاظ على الأسعار المنخفضة لهواتفها مقارنة بهواتف أبل، بينما سعت، في نظام التشغيل الخاص بها “أندرويد”، لمنافسة أبل على الإمكانيات التكنولوجية والمزايا التي يقدمها نظام أبل للتشغيل “أي أو آس”. وقالت جيمي ميني، مديرة قسم التسويق في شركة “سلايز انتل”، إن “سياسة أبل بالتوسع واستهداف كل الطبقات سياسة ناجحة للغاية”.

وأضافت “الشائع الآن هو أن منتجات أبل صارت في يد مستخدمين على الجانب البعيد من منحنى التبني (نظرية قياس في عالم التسوق)، بينما لا تزال هذه المنتجات تحظى بشعبية واسعة بين الجمهور الذي يمثل العمود الفقري للشركة.. الشباب ومدمنو التكنولوجيا”.

مبدأ كوكاكولا

يمكن تشبيه فلسفة شركة أبل بمقولة فنان البوب الأميركي الشهير آندي وارهول عن “كوكاكولا” في سبعينات القرن الماضي في صفحات سيرته الذاتية. وقال وارهول إن “أعظم شيء يمكن أن يجده المرء في أميركا هو أن الأغنياء والفقراء يشترون نفس الشيء. يمكنك أن ترى كوكاكولا أثناء مشاهدتك للتليفزيون وأنت تعلم جيداً أن الرئيس يشرب كوكاكولا، وأن ليز تايلور(فنانة بريطانية أميركية) تشرب الكوكاكولا، وحتى أنت يمكنك أن تشربها. ومهما اختلفت أسعار المنتجات الأخرى تبقى الكوكاكولا كما هي، بنفس السعر، حتى أنك تراها في يد المتسكعين ليلاً في أحد الأركان”.

وبدأت شركة أبل تحاكي “مبدأ كوكاكولا” في عالم التكنولوجيا، لكن ليس مثل شركة سامسونغ التي تتمتع بتفرعات كثيرة في خطوط إنتاجها. فبدلا من ذلك، تقدم أبل عرضا بسيطا جدا وهو أفضل هاتف أو جهاز لوحي يمكن أن تنتجه أو أنتجته بالفعل في العام الماضي.

ويقول محللون متخصصون في التكنولوجيا إن نظرة أبل هي أكثر من مسألة مبدأ. فمن ناحية العلامة التجارية، تجد أن كل هاتف محمول يحمل علامة أبل يعدّ أفضل هاتف في العالم.، إذ لا يحتاج أحد أن يخجل من أن يحمل هاتف آيفون بيده في مكان عام، وهذه هي النظرية التي تريدها شركة أبل في الاستمرار.

ومن الناحية الأخرى، تجد أن شركة أبل تحظى باقتصاد تكنولوجي ضخم وتحقق مبيعات قياسية لهواتفها بسبب تشابه معظم طرز أجهزتها في نظام تشغيل أساسي واحد. ولكن في الواقع واجهت الشركة في بعض الأحيان الأخرى خسائر وخللاً في حجم اقتصادها، إذ كانت طوال الوقت محاصرة بقلة عدد المتعهدين (الشركات المسؤولة عن صنع الأجزاء الصغيرة من هاتف أيفون وأجهزة آيباد) الذين تتعامل معهم.

وبعدما أقدمت الشركة على شحن منتجات العام الماضي وطرحها في الأسواق، تمكّنت بسرعة من زيادة هامش الربح، وهو ما سيساعد على اسكات الانتقادات التي وجهها كثيرون للبطء المتزايد في عملية الانتاج للعام الثاني على التوالي.

نخبوية الشركة تجبرها على الاحتفاظ "بالجودة فوق الكم"

ورغم ذلك تعرّضت تلك الفلسفة لضغوط متزايدة في العامين الماضيين، إذ واجهت شركة أبل ضغوطا معارضة لمسار خطوط إنتاجها. حيث كان على الشركة إنتاج هواتف بأسعار معقولة لعملائها البسطاء، وذلك على غرار رغبتها الدائمة في زيادة قاعدة المستخدمين الخاصة بها تماما مثل أي شركة أخرى. ولكن على الجانب الآخر، أظهر إنتاج هاتف آيفون بلاس كيف أن بعض العملاء على استعداد لدفع مبالغ باهظة لشراء أجهزة الهاتف الأحدث والأفخم.

ويقول أليكس هيرن، محلل التكنولوجيا في صحيفة الغارديان البريطانية، إن “شركة أبل قد سئمت من تطبيق “مبدأ الكوكاكولا” وتريد الآن أن تبيع أجهزة باهظة الثمن، مع الحفاظ من الناحية الأخرى على مستوى الفخامة والرفاهية لمن هم قادرون على دفع الثمن”. ولكن يأتي السؤال هنا: كيف ستحافظ شركة أبل على إنتاج وبيع أجهزة باهظة الثمن وفي نفس الوقت لا تفقد فرصتها للتوسع بين عملائها البسطاء؟

أبل تتخلى عن البسطاء

للإجابة عن هذا السؤال بدأت شركة أبل بعمل بعض التقسيمات في خطوط إنتاجها، حيث ظهر أولا جهاز الكومبيوتر اللوحي آيباد ميني، الذي أصبح وقتها أفضل جهاز لوحي تم إنتاجه على مدار السنوات الماضية. ثم ظهر هاتف آيفون فايف سي ليكون أول جهاز يدعم الميزانية المتوسطة للمستخدمين، وتبعه بعد ذلك آيفون إس إي بنفس النمط.

وقدّمت تلك الأجهزة الإمكانيات المناسبة لمن هم قادرون على تحمل تكلفة عالية، ولكن ظل “مبدأ كوكاكولا” قائما كما هو. أما الآن، فثمة تغيير كامل في الخطة الجديدة. ويقول تومي بيرنز، المحلل المتخصص في التسويق في مجموعة “ماتريكس” للتسويق، إن “أبل بدأت الدخول إلى السوق عبر استهداف الجموع التقليدية، ورغم ذلك بدأت الشركة مؤخرا في استهداف جمهور أكثر نضجا”.

وأضاف “أبل مستمرة على النموذج الأشهر “الجودة فوق الكم” من خلال منتجاتها الشهيرة وخياراتها الخدمية المتعددة”. وأطلقت شركة أبل هذا العام كومبيوترا لوحيا جديدا كبديل لـ”آيباد إير 2”. وعندما تم إنتاج الحجم المصغر من كل من الطرازين السابقين لآيباد برو، اعتقد المستهلكون حينها أنه كان من المفترض أن يسمى “آيباد ثري”، ولكن قامت أبل بتغيير الإسم لـ”برو” باعتباره تبريرا أفضل لفرق الزيادة في سعره المقدرة بحوالي مئة جنيه إسترليني.

أما جهاز الكومبيوتر اللوحي الجديد فقد كسر القاعدة. فباعتباره جهازا مناسبا في السعر، وأيضا من خلال اسمه والخطة التسويقية المخصصة لبيعه، يبدو أنه سيجتاح السوق الاستهلاكية مع استمرارية وجود عائلة “برو” محتلةً أعلى المستويات بالنسبة إلى هؤلاء الذين يريدون الأفضل.

ويقول هيرن “لأول مرة يمكن القول بأن كوكاكولا التي تشربها أنت الآن مختلفة تماما عن الكوكاكولا التي يشربها الرئيس”. وبدأت احتياجات السوق المتغيرة في الظهور، وأبدت أبل رغبتها في اتخاذ مسار معيّن وهو إنتاج الأجهزة القابلة للارتداء، حيث أطلقت أبل طرازين مختلفين لساعة يد يختلفان في الحجم والسعر. الطراز الأول بسعر أقل وهو مصنوع من الألومنيوم، والثاني المصنوع من الذهب والأغلى في السعر.

وبغض النظر عن هذه الاختلافات، تم مؤخراً إطلاق ساعة اليد من أبل المصنوعة من السيراميك بتكلفة تقدر بـ1200 جنيه إسترليني فقط. وعندما يتعلق الأمر بشراء الأجهزة التي تتضاعف أسعارها مثل المجوهرات، نجد بسهولة أغنى العملاء ممن هم على استعداد للشراء.

ومن المرجّح أن يتم طرح فئة المنتج الجديد بطراز جديد في سبتمبر المقبل. ووفقاً للتكهنات، من الممكن أن تشهد الفترة المقبلة أكبر تغيير في استراتيجية الشركة بطريقة لم نشهدها على مدى عقود مضت. وسيتمثل هذا الانقلاب في ظهور هاتف “آيفون برو”.

ومن المتوقع أن يتم طرح الجهاز الجديد مع بعض التغيرات الجذرية في الشكل والتصميم: مثل شاشة بلا حواف، وقارئ بصمات الأصابع، في حين لا تتمتع بعض الأجهزة الأخرى بتلك الإمكانيات. أما من حيث السعر، فمن المرجّح أن يتخطى الجهاز الجديد حاجز الألف دولار للمرة الأولى في سابقة من نوعها. وبهذا الشكل، لن يكون الجهاز في متناول الجميع وإنما سيكون مخصصا لطبقة معيّنة من المستهلكين.

ويلخص وارهول نظرته للسوق الاستهلاكية قائلا “لا فرق بين جميع المشروبات الغازية، وكلها جيدة. ليز تيلور تعرف ذلك، الرئيس يعرف ذلك، وانت تعرف ذلك”. وكما كان ممكنا لكوكاكولا التصرف بناء على شعبيتها الجارفة واستهدافها لجميع الطبقات في وقت واحد، تستطيع شركة أبل فعل الشيء نفسه اليوم.

وتقول الشركة “الرئيس لديه هاتف أيفون أفضل منك فقط لأننا كنا مجبرين على بيعه له بنفس الثمن الذي دفعته أنت، ولم نتمكن من رفع سعره بمقدار ألف دولار إضافية حتى لا نخسرك أنت كزبون لنا”.

13