أبل تعيش أزمة منتصف العمر

في الذكرى الأربعين لتأسيس شركة أبل في مرآب سيارات في ولاية كاليفورنيا، يتذكر المتابعون للشركة فترة شبابها التي قادها ستيف جوبز وحققت معه نجاحا هائلا، بينما تخطو حثيثا باتجاه أزمة منتصف العمر تحت قيادة تيم كوك “المثالي قليل الحيلة”.
الثلاثاء 2016/04/19
أبل.. تحطيم سقف الطموحات الزجاجي

لندن- تأسست شركة أبل التي تحتفل بعيد ميلادها الأربعين في الأول من أبريل عام 1976، وانتقلت من مرآب لتصليح السيارات في لوس ألتوس في ولاية كاليفورنيا إلى المقر الجديد على شكل السفينة الفضائية “أتش.كيو” في كوبرتينو، ومازال أمام الشركة شوط طويل لتقطعه.

وتدخل الشركة العقد الخامس برأس مال 621.8 مليار دولار. ويقول الرئيس التنفيذي للشركة تيم كوك “هذه هي أم جميع الميزانيات العمومية”، بالإضافة إلى حوالي 216 مليار دولار من الاحتياطيات النقدية.

لكن المعضلات تتوالى على أبل. ومن معارك الشركة مع الحكومة بشأن الخصوصية إلى التساؤلات حول ما هو الشيء المهم في المنتج القادم، تواجه أبل العديد من التحديات، ليس فقط تلك التي تواجه الكثير من الذين يبلغون من العمر 40 عاما، كإنفاق الكثير من المال على سيارة أزمة منتصف العمر التي ربما ليسوا في حاجة إليها.

الحاجة إلى التطوير

أي شركة يتفاخر مديرها التنفيذي بانتظام بأنها “تعمل فحسب” يمكن أن نتوقع أن تواجه الكثير من الانتقادات، عندما تتوقف تكنولوجيتها عن العمل. وشهد هذا الشهر غضب المستخدمين من نظام التشغيل آي.أو. إس 9.3، ووصلات الشحن التي لا تعمل بكفاءة، بالإضافة إلى أجهزة آيفون الجديدة سهلة الكسر، بينما تصاعد الغضب في أعقاب حوادث تعطل متصفح سفاري في يناير الماضي.

السؤال المهيمن على أذهان معظم من يتابعون أنشطتها هو: هل ستمتلك أبل جهازا في حجم أيفون وبنفس تأثيره على السوق مجددا؟

ولا يقتصر هذا التخبط فقط على الأخطاء، إذ مازال برنامج “أي.تيونز” من آبل يواجه انتقادات بسبب واجهته السيئة، في حين بدأ برنامج آي.أو.إس يعاني هجوما عنيفا.

وأصبحت المخاوف من ألا تقدم أبل الشيء الجديد تقليدا سنويا. وعبر منتجاتها؛ من “أي.كلاود” إلى متجر التطبيقات “آب ستور” إلى مركز الألعاب “غيم سنتر” ثم “أبل ميوزك”؛ هناك تساؤلات حول مدى اهتمام الشركة بالتفاصيل، أو اهتمامها بالأشياء التي “تعمل فحسب”.

يتمثل تحدي أبل، وهو ما ينطبق بنفس القدر على كل من غوغل وفيسبوك وأي من شركات التكنولوجيا الكبيرة الأخرى، في تحقيق التوازن بين الاستقرار وسهولة الاستخدام والإيقاع السريع الذي باتت شركات التكنولوجيا تنتهجه للإسراع في عرض منتجاتها.

إحراج سيارات أبل

ويدور في أذهان معظم من يتابعون أنشطة أبل السؤال: هل ستمتلك أبل جهازا في حجم أيفون وبنفس تأثيره على السوق مجددا؟ ويقول ستيوارت دردج، المحلل المتخصص في التكنولوجيا، “يرتكز هذا السؤال على فكرة أن في الغالب يجب الاطمئنان إلى فرضية وجود جهاز آخر يمكن أن يكون شخصيا وبانتشار الهاتف الذكي”. وأضاف “لكن على الأرجح ستنمو أبل على أساس مجموعة كبيرة من المنتجات المؤثرة ذات الحجم الصغير، ويمكن أن تكون مكملة لآيفون”.

وتأتي مبيعات آيباد، ومبيعات الكمبيوتر اللوحي بشكل عام، في ذيل مجمل مبيعات الشركة؛ كما أن الكثيرين يعتقدون أن ساعة أبل الذكية “أبل ووتش” لم تعد جذابة، بالإضافة إلى جهاز التلفزيون أبل تي.في الذي لا يزال يوصف بأنه “غير جدي”. ويستمر المدراء التنفيذيون لأبل في التهرب كلما تم سؤالهم عن “سيارة أبل”.

وقال كوك في شهر فبراير “إن إطلاقها سيكون ليلة عيد الميلاد لبرهة من الزمن”، ولكن إنتاج الشركة لهذه الفئة من المنتجات يعد أمرا هائلا وتحديا كبيرا، من التصميم إلى التكنولوجيا إلى القرارات المستقبلية الأساسية، مثل ما إذا كانت السيارة تقاد بشريا أو أنها ستكون ذاتية القيادة باستخدام نظام “سيري”، وهو ما سيتقرر عندما يحين وقت عرضها للبيع.

ستيوارت دردج: على الأرجح ستنمو أبل على أساس مجموعة كبيرة من المنتجات المؤثرة ذات الحجم الصغير، التي يمكن أن تكون مكملة لآيفون

ويتمثل تجسيد قوة أبل في منتجاتها الحديثة (مثل آيبود وكل شيء بعده) في التكتم على ما تقوم به الشركة، لكن بات واضحا أن فرص إنتاج منتجات جديدة ستتضاءل في السنوات المقبلة؛ من الشاشات المسطحة إلى سماعات الواقع الافتراضي.

الخصوصية والكفاح بحذر

تمت كتابة العديد من المقالات عن الصراع الأخير الذي خاضته أبل ضد مكتب التحقيقات الفيدرالي من أجل فك شفرة هاتف أحد الإرهابيين الذين شنوا هجوما على ناد اجتماعي في مدينة سان برناردينو في ولاية كاليفورنيا الأميركية في ديسمبر الماضي، وراح ضحيته 14 شخصا. وساهم إسقاط القضية في فتح الباب على مصراعيه أمام مسائل أوسع من قبيل التشفير والخصوصية والسلامة العامة.

اتخذ كوك قرارا جريئا بإخراج هذا الصراع إلى العلن، “سواء اتفقنا مع وجهة نظر الشركة، وردها شديد اللهجة على مطالب مكتب التحقيقات الفيدرالي أو لا، فقد كان من المهم أن يتم نقاش القضية بشكل علني”، وذلك لأسباب أولها أنه ينبه العالم إلى حقيقة أن الحكومات قد تسعى إلى الإبقاء على مثل هذه الحالات غاية في السرية في المستقبل.

لكن مكتب التحقيقات الفيدرالي تمكن رغم ذلك من الاستعانة بقراصنة ساعدوه على فك الشفرة بعيدا عن أبل. ويتساءل محللون كيف ستمتد حماية الشركة لعملائها في المناطق البعيدة التي تتسم بغياب مفهوم الشفافية والخصوصية مثل الصين وروسيا؟

وبالتوازي مع صراعها مع الحكومات، يبدو أن الشركة دخلت في سباق تسلح مستمر ضد المجرمين والقراصنة يقوم على التأكد من أن التكنولوجيا باقية داخل دائرة الرقابة الداخلية، وأن منصات أبل الأخرى تبقى حاجزا فعالا لأي شخص ينوي إلحاق الأذى بالآخرين في الفضاء الإلكتروني.

حارس البوابة الإعلامية

شركة يتفاخر مديرها التنفيذي بانتظام بأنها “تعمل فحسب” يمكن أن نتوقع أن تواجه الكثير من الانتقادات، عندما تتوقف تكنولوجيتها عن العمل

تاريخيا، ترى أبل نفسها شركة تزاوج بين التكنولوجيا والفنون الحرة، وهو ما يعني أنها في عام 2016، ستتمكن من طرح نفسها كحارس بوابة أو مرشح قوي لحماية الفنون الليبرالية والترفيه والمعلومات.

وكان طريق أبل وعرا في بعض النقاط، إذ تصاعد الجدل حول الرقابة المفروضة على صفحات العري في متجر التطبيقات، أو تلك المفروضة على الألعاب الساخرة مثل السخرية من كوريا الشمالية، أو على ألعاب عن الحرب في سوريا، أو التطبيقات التي تتعقب الوفيات الناجمة عن هجمات الطائرات الأميركية من دون طيار في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى رفض شركة الكاريكاتير الرقمي “كوميكسولوجي” فرض رقابة داخلية على إحدى القصص التي تصور مشاهد جنسية للمثليين.

وفي بعض الحالات، قد تغير أبل؛ أو على الأقل توضّح؛ سياساتها، وستتمحور كل هذه التغييرات حول الكتب والموسيقى والأفلام التي تعتقد الشركة أنها أكثر استحقاقا لمعالجة بعض القضايا الخلافية، مقارنة بالألعاب التي ما تزال تعتبرها الشركة ثقافة غريبة عنها.

ولكن ستكون هناك أشياء أخرى في المستقبل. وتندب شركات الموسيقى مثل “سبوتيفي” حظها حول التخفيض بنسبة 30 في المئة الذي حصلت عليه أبل من الاشتراكات في تطبيق “إي.أو.سي”، في حين منعت المستخدمين من الدخول إلى مواقعها للاشتراك بشكل مباشر.

وأغلقت أمازون قنوات التعامل مع أبل في أكثر من تطبيق لمبيعات الكتب الإلكترونية في الماضي، وقد تفعل الشيء نفسه مع الاشتراكات على خدمات الفيديو في المستقبل.

وبإمكان تطبيق “أبل نيوز” للأخبار أن يصبح أحد المرشحين الرئيسيين، إلى جانب فيسبوك وغوغل على أندرويد، لقراءة الأخبار، من دون الإشارة إلى أنه مصدر رئيسي لعائدات الإعلانات للناشرين.

ويقول دردج إن “هذه أوقات مهمة بالنسبة إلى الشركة التي تصاب بالحساسية عندما يتعلق الأمر بالانتقادات. المخاوف هنا ليست فقط أن أبل قد تتخذ إجراءات للحد من توزيع الأخبار الحرجة أو المنشورات المشكوك فيها، ولكن تكمن هذه المخاوف أيضا في التأثير السلبي المحتمل للناشرين الذين يتوقعون أن تفعل الشركة ذلك، مثل تأثير شركة كوميكسولوجي”.

العمال والنساء والمناخ

صديقان يفتقدان بعضهما البعض

نظرا لثروتها ونفوذها، قد تدقق أبل لبعض الوقت في قضايا حقوق العمال، ومناخ العمل والمساواة. في بعض الأحيان تم الثناء على اتخاذ أبل لمواقف قوية في العلن بشأن قضايا زواج المثليين وتغيّر المناخ. وقال تيم كوك ذات مرة بغضب لأحد المناضلين ضد إجراءات معالجة تغير المناخ “اخرج من هذا المخزن”.

ومع ذلك، في أحيان أخرى، تعرضت أبل للهجوم لأنها لم ترق إلى مستوى التوقعات؛ إن لم يكن الالتزامات القانونية؛ حول مسائل ظروف العمل في المصانع الصينية التي تقوم بتصنيع منتجاتها.

في بعض الأحيان، يمكن أن تثير تساؤلات صغيرة حول هذه القضايا تلميحات عن تحديات واسعة النطاق؛ لماذا يبدو نظام سيري (المتصفح المعرفي) كأن لديه مشكلة مع زواج المثليين في روسيا؟ لماذا استغرق الإصدار الأولي من التطبيق الصحي “أبل هيلث” زمنا طويلا؟ ولكن يمكن للشركة أن تدير النقاش والعمل من خلال خطواتها الكبرى. ففي فبراير 2016، أعلنت أبل عن تخصيص 1.5 مليار دولار في إطار توسيع جهودها للحد من تأثيرها على البيئة.

لا تقتصر هذه القضايا على أبل، فقد أعرب الصحافيون والمشترون على حد سواء عن رغبتهم في طرح أسئلة صعبة في السنوات المقبلة. من بين هذه الأسئلة: ما هي مصادر المواد الموجودة داخل هواتفنا الذكية؟ كيف يتم تجميعها ومعالجتها من طرف العمال؟ ما مدى محافظة هذه المصانع على البيئة؟ ما مدى تأثير المديرين التنفيذيين من البيض والذكور على اتخاذ القرارات حول هذه وغيرها من الاستراتيجيات؟

تحت قيادة كوك، أظهرت أبل استعدادها للانفتاح على هذه القضايا، واتخاذ مواقف جريئة. الاستمرار في هذا قد يكون من المزايا التنافسية، ولكن الأهم من ذلك، أن يكون من الأمور الضرورية.

13