أبل.. عقلان وشخصيتان وسبعة أرواح

مرت أربعة أعوام على وفاة ستيف جوبز مؤسس شركة أبل، ومنذ ذلك الحين تمكنت الشركة التي فاجأت العالم بابتكاراتها التكنولوجية من الانتقال إلى مستويات أخرى، إذ تحولت إلى الشركة الأكثر شهرة ونجاحا في العالم.
الأحد 2015/10/18
هل افتقدت أبل ستيف جوبز

لندن – بينما لا تزال سيرة ستيف جوبز تمثل إشارة تلقائية لنجاحات عملاق التكنولوجيا أبل، تمكنت الشركة تحت قيادة خليفته تيم كوك من التوغل بشكل أكبر في قضايا المجتمع، في وقت وسعت فيه من قاعدة إنتاجها التكنولوجي.

وفي الذكرى الرابعة على وفاته مطلع الشهر الجاري نعى كوك جوبز “الرجل الأسطورة”.

وأرسل كوك بريدا إلكترونيا لموظفي أبل، سلط فيه الضوء على ذكرى جوبز، وكتب “في ذلك اليوم، نحن في شركة أبل فقدنا زعيما، بل معلما، بل أن الكثير منا فقد صديقا عزيزا”.

وتابع في رسالته للموظفين “علينا المضي قدما لإضافة الكثير لما قدمه جوبز وذلك من أجل إنعاش روح الابتكار”. كما غرد كوك على حسابه عبر موقع تويتر قائلا “الجميع في أبل لهم الشرف في إكمال ما كان يحبه كثيرا”.

ويتذكر الموظفون وعشاق أبل أيام جوبز بكثير من الحنين، لكنهم يعتقدون أيضا أن هناك أسباب وجيهة جعلت أبل تبدو أفضل الآن.

أبل مكان أكثر ألفة

مع أن جوبز اشتهر برؤيته العبقرية للمستقبل وبحثه الدائم عن الكمال، يقول مساعدوه إنه لم يكن هذا الشخص الاجتماعي في تعاطيه مع الدائرة المحيطة به.

ومنذ وفاته، تتبع الكثيرون سيرته الذاتية ووصلوا إلى حقيقة أنه كان كابوسا حينما يتعلق الأمر بإدارة الموظفين.

ولم تكن شعبيته وحدها من ساهمت في إبقاء ممارساته بعيدة عن أعين المجتمع، لكن سياسة أبل التي اعتمدت السرية بشكل كبير أدت إلى رؤية جمهور أبل من الخارج فقط.

شغلت مؤخرا تساؤلات "ماذا كان لجوبز أن يفعل في هذه الحالة؟" كثيرا من المحللين الذين لا يروق لهم ما يفعله تيم

وعلى النقيض، لا يبدو تيم كوك مهموما بالبحث عن شعبية للشركة ولنفسه كقائد لها من خلال السعي لتحقيق الإنجازات فقط.

وقالت دينيس يونغ سميث مديرة الموارد البشرية في أبل “ما يعشقه الناس في تيم أنه رجل يحرص على مبادئه وعلى الاحتفاظ بثقة من حوله، إنهما أمران لا ينفصلان”.

وأضافت سميث التي عملت تحت إدارة الرجلين “كل منا يحلم بأن يعمل مع مدير يساعده على القيام بعمله على أكمل وجه. هو يفعل ذلك، لكن فوق كل ذلك يساعدك تيم على أن تصبح إنسانا أفضل”.

بات لدى أبل حس اجتماعي

وإلى جانب مزاياه الشخصية، وضع كوك سياسة جديدة في أبل تعتمد في المقام الأول على التعامل مع محيط الشركة الخارجي.

وأظهر كوك التزاما واضحا بالتكنولوجية النظيفة التي يأمل من خلالها في مكافحة تغير المناخ، وإلى جوار ذلك بات يطمح في منح مستخدمي أبل مزيدا من الخصوصية التي يطالبون بها طوال الوقت، رغم كل التحديات والهواجس الأمنية التي يواجهها من قبل الحكومات.

وأدخل كوك ثقافة التنوع لأول مرة في الشركة. وقبل أيام عينت الشركة أول أميركي من أصول أفريقية كعضو في مجلس إدارتها، كما فتحت أبوابها لعدد أكبر من النساء الباحثات عن فرصة للعمل في أبل.

الشركة قفزت إلى آفاق جديدة لم تكن تصل إليها في عهد جوبز

ولم تتوقف جهود كوك، الذي لا يخجل من الإعلان عن مثليته الجنسية، للوصول إلى هذا التنوع داخل الشركة، لكنه كمدير تنفيذي لأكثر الشركات نجاحا في العالم ساهم أيضا في حملة إقرار قانون زواج المثليين في الولايات المتحدة.

ويقول تشاد غريفين رئيس الحملة الأميركية لحقوق الإنسان “عبر المثال الذي يقدمه والتزام أبل بتحقيق المساواة، فإن الشباب في الولايات المتحدة يمكنهم اليوم فحص ما حققه كوك بعناية كي يبذلوا كل طاقاتهم للوصول إليه”.

ورغم كل ذلك، مازال البعض يضع علامات استفهام حول ظروف عمل الموظفين داخل مختبرات أبل، وعلى سبيل المثال الطريقة التي يتعرضون بها دائما للإحراج من أجل تفتيش حقائبهم في كل يوم عندما يحين وقت المغادرة.

أبل منفتحة على مزيد من التغيير

وطبقا لموظفين عملوا مع ستيف جوبز، فقد كان الرئيس الراحل لأبل أحادي الرؤية وعنيد إلى حد بعيد.

وقادت طبيعته شركة أبل إلى محيط الشركات القائدة في مجال التكنولوجيا في مرحلة انطلاقها.

لكن عناده الهائل فوت على أبل الكثير، إذ كان من غير المسموح تطبيق أو تبني أي رؤى أخرى خارج نطاق رؤيته.

وطرح جهاز كومبيوتر لوحي أصغر حجما لم يكن ليحدث خلال عصر تولي جوبز لرئاسة أبل، وربما لم يكن العالم ليرى أجهزة الشركة التي تعمل باستخدام القلم.

ولم يكن حينها من الواضح أيضا ما إذا كانت الشركة ستكون مرنة للدرجة التي تنتج معها حجم شاشة كبيرة كشاشة هواتف أيفون 6 بلس وأيفون 6 اس بلس.

وبينما لا يبدو في أعين أنصار جوبز أن الشركة ستكون قادرة على المحافظة على قيادة سوق التكنولوجيا عبر انتهاج طريقة كوك التي يرونها “تخريبية” إلى حد كبير عبر إنتاج أجهزة تشبه تلك التي تم طرحها في السابق بواسطة شركات منافسة كسامسونغ ومايكروسوفت، فقد جذبت أبل العالم إلى قائمة طويلة من المنتجات الأكثر تنوعا والتي تمنح المستخدمين خيارات عدة، على عكس عقلية “المقاس الواحد” التي كانت سائدة في عهد جوبز.

أنصار جوبز لا يرون أن الشركة ستكون قادرة على المحافظة على قيادة سوق التكنولوجيا عبر انتهاج طريقة كوك التي يرونها “تخريبية” إلى حد كبير

كاريزما أبل تخفت

ولم تفقد أبل كما كان متوقعا مكانتها حينما تم تعيين كوك، الذي كان يرأس في السابق القسم المالي، بل على العكس قفزت الشركة إلى آفاق جديدة لم تكن تصل إليها في عهد جوبز. ورغم ذلك لا تبدو الشركة محتفظة بنفس درجة السحر التي كانت تضفيها في السابق على جمهورها في المؤتمر الصحفي السنوي الذي كان يحظى بمتابعة الملايين.

ويقول متابعون لأبل إن الشركة لم تعد قادرة على إطلاق صيحة الإعجاب التي كان جوبز ينتزعها من الجمهور في السابق. الهالة المحيطة بها لم تعد موجودة. ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى قدرة جوبز الفريدة على تحويل المؤتمر الصحفي المخصص للإعلان عن منتجات الشركة الجديدة إلى حدث تاريخي، على عكس مقاطع الفيديو المملة التي دأبت الشركة مؤخرا للجوء إليها من أجل الإعلان عن ما هو جديد.

لكن هذا الملل لم يعد مقتصرا بالضرورة على طريقة تقديم المنتجات فقط، بل امتد إلى هذه المنتجات أيضا.

وعلى سبيل المثال كان من المأمول لساعة “أبل ووتش” أن تحقق توسعا كبيرا، لكنها لم تفعل ذلك.

تراث ستيف أضخم من أن يدفن في ظلال شخصية تيم

وينطبق الشيء نفسه على جهاز الكومبيوتر اللوحي “آيباد برو” الذي يرى فيه الكثيرون أكثر الأجهزة بعدا عن خط أبل الذي اعتاد جمهور الشركة عليه.

ونتيجة لذلك بدأت تساؤلات “ماذا كان لجوبز أن يفعل في هذه الحالة؟”، تظهر بوضوح في أحاديث محللي التكنولوجيا وحتى بعض الموظفين في أبل.

وتفتقد أبل ووتش وآيباد برو للمسة الأخيرة التي طالما ميزت منتجات أبل عن باقي الشركات الأخرى في عهد جوبز.

لكن لا أحد يستطيع أن يضع يده على هذا الشيء الذي بات كل من يتعامل مع تكنولوجيا أبل يشعر بغيابه.

ومن ثم ستستمر ذكرى جوبز تضيء كل عام واقع كوك، لكن الاثنين لا يمكن فصلهما بأي حال إذ رغم الاختلاف الحاد الذي يبدو في شخصيتهما، لا تزال أبل قادرة على إبهار العالم، وإن كان هذا الإبهار ينبع من شخصيتين مختلفتين.

وستعيد هذه الذكرى كل عام السؤال الذي لا يزال يطرح: هل فعلا تحتاج أبل ستيف جوبز؟. هل تأثرت كثيرا بغيابه؟. وفي الواقع فإن غير الراضين عما تقدمه الشركة حاليا من تقنيات، سيجيبون بلا شك بنعم.

فالكثيرون لا يزالون يرون أن أبل لم تعد تقدم شيئا مبتكرا كل عام كما عود جوبز الجمهور، وأن الكثير من قراراته كانت ستغير العــديد من الأمــور وستختلف عما عليه حاليا.

في حين يرى الجانب الآخر أن السبب في ذلك قد ينحصر في أن أبل تعاني منافسة قوية من الشركات العملاقة الأخرى مثل سامسونغ وغوغل، وهو عنصر لم يكن موجودا بهذا الشكل وقت ستيف جوبز وأنها ستبقى محتلة لصدارة التقنيات التي لا تشبه غيرها.

19