أبل وغوغل.. عقد من الصراع على عقول البشر

تقاسم الأدوار والأسواق ومجالات العمل بين غوغل وأبل انقلب إلى عداء شديد يسعى فيه أحد العملاقين إلى الهيمنة على أسواق وأدوات وفلسفة الآخر في السيطرة على أوقات عمل الناس وأوقات فراغهم.
الثلاثاء 2016/08/30
لعبة شد حبل الأفكار

في العقد الماضي لم تكن هناك شركتان أثرتا على حياة الملايين مثل غوغل وأبل، ولم يكن هناك صراع في سيليكون فالي أكثر شراسة من صراع عملاقي التكنولوجيا الأكثر نفوذا، هذا الصراع الذي انطلق منذ إعلان ستيف جوبز عن هاتف آيفون ونظام تشغيل IOS عام 2007، وإعلان غوغل، في ما بعد، عن إطلاق نظام التشغيل المنافس آندرويد.

قبل بدء تلك المعركة كانت الشركتان أفضل الأصدقاء، ليس على مستوى التعاون التقني والتجاري فقط بل على المستوى الشخصي وعلاقة الصداقة بين المدراء، بين ستيف جوبز ومدراء غوغل بيج وشميدت وبراين.

الكثير من الشخصيات المرموقة في عالم التقنية والأعمال كانت تحتل مقاعد في مجلس إدارة غوغل وأبل.

يقول الكاتب والمحلل التكنولوجي فريد فوجيلستاين “إن مجلسي الإدارة لكل من غوغل وأبل، كانا على مستوى عال من التشابك إلى درجة أن الشركتين كانتا تقريبا شركة واحدة”.

كان هناك نوع من تقاسم الأدوار والأسواق ومجالات العمل بين غوغل وأبل. أبل تصنع أجهزة أنيقة متطورة تمسك باليد أو تحتل طاولة المكتب، وغوغل يقدم خدمات الإنترنت.

محبة قبل العداوة

عندما وقف جوبز ليعلن السر الكبير الذي كانت تطوره شركته على الملايين من المتابعين عام 2007 ممسكا بالآيفون، قال “هذا ليس هاتفا عاديا، إنه أول هاتف موصول بالإنترنت بشكل كامل، ويحتوي على متصفح ويب كامل، ويسمح باستعمال غوغل بشكل كامل أيضا”. وأضاف بتفاخر يدل على قوة العلاقة بين الشركتين وعمقها “وما هي الإنترنت من دون غوغل؟ لا شيء”.

كانت شركة غوغل على مستوى المدراء وبعض المهندسين، تعرف مسبقا بخطط أبل وجوبز بخصوص الآيفون، بل في حين أن الآلاف من الموظفين من أبل لم يكونوا على علم بخطط شركتهم التي كانت تطور الآيفون في قسم خاص ومكاتب محاطة بسرية تامة، وكأنها في قاعدة عسكرية، كان لدى غوغل، وبالاتفاق المسبق مع أبل، قسم خاص سري مطلع على برنامج الآيفون ويقوم بتطوير تطبيقات غوغل التي سوف تعمل على الآيفون مثل تطبيق الخرائط وتطبيق جي ميل وغيرهما.

تاريخيا عملت غوغل داخليا وخارجيا بسياسة انفتاح وفلسفة المشاركة، وهذه نفس الفلسفة التي بنيت عليها الإنترنت ومكنتها من الانتشار السريع. كل قسم في غوغل يعلم ما يطور القسم الآخر، تقريبا بلا أسرار. يقدم غوغل أغلب خدماته للمستخدم الشخصي مجانا ويجني الأرباح من الإعلانات، وتتبع أغلب تقنياته نظام المصدر المفتوح (Open Source) بحيث يستطيع الجميع فهمها وتطوير البرامج التي تعمل عليها.

تتبع أبل في المقابل سياسة السيطرة الكاملة على منتجاتها. هدفها الأول هو تقديم أفضل الخدمات، وأن تكون أجهزتها وتقنياتها الأكثر تطورا وسهولة ومتعة أثناء الاستعمال.

الصراع بدا وكأنه محتدم بين سامسونغ وأبل، لكن الواقع هو أن المنافسة بينهما مجرد معركة جانبية لصراع أكبر بين غوغل وأبل

من أجل هذا الهدف تسعى الشركة إلى التحكم بكل مراحل التطوير والإنتاج، إذ عملت تاريخيا بسرية تامة لكي تحمي نفسها من المنافسين. فقبل الآيفون ونجاحه الباهر وقبل عودة جوبز لإدارتها كانت دائما عرضة للإفلاس وعرضة للابتلاع من مايكروسوفت.

كان هناك احترام وتقدير متبادلان بين مدراء أبل وغوغل لفلسفة الآخر وأسلوبه في العمل، وكان هناك تَفهم متبادل للمخاطر التي تحيق بكل منهما.

كان يجمعهما أيضا العداء الشديد لمايكروسوفت، فشركة غوغل كانت تخشى من احتمال سيطرة مايكروسوفت على سوق الهواتف الذكية وبالتالي إزاحة محرك غوغل من هذه الهواتف لصالح محرك بحث مايكروسوفت بينغ.

قبل الآيفون كان أهم منتج لدى أبل هو الآيبود (iPod)، وهو جهاز صغير لسماع الموسيقى موصول مع متجر آيتيونز لبيع الأغاني. نجاح هذا الجهاز الباهر وانتشاره الواسع صوحب بطلب دائم وإلحاح عال من الجمهور على أبل جوبز لتطوير هذا الجهاز وجعله قادرا على إجراء المكالمات الهاتفية لكي يستغني الشخص عن حمل جهازين واحد لسماع الأغاني والآخر للمكالمات الهاتفية.

عندما ظهر جوبز وكأنه رافض تماما لفكرة دخول سوق الهواتف النقالة والدخول في منافسة شركات الاتصال التي كان يزدريها، بدأت تلك الشركات بتطوير هواتف تقدم خدمة السماع للأغاني، أي أنها حاولت تلبية احتياجات جمهور ستيف جوبز بدلا منه.

مع حلول عام 2005 اقتنع جوبز بفكرة تطوير الهاتف بعد أن أقنعه مهندسو أبل أن بإمكانهم تطوير جهاز ثوري يغير العالم. وبعد معاينة التصاميم المقترحة، أعطى جوبز موافقته على انطلاق مشروع تطوير الآيفون.

مكنت المصالح المشتركة والصداقات والاحترام المتبادل شركة أبل من التعاون المبكر مع غوغل، ومن فتح ملفاتها السرية بشكل لم تعتد عليه من قبل، وفي المقابل، رغبة غوغل في منع سيطرة مايكروسوفت على سوق الهواتف جعلها تتعاون مع أبل وتبقي هذا التعاون سريا حتى داخل غوغل نفسها.

عندما أطلق جوبز الآيفون جنبا إلى جنب مع مدراء غوغل الذين شاركوه المنصة وتصرفوا كشركاء ومنتصرين، لم يكن أحد يعلم ما يدور في دواخلهم، أو أنه كان هناك مدراء أقسام ومهندسون في قسم سري داخل غوغل يشعرون بالهزيمة والخذلان والانكسار.

لم يكن أحد يعلم أن شركة غوغل، وبسرية مطلقة على غير عادتها، كانت تعمل منذ سنوات على تطوير جهاز هاتف محمول، في مكاتب مغلقة في نفس البناية التي كانت تحوي مكاتب المهندسين من غوغل الذين عملوا بسرية أيضا على تطوير برامج شركتهم لصالح أبل.

بالنسبة إلى مدراء غوغل كان الرهان على حصانين أفضل من الرهان على حصان واحد للتغلب على مايكروسوفت. فقد راهنوا على الجهاز الخاص الذي كانوا يطورونه سرا وعلى جهاز الآيفون الذي كانت تطوره أبل. لعلهم كانوا مقتنعين أنهم سيتمكنون في النهاية من الحفاظ على صداقتهم مع جوبز وتطوير التعاون بينهما.

حرب باردة تسعى فيها كل شركة إلى الهيمنة على أوقات الناس

جهاز آيفون لم يكن هاتفا عاديا، بل كان نقلة نوعية في اتجاه تغيير العالم. بعد إصداره صارت هناك قناعة عامة وربما عند مدراء غوغل، أن أبل لن تكون مجرد منافس آخر في سوق الهواتف الذكية، بل ربما تصبح اللاعب الوحيد، مما قد يجعل غوغل تحت رحمة أبل.

فمنذ البداية كان هناك اتفاق معلن بين أبل وغوغل تقدم غوغل بموجبه 70 مليون دولار لأبل مقابل جعل خدمات غوغل تحتل الأولوية في آيفون.

قد يكون الخوف من المستقبل ومن تغير موازين القوى لصالح أبل يشكل إجحافا لغوغل. لم تتراجع غوغل عن مشروعها الخاص بل عملت بتسارع أكبر على تقديم جهاز منافس مما جعل ستيف جوبز وأبل يشعران وكأنهما خدعا من قبل غوغل.

يقول فوجلستاين في كتابه “العمالقة” إن “ستيف جوبز بدأ يقتنع أن الهاتف الذي تحلم غوغل بتطويره، ليس أكثر من نسخة مسروقة عن آيفون الذي طوره”. وأضاف “في ربيع عام 2008 أصبح واضحا أن الصداقة والتعاون بين الشركتين لن يستمرا”.

في البداية، حاول جوبز، من خلال علاقته القوية مع مدراء غوغل، ثنيهم عن مخططاتهم، وكاد ينجح حسب الكثير من المصادر، ولكن أثناء فترة مرضه سارعت شركة غوغل بتطوير برنامجها مستغلة بعد جوبز عن المشهد.

مع الوقت غيرت غوغل من استراتيجتها. وبدلا من تطوير أجهزة هاتف خاصة بها عملت على جعل نظام آندرويد لتشغيل الهواتف الذكية متاحا لكل من يريد من الشركات لكي تصنع أجهزة تنافس أجهزة أبل.

نحن الآن على بعد أقل من أسبوعين عن موعد طرح آيفون 7. تنتشر الشائعات عمّا هو الجديد الذي ستقدمه أبل في هذا الإصدار وعن مفاجآت قد يعلن عنها المؤتمر القادم.

تتجدد أيضا الشائعات عن نية غوغل طرح أجهزة هاتف جديدة تنافس آيفون. هذه المرة قد يكون التصميم والتصنيع والتسويق من قبل غوغل مباشرة وليس من خلال شركات أخرى مثل سامسونغ.

صراع لم يحسم بعد

إن دل هذا على شيء، فإنه يدل على أن الصراع والتنافس بين أبل وغوغل المحتدم منذ عام 2007، مازال مستمرا ولم يحسم بعد.

هناك معركة سيطرة محتدمة على سوق الهواتف الذكية بين أبل وغوغل. بين آيفون ونظام IOS الذي تملكه أبل وبين غوغل ونظام آندرويد الذي تستخدمه العديد من الشركات في هواتفها مثل شركة سامسونغ وهواتف جالكسي.

الصراع الحقيقي هو من سيحتل أكثر أوقات عمل الناس وأوقات فراغهم، ومن سيصل إلى عقول الناس وقلوبهم أكثر

قد يتفاجأ البعض أن هناك معركة وصراعا مريرا بين أبل وغوغل على سوق الهواتف. في الأعوام الأخيرة كان الصراع يبدو وكأنه محتدم بين سامسونغ وأبل! بين آيفون وجالكسي والمنتجات الأخرى التي تملكها كل شركة.

في الواقع، المنافسة بين أبل وسامسونغ مجرد معركة جانبية لصراع أكبر بين غوغل وأبل، في النهاية أجهزة سامسونغ تعتمد على نظام آندرويد وتطبيقات وخدمات غوغل.

الحكمة الشائعة بين الخبراء والمتابعين للتكنولوجيا أن الفائز في صراعات وادي السيليكون يفوز بكل شيء، فدائما ما ينتهي الصراع باستحواذ احد الأطراف على حوالي 75 بالمئة من السوق أو أكثر، في حين يترك باقي المنافسين يصارعون من أجل البقاء ويتقاسمون الفتات المتبقية.

للوهلة الأولى قد يبدو أن هذا تحقق فعلا، وأن الفائز هو نظام آندرويد. فالأرقام الأخيرة التي نشرتها شركة جارتنير للأبحاث تقول إن آندرويد من غوغل يستحوذ على ما مجموعة 82 بالمئة من أنظمة التشغيل التي تستعملها الهواتف، في حين أن نظام iOS من أبل يستحوذ فقط على 14.6 بالمئة من الهواتف.

لكن هذه الأرقام تخفي الصورة الحقيقية التي مازالت تقول إن أبل تحقق النسبة الأعلى من الأرباح المالية من سوق الهواتف الذكية، والأهم من ذلك، أن الآيتيونز (سوق أبل الخاص لبيع المحتوى من موسيقى وأفلام) مازال هو الأقوى ويحصد أغلب الأرباح في هذا المجال ويهيمن على أهم وأكبر الأسواق المتمثلة في السوق الأميركية وباقي الأسواق الغربية، ويعتبر المرشح الأقوى حظا للفوز.

عندما نقول أن أبل تملك 14.6 بالمئة من السوق فهي فعلا تملك هذه النسبة، على العكس من غوغل التي فعليا تتقاسم باقي السوق مع العديد من الشركات أشهرها وأكبرها سامسونغ التي تقدم هواتف جالكسي المتطورة. كما أن هناك شركات أخرى أقل شهرة من جالكسي في الصين والهند تقدم أجهزه هواتف ذكية اقل جودة وتباع بأسعار منخفضة لتناسب تلك الأسواق.

في حين أن نظام IOS تملكه أبل تماما وهي صاحبة الحق الوحيد في التصرف به وتملك كل حقوقه الفكرية والعديد من براءات الاختراع الخاصة به.

نظام آندرويد في المقابل نظام Open Source مفتوح وتستطيع أي شركة استخدامه وتعديله، وهذا ما جعله ينتشر بسرعة أكبر، وهذا في نفس الوقت يقلق غوغل، فشركة سامسونغ، أو أي شركة أخرى، قد تقرر في أي وقت أن تطوره بمعزل عن غوغل وتطلق سوقها الخاص لبيع التطبيقات والأغاني والموسيقى والفيديوهات وحتى استخدام محركات بحث غير غوغل، مما يجعل غوغل تخسر السوق والمليارات من الدولارات ويعيدها إلى المربع الأول.

الصراع الحقيقي بين أبل وغوغل وباقي الأطراف ليس فقط على من يبيع أجهزه هاتف أو من ينشر نظام تشغيله بشكل أوسع، أو من تحتوي أجهزته على تقنيات أكثر تطورا من أجهزة الآخر.

الصراع الحقيقي هو على من سوف يتحكم في مستقبل الميديا والإعلام، ومن يتحكم بالأسواق المستقبلية التي تبيع المحتوى من أفلام وموسيقى، ومن يكون جمهوره أكثر قدرة على الشراء. الصراع الحقيقي هو من سيحتل أكثر أوقات عمل الناس وأوقات فراغهم، ومن سيصل إلى عقول الناس وقلوبهم أكثر.

محلل تكنولوجي
13